أيهما جاء قبل الآخر.. البروتين ام الجينة الوراثية؟ كما قال المؤلف البريطاني صامويل باتلر، ذات مرّة، فان البروتين ليس سوى الطريقة التي تصنع بها الجينة جينة اخرى، والجينة الوراثية ليست سوى الطريقة التي يصنع بها البروتين بروتينا اخر. وتحتوي الجينات على البيانات الاولية للحياة، لكن بدون وجود البروتينات لتوفير الشكل والمحرك لتلك الحياة، كيف يمكن للجينات ان تتكاثر وتبقى؟ وبطريقة مماثلة ما فائدة وجود شكل حياة مبني من البروتينات، في حال عدم وجود جينات او مورثات لتمكين هذا الشكل الحي من الانتقال عبر الاجيال المتتالية. في مرحلة معينة من تاريخ علم الاحياء، ساد اعتقاد بأن الجينات مصنوعة من البروتينات. لكن في عام 1953، تمكن العالمان فرانسيس كريك وجيمس واتسون من مختبر كافنديش في كامبردج من استنباط البنية الحلزونية المزدوجة لجزيء الحمض الريبي النووي المنقوص «دي ان ايه» وكيفية حمله للمعلومات الوراثية. وفي ذات السنة وذات المكان اعلن العالمان ماكس بيروتز وجون كندرو، وبعد عشرين عاما من العمل، عن اكتشافهما البنية ثلاثية الابعاد لبروتينين اساسيين: الليموجلوبين الذي يخزّن الاكسجين في الدم والميوجلوبين الذي يخزّن الاكسجين في العضلات. وكنتيجة لهذين الانجازين المثيرين، حاز كريك وواتسون على جائزة نوبل للطب عام 1962 فيما حاز بيروتز وكندرو على جائزة نوبل للكيمياء في العام نفسه. ومنذ ذلك الحين بنى العلماء قاعدة معرفية لبنيات نحو 8000 بروتين بشري، استغرق استنباط كل منها شهورا واحيانا سنوات من العمل. لكن لا تزال هناك مئات الالوف من البروتينات تنتظر استكشاف تركيبتها. والاكثر من ذلك ان معرفة كيف توجه البروتينات ذاتها في ثلاثة اتجاهات ليست سوى فصل واحد من قصة هذه المكونات الحيوية. واذا اراد العلماء ان يستفيدوا بشكل كامل من البيانات الناتجة عن مشروع الجينوم البشري، عليهم ان يفهموا كيف يمكنهم ان يستنبطوا من تلك البيانات البنى البروتينية ثلاثية الابعاد عندها فقط سيضعون ايديهم على الأساس الجزيئي للامراض والعقاقير الكفيلة بعلاجها. بعد اكتشافه للبنية الحلزونية المزودجة بالتعاون مع كريك، كرس جيمس واتسون نفسه لفهم كيف تترجم الجينات الى بروتينات. اشتبه واتسون في ان جزيئا وثيق الصلة بالدي ان ايه هو الـ «ار ان ايه» يلعب دورا حيويا في هذه العملية التي وصفها بأنها مفتاح فك رموز شيفرة الحياة. واسس بالتعاون مع عدة علماء بارزين في ذلك ناديا اطلق عليه اسم نادي «رابطة الار ان ايه». ضم النادي عشرين عضوا فقط، واحد لكل حمض اميني من مجموع الحموض التي تتشكل منها جميع البروتينات بحلول عام 1966 اصبحت عملية تصنيع البروتينات في الجينات مفهومة بشكل جيد بفضل جهود نادي رابطة «الار ان ايه» وجهود علماء آخرين ربما كان ابرزهم فرانسيس كريك. ان جزيء الحمض الريبي النووي «ار ان ايه» الذي يعتقد الآن انه وجد قبل البروتينات والجينات على حد سواء، هو المادة الاساسية الداخلة في تصنيع البروتينات. وفي حين ان جزيء الدي ان ايه مؤلف من اربع قواعد كيماوية، الادينين «ايه» الجوانين «جي» السيتوسيل «سي» والتيمين «تي»، فان جزيء الـ «ار ان ايه» مؤلف من القواعد الثلاث الاولى وقاعدة رابعة مختلفة تدعى اليوراسيل «يو» يتمتع احد اشكال الار ان ايه ويدعى ان ار ان ايه الرسول او «ام آر ان ايه» يتمتع بالقدرة على الدخول الى نواة الخلية، حيث تقيم الدي ان ايه، واستنساخ نفسه الى اي جزء من الجينوم ليغادر النواة بعد ذلك ويعلق نفسه بأحد الريبوسومات، وهي بنى تشبه الخرز، مؤلفة من احد اشكال الآر ان ايه يدعى الحمض الريبي النووي الريبوسومي. توصف الريبوسومات بأنها «مصانع» الخلية، وهي توجد بأعداد كبيرة في سيتوبلازما الخلية. وفي هذه الريبوسومات بالتحديد تتم ترجمة المتتاليات الجينية التي تعرف الآن بالحروف الكيماوية الاربعة للـ «ام آر ان ايه» الى الحموض الامينية العشرين التي تشكل قوام البروتينات. ويتم قراءة جديلة الحمض الريبي النووي الرسول «ام ار ان ايه» بواسطة احد الريبوسومات لتحديد الترتيب الذي يجب ان تنظم فيه الحموض في سلسلة واحدة، مثل الخرز في العقد ـ انشاء البروتين المطلوب. وكل تشكيلة ثلاثية الاحرف في الحروف الكيماوية الاربعة الموجودة في الآر ان ايه تنوب عن احد الحموض الامينية العشرين. وعلى سبيل المثال، فان المتتاليات: «جي سي يو» و«جي سي ايه» و«جي سي جي» جميعها تحمل مواصفات الحمض الاميني «الانين» وتؤلف متتاليات الحروف الاربعة 64 متتالية ثلاثية محتملة «تعرف بالكودونات»، اي اكثر من ثلاثة اضعاف عدد الحموض الامينية. ولذلك فان كل حمض اميني يمكن تخصيصه بعدد يصل الى ستة كودونات. لكن هذه المتتاليات الافقية لا تشكل سوى البنية البدائية للبروتين. وحتى يحقق البروتين وظيفته ويبدأ بالعمل المنوط به، عليه ان يتخذ لنفسه شكله ثلاثي الابعاد الاخير. ويمكن لهذه العملية ان تستغرق زمنا يتراوح من عدة اجزاء من مليون في الثانية الى عدة ثوان، وهو زمن طويل في عالم الكيمياء الحيوية. يتم بعد ذلك تخزين البروتين في الشبكة الخليوية الهيولية للاستخدام لاحقا، او تؤخذ الى حيث تضاف اليها السكريات او تنقل مباشرة الى مواقع العمل، سواء داخل او خارج الخلية. اذن، يبدو ان من ظواهر الامور اننا نعرف كل شيء عن كيفية تحول البروتينات الى جينات ونفهم هذه العملية بقدر كاف لفهم بيانات الجينوم البشري لكن لسوء الحظ ان الواقع مغاير لذلك، فهناك عنصر مبهم في هذه العملية هو الذي يبث الحياة في البروتينات ولا يزال مستعصيا على العلماء الى الآن. يكمن هذا العنصر المراوغ في الطريقة التي يطوي البروتين فيها نفسه في معرض اكتسابه شكله ثلاثي الابعاد، وهي عملية لا تزال تحيّر وتربك العلماء منذ اكثر من نصف قرن، وتتجه الانظار الآن الى مشروع دولي جديد مرادف للجينوم البشري يدعى مشروع «البروتيوم البشري» لحل الغاز البروتينات وسبر أغوار الحياة بدءا من وحدات بنائها الاولى. علي محمد