بيان 2: لم يكن في «طير دبا» سوى بضعة بيوت طاعنة في القدم، شيدت بحجارة «الكدان» قبل أن تجتاحها المدنية بإسمنتها الرمادي وأبنيتها العمودية وقصورها الحديثة. أما حدود القرية الساكنة بهدوء على منبسط مشرف على بحر صور، فلم تتعد البقعة المحيطة بالمسجد القديم. في تلك المساحة القليلة المحيطة بالمسجد، تراصفت منازل من حجر وطين، تلاصقت بحنو بعضها إلى بعض، حتى غدت سطوحها كلمات متقاطعة تخفي تحتها سر العائلة وسترها، كأنما الناس أرادوا بهذا المدى الهندسي العجيب نحت صور الجماعة فوق حيطان الطين. كانت البيوت متناثرة أحياء..أحياء. هذا حي «البيدر»، وذاك حي «المرج»، وتلك «الساحة» التي كان شباب القرية يظهرون فيها ذكورتهم المتأججة أمام بناتها، تارة بخطف «العمدة» الصخرية، وأخرى برقصة الدبكة فاكهة الأعراس التي كانت تتواصل أياما وليالي قبل أن ينبهر الناس بحفلات الأفراح في قاعات الفنادق والمنتجعات السياحية. لم يبق من بيوت الذاكرة الآن، إلا ما يتجاوز الأصابع العشرة، ولم يبق من الأحياء القديمة غير أسمائها. أحياء جديدة نبتت كما لو أنها «مستوطنات» تصفع حميمية الذاكرة، بعد حلولها مكان مساحات الزيتون والكرمة والتين..وصارت «الكلاسة» و«الترمسة» و«الأرض المشاع» و«الكرم الجديد»، مشاهد لغزو الحضارة وتمددها. «طير الذهب» .. «دير الأطباء» وأصل الحكاية منذ تفتح عمري، وأنا أتساءل عن أصل «طير دبا» بلدتي التي تعلو حوالي مئتي متر عن سطح البحر، وتبعد سبعة كيلومترات إلى الشمال الشرقي لمدينة صور، ويحيطها شريط من البلدات والمزارع: «البازورية»، «وادي جيلو»، «يانوح»، «معركة»، «طورا»، «العباسية» و«البساتين». ظل اسمها طلسما بالنسبة إلي، وغالبا ما كنت أسال مستفسرا، فلا أجاب بما يفي حاجة السؤال. وازداد حرجي حين أصبحت في مستوى من تلقى عليه الأسئلة وإشارات الاستفهام. في أحايين كثيرة، كنت أسمع عجائز القرية يرددون اسمين آخرين لها: «دير الأطباء» و«طير الذهب»، وينسجون حولهما الحكايات والأساطير. لم أخف إعجابي بهذين الاسمين اللذين لم ينالا شرف التداول. ولفرط تعلقي بإيقاع لفظهما الجميل، استبدت بي رغبة رفع دعوى ضد الحكومة أطالبها فيها بتغيير الاسم واعتماد أحدهما في الدوائر الرسمية المختصة. الرغبة هذه صارت أكثر إلحاحا، بعد قراءتي ما ذكره أنيس فريحه في «معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية»، بأن «طير دبا» كلمة سريانية تعني بالعربية «حظيرة الدببة». ولا شك في أن هذه التسمية، شكلت لدى أهلها ما يشبه «الإثم». لكن سوء الطالع، ما لبث أن خف بعض الشيء، فكان للباحث فرج الله صالح ديب تأويل مختلف، إذ اعتبر أن الاسم قديم جدا وقال: « إذا كان الجزء الأول منه «طير» فانه يرتبط بعشيرة «الطيور» إحدى عشائر «شمّر الطائية» في سوريا، التي كانت تتمتع بموقع مميز عدديا واجتماعيا بين عشائر البادية الشامية، وتوزعت إلى بطون: «دبا»، «فلسيه»، «حرفا». أما إذا كان «طر» فلا مناص من ربطه ببقايا عشائر «الأطوريين» الفينيقيين الذين ذكر مؤرخو اليونان أنهم يقيمون على الساحل اللبناني. وكلمة «دبا» لها مثيلاتها في قرى وبلدات لبنانية وفلسطينية ويمنية وإماراتية مثل: «الدبابية» في عكار (شمال لبنان)، «الدبية» في إقليم الخروب (جبل لبنان)، «دبين» في مرجعيون (جنوب لبنان) فيما هناك قرية «الدبة» في فلسطين، و«دبا الفجيرة» و«دبا الحصن» في دولة الإمارات العربية المتحدة. هذا فضلا عن أن ثمة عائلات لها صلتها بـ «دبا» مثل: «دبيبو» (بيروت) «دبانة» (كسروان) و«دبانة» (البيضاء في اليمن). و«الدبة» هي وعاء الزيت والسمن، والمرأة الدباء هي ذات الحاجبين كثيفي الشعر. فسيفساء بشرية عائلات عدة تقطن البلدة: مغنية، فقيه، حيدر، زيدان، حجازي، بحسون، زيات، حمود، رضا، مكنا، نعنوع، سعد، طراد، عزالدين، عبدالله، عبدالرسول، شهاب، خيرالله، فرج، اللبن، جولاني، مرعي، شبلي، شحادة، هاشم، نعمه، عجمي ويونس. أهل هذه البلدة زرعوا المدينة حيوية ونشاطا، منهم المدرسون والصحفيون ورجال الأعمال والمقاولون، ومنهم من عمل في البناء، وبينهم من سقى بعرقه أرصفة الموانئ. فيما جاب آخرون بلدان المهجر في أمريكا وأستراليا وأفريقيا والخليج العربي، وذاقوا طعم الغربة المر. أما من ظلوا على أرضها فقد غرزوا معاولهم في البساتين والحقول. «جل الكنيسة» من بيت جدي الذي لم أر، انتقل أبي بالعائلة إلى حي جديد، علمت لاحقا، أي بعد ولادتي فيه بسنوات انه يسمى «جل الكنيسة». وكم تساءلت منذ صغري: لماذا «جل الكنيسة» في قرية سكانها من المسلمين، وهي حاضرة عامليّة يؤمها العلماء، ويتوافد إليها طالبو العلم للقاء عالم جليل هو الشيخ حسين مغنية، لا يزال أهل البلدة يطلقون عليه صفة القداسة، لما عرف عنه من زهد وسعة علم؟ يذكر كبار السن في البلدة أن الشيخ حسين دعاالله.. فأمطرت حتى بلغ السيل الزبى في واد يسمونه «الحضايا»، يقع بين «طير دبا» و«وادي جيلو» و«البازورية». كان ذلك في الأيام التي سبقت الحرب العالمية الأولى..أمحلت الطبيعة، وتيبس الزرع وصار الناس قاب قوسين من الجوع، فتداعوا وراء الشيخ الجليل سيرا على الأقدام حتى بلغوا ذلك الوادي ليقيموا صلاة الاستسقاء. لماذا «جل الكنيسة»؟ قد يكون هناك معبد للمسيحيين في تلك الربوة المطلة على صور، أو ربما كانت البلدة امتداداً لموطئ السيد المسيح في «قانا الجليل»، وكان عليّ أن أربط بين «دير الأطباء» و«المعوشي» و«أرض المطران» و«الحبيشية» (نسبة لعائلة حبيش)..وكلها نواح تابعة عقاريا لأرض «طير دبا». غير أن كل هذه الأسئلة التي كانت تضج في داخل ذلك الصبي، كانت تحملني دائما على الاطمئنان، إذ كانت لدي منذ نضوجي المبكر رؤى تجمعني باللبنانيين من الطوائف الأخرى. هكذا كنت، وتلك كانت الصورة التي سبغت على «طير دبا» التي تعلم أبناؤها على أساتذة مسيحيين ومسلمين من مناطق مختلفة. كانوا يحسدوننا على المدخل الغربي البديع لبلدتنا، حيث أشجار السرو كانت تصطف على جانبي الطريق من محطة «البص» في صور وحتى منحدر «تل القاضي»، وهم لا يدرون بعد سنوات الانقطاع الطويلة أن تلك الأشجار عبثت بها جرافات الاحتلال الإسرائيلي وأزالتها من الوجود! «غرباء» ولكن! تنعمنا خلال أيام الدراسة الابتدائية في مدرسة البلدة المختلطة بوجود أساتذة غرباء سكنوا بيوتنا، وتركوا لمسات جميلة على لغتنا وسلوكياتنا. كنا نشاغب كثيرا، وكانت صدورهم رحبة، حتى أن «كلير» مُدرّسة الجغرافيا لم تستطع التصدي لـ «شيطنة» صبية الرابع الابتدائي، إلا عبر استنجادها بالمدير أو الناظر، فقد كانت ملابسها «غريبة» إلى حد جعل من هم في سن التاسعة يدونون عبارات جريئة ويرسمون صورا بلغة الكبار!! ولم يكن ضيوفنا المسيحيون في المدرسة فقط، إذ أن نساء البلدة يذكرون بالخير والدعاء «أليس» تلك السيدة القادمة من بسكنتا في أعالي جبال كسروان لتدير معهداً لتعليم التفصيل والخياطة والحياكة. غزوات الصبا! كنا ثلّة من الصبية، تجاوزنا سياج حقول الكرمة، وشرعنا بوابات البساتين المجاورة بأجسادنا الضئيلة، فيما لم تنج مزارع البطيخ والخس والخيار من غزواتنا. وكنا في قرارة أنفسنا، لا ندرك أن ما نفعله حراماً، بل شيء من المغامرة وتمضية الوقت. فقد كانت تسليتنا مقتصرة على بضع ألعاب أورثها لنا الأجداد. كانت مغامرتنا أشبه بهروب من رتابة اللعب في الحواري والتراشق بالأحجار، ومحاولة لإلهاء ذواتنا عن معاكسة صبايا القرية. الفدائي الأول وضحايا الحروب التالية تيارات سياسية متنوعة اخترقت نسيج البلدة الاجتماعي. ضحايا كثيرون من ميول مختلفة سقطوا في الحرب الأهلية، وشهداء أبرار قضوا في «الاجتياحين» وحرب المقاومة.. رافعين شعارهم الجميل «الوطن باقٍ والاحتلال إلى زوال»، واهبين حياتهم من أجل أن تنتصر الحياة. أما حاتم جابر «الفتحاوي» فهو أول فدائي يخرج باكرا من كنف أسرته ويسقط شهيدا في معركة الكرامة بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي في الأردن. لكنني لا أزال أذكره، حين كان يأتي لزيارة أهله ممتطيا حصانه الأبيض من القاعدة الفدائية التي اتخذت من الغابات القريبة موقعاً للتدريب وانطلاق الحلم باتجاه فلسطين. رحل حاتم وحصانه الأبيض، أما القاعدة الفدائية فقد تناوب على استخدامها رجال عديدون، لكنها شكلت مثل نظيراتها شعلة ضوء نحو الأمل المنتظر. مع الحرب، كان كل شيء عرضة للتفكيك والانفجار، لكن الذاكرة ظلت على خط تماس مع أدخنة العنف، لم يتسلل إليها جنون الطوائف السياسية، فإذا هي مثل المحصنات تحفظ الفطرة ولون الأرض.