هي مزارع صغيرة تتوسط الأبنية الشاهقة العتيقة داخل أسوار صنعاء القديمة، مزارع أملتها ضرورات حياتية وأمنية وجغرافية، كانت ذات يوم بالغة الخضرة وافرة العطاء بمحاصيلها من الخضروات، كما كانت بساتين صغيرة تطل عليها شرفات ونوافذ البنايات التي تحيط بها، وتقصدها العائلات والزوار لقضاء وقت وسط تلك الخضرة. الآن انحسرت الخضرة اليانعة وحل مكانها اللون الأصفر بسبب شح المياه وندرتها واعتماد المساجد التي كانت ترويها بمياه غير ملوثة على الشبكة العامة للمياه، محاولات جادة تبذلها الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية لاعادة تأهيل تلك المزارع، التقرير الثاني يلقي الضوء على البساتين الصغيرة داخل صنعاء القديمة، ويكشف الجهود التي تبذل لتأهيلها. «المقاشم» في الدارجة اليمنية تطلق على حقول زراعية صغيرة غالباً ما تتوسط الاحياء السكنية في المدن اليمنية القديمة تستزرع فيها محاصيل زراعية تستهلك يومياً على الموائد اليمنية مثل «الفجل، البقدونس، الجرجير، البصل.. إلخ». وأصل تسمية هذه الحقول الزراعية الصغيرة المنتشرة داخل الأحياء السكنية مشتقة من «القُشمي» في الدارجة الصنعائية والذي يعني «الفجل» بالعربية الفصحى ويبلغ عدد هذه المقاشم داخل أسوار صنعاء القديمة وحدها حوالي الخمسة عشر، بعضها ما زال يانعاً، دائم الاخضرار، والبعض الآخر تحول إلى مكب للنفايات، الأولى تعطي مناظر خلابة لمشهد الحي، لا سيما عند الاطلالة عليه من سقف أي بناية مجاورة من بنايات صنعاء القديمة الشاهقة، فيما الأخرى تشوه الحي وتنبعث منها روائح كريهة منفرة. ولأن صنعاء القديمة مدرجة ضمن التراث الانساني للبشرية كلها، كإرث تاريخي مشترك، علاوة على انها من أهم المزارات السياحية التي يقصدها السياح الأجانب، فإن هذا الوضع يتطلب اجراءات عملية لاعادة تأهيل المدينة بالشكل الذي يتناسب وهذه المكانة، وهو ما تعمل الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية على تحقيقه عبر تبني برامج تهدف إلى اعادة تأهيل هذه المقاشم بمساعدة دولية غايتها ارجاع تلك المروج الخضراء إلى سابق عهدها داخل اسوار المدينة القديمة لينتفع الناس من محاصيلها ولتضفي جمالاً على المدينة يحكي أسلوب حياة أهلها. وبالفعل بدأت الأشغال على قدم وساق لاعادة تأهيل تلك المقاشم الخمس عشرة بجهود الهيئة وخبراء من ألمانيا وهولندا وسويسرا لكن، ومع ذلك تظل هناك صعوبات لا ينكرها المنفذون في ان تعود كل تلك المقاشم إلى ما كانت عليه. ضرورات حياتية وأمنية وجود هذه المقاشم وانتشارها داخل احياء صنعاء القديمة أملتها شروط وظروف خاصة كما يقول صالح الناشري أحد سكان المدينة القديمة، ومن هذه الشروط والظروف الخاصة ان اليمنيين يميلون كثيراً إلى استهلاك مثل تلك المحاصيل الزراعية على موائدهم، الأمر الآخر ان مثل تلك «المقاشم» كانت بمثابة متنزه يذهب إليه السكان لشراء حاجاتهم من تلك المحاصيل، وظلت فضاء مفتوحاً على المساكن المحيطة بها بطبيعة البناء المعماري داخل المدينة، حيث من المعروف ان التوسع المعماري كان توسعاً أفقياً، ربما لدواع أمنية بحتة حيث من النادر ان يشيد السكان مساكنهم خارج أسوار المدينة خشية من مهاجمة اللصوص وقطاع الطرق ما حتم عليهم التوسع الأفقي داخل المدينة قديماً. ويضيف الناشري موضحاً ان التوسع الأفقي هذا للمساكن يترتب عليه التزاحم على مساحات صغيرة بأبنية متراصة وأحياناً متلاصقة وهذا بدوره يؤدي إلى تقلص المساحات المفتوحة من هنا كانت حاجة الناس ماسة إلى مثل تلك الفضاءات المفتوحة التي تمثلت بالمقاشم هذه، حيث نجد ان كل حي من أحياء المدينة يتوسطه «مقشامة» تطل عليها المساكن من جهات أربع وأحياناً جهتين أو ثلاث. ويستطرد موضحاً: ان كل «مقشامة» من المقاشم الموجودة داخل المدينة تكون بجانب مسجد الحي وكل مسجد من تلك المساجد نجد إلى جواره مقشامة أو بستان كما يسميه البعض، وذلك لأن ري هذه البساتين وسقيها هو بالماء المعدم أو المصرف من داخل تلك المساجد التي لم تكن في الماضي مياه ملوثة نظراً لأن التصميم التقليدي لمساجد صنعاء القديمة بل ومساجد اليمن عامة كان يراعى فيه عدم تلوث المياه بمخلفات المصلين، وانحصر استعمال المياه على غسل الوجه والأيدي والأرجل واستخدام الصابون كان محظوراً داخل المساجد ليس حظراً قانونياً ولكنه كان عرفاً سائداً وينظر باستهجان وانتقاد لمن يستخدم الصابون داخل بيوت الله، وبالتالي لم تكن تلك المحاصيل ملوثة، أما في الوقت الحالي فإن الكثير من المساجد بدلت ذلك النمط التقليدي لبناء المراحيض وأصبحت المياه المنعدمة ملوثة بالمخلفات الآدمية وأصبحت تصرف عن طريق المجاري العصرية، وهذا أدى بدوره إلى تدهور الكثير من المقاشم التي لم يكن أمام أصحابها من خيار سوى هجرها وتركها بهيئتها إلى ان تذبل أو يتحول بعضها إلى مزابل. على ان بقاء تلك المقاشم في الماضي خضراء أو وفيرة الانتاج يرجع أيضاً إلى الاسلوب الذي اتبع في ادارتها والاشراف عليها حسب طاهر حسين الذي يقول ان من عوامل بقاء تلك المقاشم واستمرارها في الماضي وعدم الاعتداء عليها حاضراً أو البسط عليها هي أن ملكيتها هي ملكية وقضية تتبع الأوقاف اليمنية على مدار التاريخ، وخضعت لنظام مقنن في استغلالها إذ كان يتولى الاشراف على هذه المقاشم أناس يعهد لهم بذلك من قبل وزارة الأوقاف على أساس انتفاعهم بمحاصيلها عن طريق بيعها والمحافظة عليها ورعايتها دون ان يؤدوا شيئاً مقابل ذلك للأوقاف، بل انها كانت تمنحهم مقابل عملهم هذا. تبدل الأحوال الآن تغير الحال وانصرفت الجهات المعنية عن هذا الأسلوب ما دفع بالكثيرين إلى الانصراف عنها وترك العمل بها، على ان العامل الأهم وراء تدهور تلك المقاشم يرجعه طاهر حسين إلى تراجع وفرة المياه، موضحاً ذلك بقوله: من المعروف ان كل جامع أو مسجد من مساجد صنعاء القديمة كان يوجد فيه بئر خاص به يوفر له المياه، لكن مع مرور السنين وتراجع منسوب المياه في حوض صنعاء جفت غالبية تلك الآبار، وعمدت المساجد إلى التزود بالمياه عبر الشبكة العامة، ما أثر على وفرة المياه المستخدمة لري تلك المقاشم وهذا هو السبب الأهم في تدهور الكثير منها، وعدم الاهتمام بها. ويذهب طاهر في هذا السياق إلى مشاطرة غيره في ان المياه بادخال الأساليب العصرية لتصريفها أصبحت ملوثة وبالتالي عديمة الجدوى في ري محاصيل استهلاكية قد يؤدي تلوثها لالحاق الضرر بصحة مستهلكيها. أما كيف ستكون عليها المقاشم بعد اعادة تأهيلها فذلك يعود للهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية التي تنفذ مشروع اعادة التأهيل عبر الخطة المعدة لهذا الغرض والتي تعتمد على تسوير تلك المقاشم بما يحول دون المزيد من تدهورها كمرحلة أولى واعادة تنظيمها وتسليمها للمنتفعين السابقين بها بعد تزويدها بشبكات ري حديثة تربط مباشرة بالشبكة العمومية لمؤسسة المياه والصرف الصحي وادخال تقنيات حديثة للري مؤداها تقنين استهلاك المياه المستخدمة في ري المقاشم وعدم اهدارها وهناك مقترحات لكيفية تسديد فواتير المياه، إما عن طريق ربطها بالمساجد المجاورة وبالتالي تولي وزارة الأوقاف تسديد تلك المبالغ المترتبة عن استهلاك المياه لغرض الري أو فرض رسوم محددة على المنتفعين من عائدات بيع محاصيلها أو باعتماد الخيارين معاً، وهو الاتجاه الراجح حالياً، حتى تستعيد المقاشم حلتها الخضراء وسط الأبنية الشاهقة المطلة عليها، ويستفيد معها سكان الحي وزائروه بتلك المتعة التي تسر الناظر إليها، وذلك ما أوضحه المهندس المشرف على مشروع اعادة التأهيل.