بيان2: يقول عالم الباليونتولوجيا الشهير وليام شوبف في كتابه «مهد الحياة» الذي نشر عام 1999: «إن السعي وراء أقدم سجلات الحياة ليس بالمهمة السهلة. فاكتشاف اقدم الأحافير على الارض يشبه محاولة حل لغز بالغ التعقيد بالاعتماد على بضعة معطيات فقط. وهذا الوضع يجعل من الاسهل ارتكاب اخطاء يمكن ان تكون فاضحة وتؤخر مسيرة السعي للمعرفة». ويرى شوبف ان اخطر هذه الاخطاء في العصر الحديث، كان الزعم بأن حجراً نيزكياً عثر عليه في القارة القطبية الجنوبية يحمل احافير ميكروبات مريخية. ومنذ لحظة الكشف عن هذه الفكرة في مؤتمر صحافي عقدته «ناسا» عام 1996، كان شوبف ولايزال من أشد المنتقدين للدليل المزعوم على الحياة المريخية. والان يشير فريق من العلماء الى خطأ فاضح مشابه. وتفيد ورقة بحث نشرت في العدد الاخير من مجلة «نيتشر» أن الاحافير المجهرية التي عثر عليها في استراليا ليست احافير على الاطلاق. ومن سخرية الاقدار ان العالم الذي كرس جزءاً كبيراً من حياته لدراسة الاحافير الاسترالية والذي اعلن انها تمثل اقدم دليل على الحياة على الارض، لم يكن سوى شوبف نفسه. كان البروفيسور شوبف استاذاً في جامعة كاليفورنيا في الثمانينيات عندما عثر على ما اعتقد انه ميكروبات متحجرة في صخرة صوان ـ مكونة من حبيبات الكوارتز ـ استخرجت من موقع يدعى «خور تشاينامان» في غرب استراليا. تلك الاحافير المجهرية تفتقر الى اشارة الديناصورات او سحر المفصليات المنقرضة. لكن في الاربعة مليارات سنة التي سبقت بزوغ هذه المخلوقات، كانت الميكروبات هي شكل الحياة الوحيد على الارض. وبما ان صخرة «ابيكس» قدر عمرها بـ 3.5 مليارات سنة، بدا ان احافير شوبف اقدم من أي شكل من اشكال الحياة التي اكتشفت في الاحافير الى الان. ولم تكن الاحافير موغلة في القدم فحسب، بل كانت معقدة على نحو مفاجيء ايضاً. فمعظم العلماء بمن فيهم شوبف كانوا يتوقعون ان تكون الاحافير من تلك الفترة، ان وجدت اصلاً، اشياء بدائية وبسيطة جداً، لكن بعض احافير شوبف بدت وكأنها خيوط مكونة من صفوف من الخلايا المنفصلة، وجادل شوبف بأنها كانت طحالب زرقاء مائلة الى الخضرة قادرة على التخليق الضوئي. واذا كان الامر كذلك، فان احافير ابيكس ليست مجرد دليل على ان الحياة نشأت في مرحلة مبكرة، بل هي دليل على أن الحياة تطورت بسرعة ايضا. وهذا يعني ان كل النظريات التالية عن اصل وتطور الحياة يجب ان تأخذ هذه السرعة بعين الاعتبار. والان يعكف مارتن براسير من جامعة اكسفورد على اعادة تأويل دليل شوبف. وهو لم يبدأ بالاحافير، بل بدراسة الصخور المحيطة بها. ويوضح براسير غرضه في هذا بقوله: «يذهب العلماء ويلتقطون الاحافير على أمل فهم محيطها في وقت لاحق. وهنا بالضبط موضع الخطأ». وقد اكتشف براسير وزملاؤه من دراساتهم ان الصخرة التي حسبها شوبف صخرة رسوبية، كانت قد تشكلت في صدع ارضي للمياه الحارة، وأشار هؤلاء الى بعض الدلائل على استحالة حدوث تخليق ضوئي منتج للاكسجين في مثل هذه البيئة. واستنتجوا ايضا من تركيبة الصخرة ان درجة الحرارة التي تشكلت فيها صخرة الصوان كانت اكثر من 200 درجة مئوية، وهو ما لا يمكن لاي شكل من اشكال الحياة تحمله. في بداية ابحاثهم شكك براسير وزملاؤه في وجود اي مواد عضوية في الأحافير. ومنذ ذلك الحين استخدم شوبف تقنية جديدة لاثبات ان احافيره غنية بالجزيئات العضوية. لكن مصطلح «عضوي» الذي ينطبق تقريباً على كل الجزيئات التي تحتوي على كربون يختلف عن مصطلح «بيولوجي». صحيح ان معظم الجزيئات العضوية تنتجها كائنات حية، لكن ليس بالضرورة ان يكون الوضع كذلك دائماً. يجادل براسير بان صدع الماء الخاص بالشق الحراري المائي ربما انتج جزيئات عضوية من احادي اكسيد الكربون والهيدروجين في عملية مشابهة للطريقة التي استخدمتها حكومة جنوب افريقيا لصنع بدائل للجازولين عندما كانت تحت العقوبات الاقتصادية. من جانبه يزدري شوبف هذه الفكرة معتبراً اياها مغرقة في الخيال ويقول: «لم يسبق ابداً ان تم العثور في السجل الجيولوجي على مواد عضوية غير بيولوجية. وكنت سأسرّ لو كان هناك معايير للتمييز بين المواد العضوية الحيوية وغير الحيوية، لكنك لا تحتاج الى معايير لتحديد ذلك. وهم لا يملكون اية معايير». وماذا عن التركيبات الخيطية للجزيئات العضوية التي عثر عليها؟ براسير يرى انها جزء من نسيج الكوارتز، ويجادل بان تلك التركيبات تأتي في اشكال مختلفة، بعضها فقط يشبه الطحالب. اما شوبف فيقول ان الامر اختلط على براسير لقلة خبرته في تركيبات الميكروبات. وعلى الرغم من وقوف علماء اخرين في صف براسير، الا ان شوبف لازال متشبثاً برأيه بأن المادة العضوية الموجودة في البنى التي عثر عليها هي حقيقة حاسمة وحجة مفحمة. ويظهر تحليله انها تشبه الى حد كبير المادة العضوية التي عثر عليها في أحافير موثقة غير مختلف في امرها، وهذا يعني اذا كانت المواد العضوية في صخرة «ابيكس» قد تشكلت في عملية جديدة غريبة غير بيولوجية، فيجب تفسير كل الاحافير الاخرى بالطريقة ذاتها. ويقول شوبف: «اذا كانت احافير ابيكس غير حقيقية، فهذا يعني ان كل الاحافير التي تعود الى العصر ما قبل الكامبري ليست احافير بالمرة، وأنا غير مستعد لتقبل هذا الاحتمال». وفي حين يعود شوبف ونقاده للصخور الاسترالية للقيام بمزيد من الدراسات المسهبة، من الصعب تخيّل ان مؤيدي نظرية الاحافير المريخية قد يفوتوا فرصة التشمت بمنتقدهم الأشد وهو يتعرض للنقد. لكن النزاع الجديد حول الاحافير القديمة، على الارض تجعل الحكم في قضية احافير المريخ المزعومة اصعب من قبل. فاذا لم يستطع العلماء الاتفاق حول صخور من موقع معلوم يمكن اعادتها اليه، ومقارنتها مع مواقع نظيرة في امكنة اخرى، فكيف لهم ان يتفقوا على أحافير في حجر نيزكي؟ اذا كان التعرف على الحياة على الارض في الارض امراً صعباً لهذه الدرجة، فمن المؤكد ان التعرف على الحياة في كوكب اخر سيكون اصعب. ترجمة: علي محمد «عن نيوزويك»