بيان 2:البيوت الحجرية المنتشرة في أماكن عديدة بامارة رأس الخيمة لا تزال تقف صامدة لتكون شاهدة تذكر الناس بالماضي البعيد. ويقول الآباء كبار السن انهم أقاموا تلك البيوت لتشيع الدفء في أجسامهم من برد الشتاء القارص. وما يزيد من أهمية البيوت الحجرية انها بنيت من المواد المحلية وبسواعد أبناء الوطن ولذلك عندما ضربت الهزات الأرضية مؤخرا بعض مناطق الدولة وأسفرت عن أضرار بالفلل والمساكن الحديثة كانت البيوت الحجرية بمنأى عن الأضرار. ومن حسن الحظ فإن الرجال الذين ساهموا في بناء تلك النوعية من البيوت هم لا يزالون يعيشون في المجتمع ويتمتعون بالصحة والعافية وبامكانهم الحديث عن الماضي بعبارات واضحة وصوت مسموع. الوالد علي عبدالله حربوق أحد أولئك الذين عاشوا الماضي البعيد وسكنوا بيوت الحجر. يقول: لو علم الناس ما في الحجر من فوائد عظيمة لما لجأوا لغيره في مشاريع البناء. وعلي حربوق الذي يناهز عمره الـ 70 ولد في قرية تعرف باسم الفج وهي تعني المنطقة الواقعة بين الجبلين ولكنه مع مرور الوقت انتقل مع اسرته الى موقع آخر وتحديدا المنطقة التي تسمى حاليا بشعم. وشرح هو نفسه أسباب انتقال أسرته الى «شعم» الى جملة من الأسباب لعل من أهمها الاقتراب من البحر والأرض الزراعية. ويقول: كان الانتقال من مكان إلى آخر شيئا مألوفا بين القبائل وذلك بحثا عن سبل المعيشة ولم يكن الانتقال أمرا شاقا فهو لا يتطلب أكثر من حزم الأمتعة البسيطة في محتوياتها وأغراضها ورفعها إلى ظهر دابة أو جمل ليتجه بها الى حيث يرغب أصحابها الذهاب. ويبدو ان مجيء أسرة حربوق إلى شعم كان عملا صائبا فقد حظيت الأسرة بنوع من الاستقرار المنشود على الأقل بمقاييس ذلك الوقت. وفاة شقيقتي وهو يقول: عندما انتقلنا الى شعم كانت شقيقتي الأولى في الأسرة قد توفيت وهي طفلة وبالتالي صارت الأسرة تتكون من شخصي وشقيقتي الأخرى فضلا عن الوالد والوالدة. والى جانب عمله في الزراعة فقد كان والدي عبدالله يعمل مؤذنا في مسجد القرية ولا يتقاضى مقابل ذلك أجرا وانما كان يرجو ذلك الأجر من الله عز وجل ولا يزال المسجد الذي كان يرفع فيه والدنا الاذان موجودا على هيئته الانشائية السابقة وان تم ادخال بعض الاصلاحات الطفيفة عليه ليبقى صامدا أمام تحديات الزمن وأعتقد لو انه كان مبنيا في عصرنا الحالي وبالمواد المستخدمة الآن لكان قد زال من الوجود قبل سنوات عديدة وخير دليل على ذلك ان البيوت الشعبية التي بنيت قبل 15 عاما هي الآن آيلة للسقوط بسبب ما لحق بها من تصدع وتشقق. ومنطقة شعم التي يسكنها الوالد علي حربوق كانت منطقة زراعية تزدان بحدائق الفواكه والخضروات. وطبقا لما ذكره الوالد علي حربوق فإن شعم كانت تتمتع بظروف مواتية هي التي خلقت منها منطقة زراعية بكل ما يعني ذلك. ويقول بالرغم من وجودها الى جوار البحر فان الآبار الجوفية كانت مملوءة بالمياه العذبة الصالحة للشرب وري الزراعة كما كانت الأرض خصبة بفضل جريان الوديان. ويضيف الوالد حربوق: أعتقد ان المياه العذبة والتربة الخصبة هي التي حولت شعم الى جنة في الارض في يوم «ما». ولكن شعم اليوم غير الأمس فالمزارع التي كانت تنتج كل أصناف الفواكه وتعج بأنواع الرطب والخضروات تحولت بين عشية وضحاها الى يباب وصارت حقولا للذكرى فقط لان الماء العذب بات مالحا والارض الخصبة افتقدت خصوبتها ولم تعد صالحة إلا للبناء والسير فوقها. ويقول الوالد علي حربوق: كنا جميعا ننظر باجلال وتعظيم الى الأرض والبحر لانهما من نعم الله العظيمة علينا فلولاهما لكانت الحياة أمرا شاقا. العمل بالزراعة وكما هي الحال بالنسبة لأهل المنطقة في ذلك الوقت فقد التحق الوالد علي حربوق بالزراعة وهو لا يزال طفلا. وهو يقول: بما انني كنت صغيرا ولا أتحمل القيام بأعمال شاقة فقد كلفني والدي بأعباء من قبيل ازالة الحشائش الطفيلية من النخيل واطعام الثور الذي نستخدمه في ري الزراعة ولكن بعدما تقدمت سنوات عمري وقويت عضلات بدني أسند والدي الي القيام بمهام لا تخلو من المشقة والتعب وكان من أهم ذلك عملية ري أشجار النخيل وهي التي كانت تعتمد على ما يعرف آنذاك باليازرة. ويشرح الوالد علي حربوق اليازرة بأنها مصنوعة من النخيل إذ يتم وضع جذعي نخلتين بكاملهما بطريقة رأسية وعمل ثقب في رأس كل واحد منهما ليسند فيهما الصنفير وهي عبارة عن لوحة خشبية مصنوعة من شجرة «الاشقر» أو «الشعر» وتكون بمقاس مترين. ويضيف: وايضا من اجزاء اليازرة ما يعرف بالمنيور وهو عبارة عن قطع من الخشب تجمع على شكل دائري وحولها قطع صغيرة تعرف باللسان ويكون شكلها أشبه بسكان السفينة، وللعلم فان هذا الجزء من اليازرة هو الذي يصدر الصوت الموسيقي المميز الذي يطرب له الناس جميعا وبخاصة العاملين على تشغيل اليازرة ومن وسط المنيور يتدلى الدلو المصنوع من جلد البقر بواسطة حبل سميك كنا نطلق عليه اسم الرشا ولكن الى جانب ذلك حبل اصغر منه حجما يعرف باسم المرص ومهمته مساعدة الرشا في تحريك الدلو من والى البئر. ويقول لكن تلك العملية تكون ناقصة لان هنالك جزءا مهما من اليازرة يجب ان يكون موجودا مثل الصوبى وهي عبارة عن قطعة مستديرة من الخشب يتولى تصنيعها شخص على دراية واسعة بها وفي طرفيها تثبت قطعتان من الحديد ويعمل الصوبى كمساعد للثور على رفع الدلو وهو مملوء بالماء من عمق البئر. أضف الى ذلك قطعة «الراوبل» وهي عبارة عن نصفي جذع نخلة ويتم تركيبه مائلا لترتكز عليه التركيبة. ويستطرد قائلا: حقا فقد كانت عملية ري النخيل بتلك الطريقة شاقة ولكن لا بديل عنه فقبل طلوع الشمس كنت اصطحب الثور فاستوقفه الى جوار اليازرة وأضع قطعة خشب نطلق عليها اسم الوي على ظهره وأربطه بحبل نطلق عليه الزالوي واهمية هذا الحبل انه يساعد الثور على الحركة وعلاوة على ذلك أقوم بربط حبل آخر على رقبة الثور وهو ما يطلق عليه الغبقة. والى جانب النخيل فقد كان الاهالي يزرعون العديد من المحاصيل الزراعية مثل البصل، الفندال، الجزر، الرويد، القمح، الشعير. دور مهم للأم ويذكر ان المرأة سواء الام او الاخت كانت تلعب دورا مهما ورئيسيا في النشاط الزراعي الى جانب دورها في المنزل. ويقول: عندما لا تجد امرا ضروريا يستدعى وجودها بالمنزل فهي تخرج الى المزرعة لتشارك في مهام من قبيل تنظيف النخيل من الاعشاب الطفيلية وسقى الحيوانات وحلب الاغنام. وفي موسم الحصاد تقوم المرأة بتلك المهمة بل تحمل الانتاج على رأسها لتذهب به الى الاسواق. ونظرا لغياب مكائن طحن الحبوب فان المرأة وقتذاك تحملت هذه المهمة بجسارة لا تعرف الاتكالية فكانت تستخدم الرحى وهي قطع حجرية لطحن الحبوب. وفي حديثه معنا يوضح ان ما تقوم المرأة بطحنه كان يتم تصنيعه كخبز ويقدم للاكل مع عسل النحل والدبس او الحليب. وهو يقول بالرغم من مشقة الحياة فان الله لم يظلم مجتمعنا فقد كانت البيئة تجود علينا بكل ما نحتاجه من اكل وشرب. فمن الجبال يأتينا عسل النحل الصافي ومن البحر نصطاد الاسماك بمختلف انواعها بينما توفر المزارع كل احتياجاتنا من الخضروات والحبوب والالبان والحطب ويضيف: الى جانب ذلك فقد كانت البيئة هي الصيدلية التي تزودنا بالادوية الشافية لاسقامنا كلها فعلى سفوح الجبال تنمو كل الاعشاب التي يمكن ان نطلق عليها دواء ناجعا لشتى انواع الامراض. الطفرة الاقتصادية وفي بداية مرحلة الطفرة الاقتصادية التي شهدتها بعض دول منطقة الخليج اوقف الوالد علي حربوق الثور وعاد الى منزل اسرته ليجمع حاجياتها القليلة جدا طمعا في السفر الى دول النفط. وهو يقول: وقع اختياري على دولة قطر لتكون جهة اغترابي الاولى وفيها مكثت ستة اشهر اعمل في مجال البناء ثم عدت الى البلاد. وبعد مرور عام على بقائي في الديرة قررت السفر مرة اخرى وقد كانت وجهتي هذه المرة الكويت التي قضيت على ارضها ثمانية اشهر اعمل في مجال البناء. وفي اخر مرة سافرت الى المملكة العربية السعودية حيث عملت بمنطقة الدمام التي مكثت فيها سبع سنوات وهي اطول فترة اغتراب قضيتها بعيدا عن ديرتي. وبعد عودته من السعودية تزوج الوالد علي حربوق وآثر الاستقرار في المجتمع ولكن فكرة الاغتراب بدأت تراوده مرة اخرى. وهو يقول: هذه المرة سافرت الى البحرين بعد ان نما الى علمي تحسن الاحوال الاقتصادية فيها وقد عملت سائقا للنش «تك» كان يعمل في نقل المعدات البحرية الى حقول النفط بابوظبي. العودة للوطن وبعد مرور اقل من عام عدت الى ارض الوطن مختتما الاغتراب للعيش في مجتمعه بصوره دائمة. وكما هي حال ابناء الوطن جميعا فانه يشعر بالارتياح لما حدث من تطور في شتى مجالات الحياة وهو يقول قبل قيام دولة الاتحاد ذقنا الامرين ويكفي ان الغالبية العظمى من اهل الديرة اضطروا للهجرة بعيدا عن الوطن بحثا عن الرزق وكم كانت تلك عملية شاقة وقاسية على النفس البشرية. ويضيف: لذلك فان الاباء الذين كابدوا مشاق الحياة يعرفون حقيقة الانجاز الذي تحقق في ظل القيادة لمسيرة الاتحاد. ويناشد الوالد علي حربوق الشباب المحافظة على مكتسبات الدولة والعض عليها بالنواجذ لانها انقذتنا من المعيشة الضنك واوصلت مجتمعنا الى التطور والامن والاستقرار.