ربما يكون كتاب «فن الحرب» واحداً من كتب قليلة ملأت بمعرفتها وأهميتها معظم أرجاء العالم. وتكمن أهمية هذا الكتاب، على الرغم من انه قد كتب قبل 2300 سنة، في أنه دستور عمل واستراتيجية، واقعية لكل الأجيال والأمم والشعوب شأن النادر من الكتب التي تصلح في كل زمان ومكان. وفي النصف الثاني من القرن الأخير بات نص الكتاب، دليلاً لشعوب المعمورة كافة التي تسعى لتغيير مفهومها عن الصراع، سواء أكان ذلك الأمر في ساحة القتال أو العمل أو الحياة اليومية. وأصبح اقتناع هؤلاء الناس راسخاً بأن الحكمة الصينية القديمة التي ينبض بها كتاب صن تزو لها قيمة هائلة في الوقت الحاضر. فهي تنطبق على حياتنا بأسلوب أصيل، وتعلمنا التعامل بفاعلية وتأثير مع الصراعات. ينطلق صن تزو في تصوره عن الصراع من الاعتقاد بأنه جزء لا يتجزأ من الوجود الإنساني، ويحيط بنا من كل حدب وصوب. وبوسعنا في بعض المرات أن نتخطاه ونتملص منه بمهارة، ولكن علينا الانخراط فيه عندما يتحتم ذلك أو يكون الأمر لازماً. ومن هنا فإن الكثير من الناس قد شاهدوا أو اطلعوا على القوة التدميرية للهجوم سواء أكان ذلك على الصعيد الشخصي أو ضمن كوارث النزاعات المسلحة. فهذا النص يوضح الكيفية التي ننتصر بها من دون شن هجوم، بصرف النظر عما إذا كان النزاع واسعاً أو محدوداً، شخصياً أو قومياً. ولأن مثل هذا الكتاب يمثل في واقعه معرفة إنسانية عميقة فإن في مقدور الجميع من دون استثناء التعرف على ما يريد الإفصاح عنه والوقوف على أفكاره. وكانت النصيحة الأولى التي يود تزو أن يسديها إلينا أن يكون رد فعلنا تجاه الصراع منطلقاً من معرفتنا بأنفسنا وبالآخرين. وتشمل المعرفة بأنفسنا أن نفهم أولاً ما يجول بخواطرنا ومن ثم الإطلاع على ظروف قواتنا كافة. لذا يمكن لنا القول إن رؤية صن تزو للعالم تتسم بأنها شاملة تنطوي على جوانب متعددة متداخلة ومتغيرة. ومن هنا فهو يدعونا إلى التعامل مع أصغر التفاصيل والأشياء المرئية المعدودة التي تعتمد على الترتيب السليم لضباط الصف، الأرز والبنادق، الخرائط والمعلومات الخاصة بقوة الجنود المقارنة. وما يقصده بالشمولية هنا كل واحدة من هذه الأشياء، في الوقت الذي يمتد المعنى ليستوعب فقرات أخرى لا يمكن تعدادها، كالمعنويات والميادين ومخططات الجو العامة. وكل هذه الأمور، التي هي بالاساس جزء من العالم، يراها تزو ذات صلة وعلاقة بغيرها لأن لها ثقلها ودورها في مواقف القتال. ومن هنا نرى صن تزو يتطرق في بعض فصول الكتاب إلى الأشياء الملموسة وغير الملموسة كالمؤن والرتب والعقوبات وثقة الضباط والمواد الداخلة في صناعة العربات، باعتبارها أجزاء لها صلة بالاخرى وتسهم جميعها في تحقيق غاية واحدة مشتركة. وبالنتيجة فهو يعتبر إن فقدان الثقة بالضباط أو عاصفة مطيرة خفيفة يسهمان في توجيه سيل مهدد وخطير. حديث عن الجيش يتحدث صن تزو عن الجيش الذي يراه تطبيقاً للقوة. ومثل هذه القوة موجودة في جميع الأفعال الجسدية والفكرية، لذا فالجيش تقوية لمثل هذا النشاط الإنساني المشترك. أما القوة فيقول تزو إنها حيادية وتختلط بالاعتداء عندما يكون رأي المرء ضيقاً يصر فيه على اذعان الآخرين لمطالبه. بيد إن هذا الاعتداء سيؤدي في النهاية لدمار كل الأطراف بما فيها المجموعة التي تشنه أو تلجأ إليه. وبوسع الجيش وحده التعبير عن هكذا قوة يقوم بتوظيفها لحماية وحدة البلاد. وهنا يقصد صن تزو من مصطلح الدولة الهيئة السياسية، التي ربما تتسع لتستوعب العائلة أو العشيرة أو الثقافة أو المجتمع. أما الحماية فتعني بالنسبة له سلامة الحدود لأنها تضمن توحد البلاد ككل لا يتجزأ، مما يأذن للحياة أن تزدهر في الداخل وتحقق تبادلاً سليماً بين خارج البلاد وداخلها. ولا يقتصر معنى الحماية على سلامة الحدود بل يشمل احترام وضمان الأمن من خلال التصدي للعدو أو التوسع خارجاً. والأهم من ذلك كله أن يتحقق رخاء ورفاهية كل ما تعتمد عليه الدولة لبقائها وديمومتها. وتعتبر الحاجة إلى الحماية ضرورية وذات وجود ثنائي، لأن الاحتكاك أو المعارضة ستحصل في جميع المواقف التي تنطوي على ما هو داخلي أو خارجي، أو الفصل ما بين ما هو مع تلك الدولة أو ضدها. وهكذا يصبح الجيش، لما له من دور في تحقيق الحماية، الوسيلة التي من خلالها يركز مجتمع ما موارده للتعامل مع أوقات الأزمات أو التغيير العميق. وربما تكون هذه الأزمات، كما يشير تزو، كوارث طبيعية حيث يكون الفيضان أو المجاعة هو العدو، أو يمتد الأمر إلى أي ظرف يهيمن فيه التشويش على التفكير ويطغى عليه. ومثل هذه المواقف العصيبة تتطلب خيارات صعبة تتعلق بالوجود والدمار والحياة والموت. وهنا يخاطب تزو جميع مبادئ الجيش. ويفترض في قوله إن الصراع يولد طبيعياً ولا يمكن تحاشيه، وإن الحماية عمل طبيعي يقوم الجيش بتوفيره. ويفصح تزو أيضاً عن الكيفية التي يتم التصرف بها إزاء حالة الفوضى والتغيير الذي يطرأ عند أعمق المستويات. وفي كل الحالات يبين تزو الكيفية التي يتم بها التصدي لجميع الاحتمالات، إذ يتوجب الانتقال من ما وراء حالة الرد على إعتداء متكرر الحدوث إلى خوض صراع قوي واكتشاف إمكانية النصر. ومن هنا تتجسد رؤية تزو بالقول إن الانتصار الذي يتحقق في مئة معركة ليس بالأمر الأكثر مهارة، بل إن النصر الأكثر عنفواناً يتمثل في إخضاع جيش العدو وقهره من دون خوض القتال. من هو القائد الحكيم؟ يولي صن تزو أهمية كبرى إلى القائد أو الجنرال باعتباره الشخص الذي في يديه زمام القوة والسلطة في خضم النزاع أو القتال. لذا نرى أنه يخاطب ذلك القائد بالكثير من النصائح والعبر والتوجيهات، التي هي في الواقع مهمة جداً وإطار عمل. وهذه الصفات أو الخصال التي يشير إليها تزو لا تخص رجالاً معينين من الصين القديمة أو آسيا فحسب، بل إن في وسع المرء تصور أو معرفة الكثير من الخصال التي تعكس بعض الرجال المميزين على مر التاريخ. ومثل هذا القائد الحكيم يتصف بكونه مثالاً غير اعتيادي للمهارة البشرية والحكمة، ويتكلم بسلطة وفاعلية وتعددية في الموارد والقدرات. ولأن هذا القائد ليس بنموذج مواطن مبتذل فإن عليه القيام بما هو ضروري للإتيان بالنصر، حتى لو كان هذا الفعل منطوياً على بعض الأساليب التي تعد غير مقبولة بالنسبة لشخص حكيم. فبمقدوره أن يستخدم الجواسيس وأن يلجأ إلى الأساليب الماكرة والمضللة وأن يلقي بجنوده صوب أرض الهلاك. وهذا يعني أنه لا يقيم وزناً لأية معايير إذا كانت تقف عائقاً أمام تحقيق نصر أصيل حقيقي شامل، لأنه ليس من الطراز الذي يتوقعه الآخرون أو يبحثون عنه ويخالون إنه بشكل مختلف. وهنا يطرح لنا المؤلف جملة من المزايا التي تؤهل مثل هؤلاء القادة ليكونوا في واقع الأمر النماذج التي يتحدث عنها. فبالاضافة إلى ما تقدم يقول تزو إن على القائد الحكيم ألا يبالي بآراء الآخرين وما يقولون عن الأساليب التي يتبناها والتي ربما تمس سمعته القيادية. فعليه ألا يرى سوى النصر في ساحة القتال من دون التقيد بالتفاصيل الثانوية كالتفاوض، لأن الأهم بالنسبة له أن يحفز الناس لينال ولاءهم مما سيفضي بالنتيجة إلى تحقيق الأهداف المرجوة التي ينشدها. ومثل هذا الولاء يتحقق عندما ينظر القائد الحكيم إلى أفراد الجيش كما لو كانوا أولاده يحثون الخطى وراءه في جيش مطيع صوب ساحة القتال. وهذا لا ينفي بالمرة ـ وكما يشير تزو ـ امكانية اللجوء إلى الأذى عوضاً عن العطف إذا ما تطلب الأمر منه تحقيق النتيجة ذاتها. وفي مثل هذه المواقف يتوجب عليه إظهار القوة والحزم عوضاً عن التردد والتهديد لا الترغيب كي يعرف من حوله أن لديه الحكمة والمعرفة للجوء إلى التصرف السليم وفقاً لطبيعة الموقف. والأمر الثاني أن يحتفظ القائد في جعبته بسلسلة من الخيارات بحيث يقرر أفعاله وفقاً للهدف المتمثل بتحقيق نصر كامل. فربما يتخلى عن خيار تدمير العدو في ساحة القتال إذا ما تعارض ذلك مع تحقيق هدف أكبر. ومثل ذلك لا يراه تزو يلغي بعض الإجراءات العنيفة أو المتطرفة. فبمقدوره أن يحرق الناس أو يقتل قادة العدو لو رأى ذلك ضرورياً للعودة بالنصر من دون المقامرة بجنوده أو جنود العدو في خطر معركة واسعة النطاق. وهنا يفرق المؤلف وفي معرض ذكره للحدود التي يتمتع بها القائد الحكيم بين مثل هكذا شخص ذي شجاعة وبأس وطاغية وحشي وأناني. ويقول إن القائد الحكيم الذي يفعل ما يراه ضرورياً لتحقيق النصر لديه من الشجاعة التي تنقل الآخرين صوب أفق أرحب لم يكونوا في البداية يتوقعون أن لديه القدرة أو التفكير للجوء إلى مثل ذلك الفعل. وهذه الأفعال لا تتسم بالأنانية أو محدودية التفكير لأنها تستوعب آراء أعدائه وحلفائه في الوقت ذاته. أما الأمر الثالث الذي يوليه تزو اهتماماً بالغاً فهو المعرفة لأنها منهل كل الأفعال الماهرة التي يضطلع بها القائد الحكيم. وتبدأ هذه المعرفة بالتفاصيل الهائلة التي تؤلف العالم. وعليه أن يطلع على درجة تدريب ضباطه وشكل الجبال والغابات واستراتيجيات الاقطاعيين. وينبغي لمعرفته بمثل هذه التفاصيل أن تتصف بالدقة والوضوح والثقة. وتنبع معرفة القائد الحكيم بذاته من الوقوف على نحو بسيط وأصيل على نفسه أولاً وعلى الآخرين ثانياً. لذا ينبغي له أن يطور تقويماً ذاتياً للبيئة المحيطة به، مما يسهل عليه مشقة الوصول إلى درجات عالية من المعرفة. أما الأمر الرابع الذي يتحدث عنه صن تزو بإسهاب ويوليه أهمية لا تقل في شأنها عن الخصال السابقة فهو العمل ازاء حالة الفوضى. فالقائد الحكيم في نظره مستعد لجميع احتمالات الحرب ومفاجآتها وينبغي له التصرف وفقاً لكل ما يستجد أو يحدث على حين غرة. ومهما كانت صورته أصيلة ولا غبار عليها فإنه يخاطر عند الحروب بالثقة الجوهرية أمام الجنود. لذلك عندما يكون رد فعله لكل ما يطرأ على ساحة القتال مبنياً على تعدد الأفكار والحلول المنطقية فسيبرهن على أن قدرته سليمة ومتجددة على الدوام، فيظل الجيش موالياً له وسائراً وراءه حتى عندما ينطوي ذلك المسير على خطر جسيم. ولكن أرض المعركة أو الحياة كلها يراها تزو غير قابلة للتنبؤ بها وتعج بحالات الفوضى وعدم الوضوح، ويكمن الخطر الحقيقي في أن الأمور التي كانت على الدوام ثابتة غير متغيرة تنفجر فجأة من دون سابق إنذار لتأخذ شكلاً وصورة مختلفتين يصعب التحكم بهما. ومن هنا فإن في مقدور القائد الحكيم توظيف مثل هذه الظروف، حتى وإن كانت صعبة لصالحه عندما يفترض على الدوام إنها غير موجودة ويتصرف كأن مجرى الأحداث يسير على أفضل شكل وصورة وإن ما يحدث هو في جانب العدو وليس في جانبه. وهكذا يسمح ذلك له بأن يبرهن للجميع أن لديه القدرة والحنكة والتصرف في كل المواقف. سبل تحقيق النصر يرى صن تزو أن اكتساب النصر يحدث في لحظة واحدة لا غير. ويتحقق النصر من معرفة المرء بنفسه أولاً ومن ثم بخصمه، كمصدر لكل الأفعال المبنية على المهارة. وحينما يعتمد المرء على عبقريته فإنه يوجد الأساس لانتصاراته في أفعاله وبيئته والأهم من ذلك كله إنه سيوجد نصراً في فكره وعقله. ومن شأن القائد الحكيم، كما يقول تزو، أن لا يقع ضحية لميول الآخرين واستغلالهم، وأن لا يركز استعداداته كثيراً على تكديس القوة، بل عليه أن يتخذ موقعاً لا يناله الهجوم أو يصيبه العدو. ومثل هذا الفعل سيدرأ عنه شبح الهزيمة، في الوقت الذي لا يعثر العدو على سبب يدعوه إلى شن الهجوم أو الشروع بعمل عسكري ما. وبوسع القائد الحكيم أن يتخطى الهزيمة عندما يتغلب على أعدائه، بحيث أنه لا يتجاهله أو لا ينغمس فيه. ووفقاً لرأي تزو فإن الاستسلام للأعداء هو أساس العمل الهدام للحرب، لأن مثل هكذا عمل ربما يكون ساحقاً ويفضي إلى الهيمنة من خلال تدمير العدو، في الوقت الذي يغدو المرء عرضة للهزيمة. وهنا يشير المؤلف إلى أن القائد الذي لا يتغلب على غضبه سيجلب الدمار إلى جيشه وإلى عدوه. ومن شأن الهجوم أن يمنح العدو شيئاً يقاتل قبالته، مما يوقع القائد في عدة مواقف محرجة وصعبة للغاية أثناء المعركة. لذلك على القائد الحكيم أن يرد على الهجوم بإيجاد فضاء واسع من شأنه تدارك الموقف ووضعه تحت السيطرة. وهو الأمر الذي يماثل السيطرة على الثور بمنحه مرعى واسعاً جداً. وحالما يوطد القائد العزم على تحقيق النصر فإنه سيوجد الأرضية لدحر العدو والمكان الشاسع الذي سيصطاد العدو فيه عندما يقوم بالتقدم نحوه. وهكذا يتحقق النصر قبيل بدء المعركة. وبوسع ذلك القائد أن يبني موقفاً منتصراً بتوسيع أرض اللاهزيمة صوب أكبر رقعة ممكنة، وهو قادر على ذلك طالما إنه يعرف على وجه شديد الدقة أشكال الأراضي ومما تتكون وكيف تعمل. وكل ما يفعله يكرر ويساند هذا الأفق ذا الانتصار الشامل مما ينجب موجة تلو الموجة من نشاط استراتيجي متناسق بحيث أن الموقف المنتصر ينشأ حول نفسه. وهو الأمر الذي يعبر عنه تزو بنشر الرعب بين صفوف العدو. وعندئذ سيكون في ميسور القائد الحكيم أن يعرض الخيارات التي يريدها على العدو، الذي انجرف إلى الأرض التي شاء القائد أن تكون أرض المعركة، وأن يقودهم أينما يشاء. ويتحقق النصر عندما يوقن العدو أن لا خيار أمامه سوى ما تم عرضه عليه ليكون ذلك الخيار، الذي في نظر العدو الأفضل، هو المفتاح الذي تمكن بواسطته القائد الحكيم من تحقيق النصر الشامل. ويفصح الكتاب عن أساليب متنوعة يمكن من خلالها للقائد الحكيم أن يشكل الأرض. وبصورة عامة يعتمد أداؤه على تحويل نفسه والبيئة الخاصة بالعدو، في وقت يتعذر العثور على موقع أو شكل فريد وثابت يرجح الكفة لصالحه. وفي المقابل فإن الفائدة تتغير في كل موقف وتكون على الدوام بالنسبة للعدو. وهكذا عندما يصل القائد الحكيم إلى تحقيق هدف أسرع من ما يتوقع عدوه أو يحول موقع ضعف إلى قوة فإن ذلك سيقلب أرض العدو رأساً على عقب، سيما أن تقويم العدو للزمان والمكان سيثبتان فشلهما وسيقوضان الثقة بأفكاره ومفاهيمه. وبالأسلوب ذاته يشير تزو إلى أن جلب انتباه العدو بعيداً عن الطريق المباشر سيحدث لديه الارتباك والسخط على خطته وسيقوض معرفته بنفسه. وهنالك هدف آخر وراء قيام القائد الحكيم بعملية التغيير وهو إيجاد حالة لا توازن بينه وبين العدو. فعندما يتخطى ثقله وقوته كثيراً ما للعدو فإن ذلك سيوجد رجحان الكفة أو حالة من الأكثرية. وهذا الأمر، وكما يقول تزو، لا يقوم على مجرد تكديس الموارد لأن الكثرة في المفهوم العسكري لا تعني الأفضلية. والأحرى بالقائد الحكيم أن يعثر على موقع قوي وراسخ يلائم ما للعدو ويستعمل القوة في المواقع التي يتسم العدو فيها بالضعف والوهن. ولا يغفل المؤلف الإشارة في هذا الموضوع إلى الكيفية التي يتم بها تحقيق النصر الكامل. ويقول إن القائد الحكيم يهيئ الأرضية ويستعد لمثل هذا الأمر عندما يتسيد على أرض القتال وعلى الظروف المحيطة به. ويبدأ ذلك من دحر استراتيجية العدو سواء أكانت تلك الاستراتيجية واسعة النطاق أو محدودة. وفي نظر تزو فإن الاستراتيجية هي الوسيلة التي من خلالها يتم تنسيق كل الموارد المتاحة. ومثل هذه الاستراتيجية تجعل أفعال العدو مترابطة ومركزة، لذا فإن دحر مثل هذه الاستراتيجية سيصيب لحمة العدو بالانحلال، ويفكك أحلافه. ومن هنا وبعد أن يتمكن القائد من دحر استراتيجية العدو يبدأ بتحقيق العملية التالية من خلال الاستخدام الماهر لعملية تشكيل وتحويل أرضية المعركة. ويلعب عامل السرعة دوره أيضاً في تحقيق النصر الكامل. ويسمح ذلك لجيش القائد الحكيم باغتنام الفرصة عندما تأذن أو تسنح بذلك، بفعل صبره. وعندما تأتي مثل هذه الفرصة يقوم القائد الحكيم بالتصرف بسرعة البرق. ومن هذا المنطلق فإنه لا يتباطأ بالتصرف إزاء ما يود العدو فعله أو يختار القيام به، فهدف القائد الحكيم يتخطى تلك الأفعال أو ردود الأفعال من جانب العدو، في الوقت الذي سيكون القتال مدمراً على الجانبين إذا لم يحسم على أسرع وجه. ويلفت المؤلف نظرنا إلى بعض المفارقات التي من شأنها في الواقع أن تعود بالنصر حتى قبيل بدء القتال لما لها من أهمية معنوية واستراتيجية. ويقول إن على قائد القتال الحكيم أن ينطلق في عمله وفقاً لمعرفته بما يفكر فيه خصمه عن العالم. وإذا ما كان العدو مقتنعاً بأن موقع القائد الحكيم محصناً فإنه لن يلجأ إلى الهجوم بصرف النظر عما إذا كان ذلك الموقع غير محصن في واقع الأمر. والأهم من ذلك كله فإن فهم طريقة تفكير العدو ستبرهن على مدى طبيعة ذلك الشخص وتفصح عن درجة قوته أو ضعفه. وتماثل تلك المعرفة بالعدو الطريقة التي تشير لها خريطة الطريق إلى الخطوط والطرق التالية والمخارج والمداخل. لذا فإن تلك المعرفة كما يشير تزو تتدفق من إطلاع القائد الحكيم وسعة معرفته عن العالم الذي هو جزء منه ومن فهمه للوجود الإنساني الأساسي، وليس من خلال معلومات معينة. وأخيرا يخلص المؤلف للقول إن النصر الشامل لا يتحقق بإستمالة العدو إلى جانبك. فعلى القائد الحكيم أن يوجد رؤية أشمل تستوعب الجانبين (هو وعدوه)، لإنها الأرضية التي تنشأ منها المصالح كافة. وليس ثمة صيغة أو شكل أو دليل يضمن بشكل نهائي حدوث النصر. أما تحقيق النصر الشامل فيحدث في لحظة فريدة لكل ظرف. وهكذا فإن النصر متواصل، وهو في الحقيقة طريقة وجود، وليس هدفاً نهائياً أو غاية بحد ذاته. والإنتصار في الحرب هو الانتصار على الأعداء مما يجعل أي صراع آخر عديم الأهمية أو الجدوى. أهمية الكتاب اليوم يطرح لنا مترجم الكتاب، في معرض تعليقه على النص المترجم عن الصينية، بعض الأحداث والمواقف التي تم فيها توظيف أفكار صن تزو وآرائه عن الحرب وتحقيق النصر لتحقيق أفضل الغايات المنشودة. ويشير إلى أن التغييرات الهائلة التي شهدها العالم أجمع قد أحدثت تحولاً جذرياً في الطريقة التي يفكر بها البشر. وفي الوقت الذي طفت فيه إلى السطح نماذج جديدة فإن العديد من عناصر صن تزو قد غدت بالنسبة لنا يسيرة التمييز، رؤية الهيمنة على العالم ومعرفة العالم كعلاقة مترابطة. وهذا أحد الأسباب التي تجعل النص الصيني القديم مألوفاً وحاضراً. وكان من شأن التطورات أن توجد أساساً لتقليد صن تزو وتجد له موقعاً في الوقت الحاضر، ليس كنص عرفه الغرب لقرون عديدة، بل كممارسات وآراء وضروب من أفعال الحكمة. وبعض الأمثلة التي كان لتعاليم صن تزو أكبر الأثر في تحقيق النصر يتعلق بما حدث في الحرب العالمية الأولى على الرغم من وجود بون تاريخي وتقني وتفكيري هائل بين الزمنين (حوالي 2200 سنة). فقد كانت الحرب العالمية الأولى نقطة البداية في التغيير العسكري حيث لجأت الجيوش المتناحرة إلى استراتيجية التخندق وراء مواقع محصنة معظم سنوات الحرب من دون اللجوء إلى الهجوم المكشوف بأعداد هائلة كما كان الأمر كذلك في الحروب السابقة. فالمدافع الرشاشة المتحركة لم تدع فرصة للمغامرة والخروج إلى القتال بأجسام مكشوفة. وكان للصدفة وحدها أن تقود أحد القادة الميدانيين، وهو بي. أتش. ليدل هارت، إلى تطوير ما أسماه المفهوم غير المباشر والمتمثل بهجوم يتم شنه عبر أضعف خط مقاومة متوقع للعدو. فقد تسلم هارت برقية من ضابط بريطاني تعلم مهارات صن تزو عندما كان يعمل في الصين. وجلبت البرقية اهتماماً ليدل صوب رؤية تزو عن المياه التي لا تخترق صفوف المقاومة لكن في وسعها أن تجتاح صخوراً هائلة عندما تتدفق بشكل فيضانات. وتبنى ليدل أفكاراً مماثلة في نظريته «السيل الواسع» التي مكنت فيها بعض الاختراقات البسيطة في دفاعات العدو بقية القوات من الاندفاع بسرعة والتوسع فيما وراء جبهة العدو. وهو الأمر الذي أشار إليه ليدل في كتابه عن الاسلوب البريطاني في القتال. فقد استعان ليدل بصن تزو لتغيير التفكير العسكري الأوروبي، مشيراً إلى إن الهدف من الحرب هو دحر العدو وليس الحرب التي هي بالأساس إحدى الوسائل لتحقيق تلك الغاية. ويتعلق المثال الثاني بفيتنام. فهذه الدولة تستذكر الكثير من الدروس والعبر التي تمثلت بسلسة من الانتصارات التي حققها مجموعة من الفلاحين والمزارعين بوجه أكبر منظمة عسكرية على وجه الأرض. فقد تمتع الفيتناميون بمعرفة وقدرة هائلتين في التحكم بمناطقهم الشاسعة حيث كانوا ينطلقون متأخرين ويصلون في وقت أبكر. وأرغموا الأمريكيين على التهيؤ لهم في كل نقطة وموقع بعد أن تحكموا في الأسلوب والوقت الذي يشن القتال فيهما. وكان السر في ذلك أن الجنرال جياب قد درس صن تزو وتفادى بعد عام 1968 مواجهة واسعة النطاق مع القوات الأمريكية، حيث آثر جر الأمريكيين إلى اشتباكات عرضية استنزافية بفعل تشتت جنوده. وكان شعار جياب عن الحرب ـ كما يذكره المترجم ـ إنها حالة مضطربة وبطيئة تماثل كثيراً الشخص الذي يشرب الحساء بسكين. وأخيراً، يمكن القول إن التقاليد القديمة، إذا ما جمعت على نحو دقيق وأصيل ستصبح تقاليد معاصرة. وهكذا فإن تقاليد صن تزو جزء من ثقافة العالم المعاصر، وتصلح لتكون جديدة في أي لحظة لتحدث تحويلاً وتطوراً لا حد له. وهي لا تخص مجموعة معينة أو سلالة قديمة لأن حكمة ومعرفة صن تزو ما زالتا تنبضان بالحياة وتصلحان لكل عصر، طالما كانت هذه الحكمة في الواقع بؤرة للانتصارات العسكرية.