لم تكن هناك بعد جوائز اوسكار لافلام الرسوم المتحركة، عندما بدأت شركة والت ديزني الامريكية تقديم رائعتها الشهيرة «سنو وايت والاقزام السبعة» في عام 1937، غير ان الشركة حصلت عام 1938 على جائزة اوسكار خاصة لابداعها في تقديم ما اطلق عليه وصف مجال ترفيهي جديد وعظيم والمتمثل في عرض «سنو وايت» وحصلت الشركة على جائزة اخرى مماثلة عن عرض «فانتازيا» وحتى عام 1941 كان مالك الشركة ديزني هو نفسه رابع شخص في العالم يتلقى جائزة ارفينج تولبيرح الشهيرة ولكن اخيرا هذا العام تم تخصيص جائزة اوسكار لافلام الرسوم المتحركة. وقد كانت هناك ثلاثة افلام تتنافس على الجائزة هي فيلم «جيمي نوترون، الصبي المعجزة» من انتاج شركة دي.إن.إيه ونيكسلوديون انترتينمنت، وفيلم «شريك» من انتاج شركة «دريم وركس»، وفكرة جيفري كاترنرج الذي كان يعمل سابقا مع ديزني وفيلم «الوحوش» انتاج استوديوهات بيكسار في شمال كاليفورنيا، وتوزيع ديزني. وهذا يعني عمليا انه لم يكن هناك اي عمل فني يحمل اسم شركة ديزني تلك الشركة التي اقترن اسمها دوما بالخيال والرسوم المتحركة وللاسف فليس هذا الا جزءا من المشكلة وليس المشكلة كلها. فلأول مرة منذ عدة اعوام لا تحصل شركة «ميراماكس» على جائزة من جوائز اوسكار وميراماكس تلك هي شركة منتجة وموزعة للافلام الفنية تملكها ديزني منذ عام 1993 عندما اشترت «بيت الفن» مقابل 50 مليون دولار غير ان ديزني ربحت كثيرا من وراء هذه الصفقة فقد نالت «ميراماكس» 11 ترشيحا لجائزة افضل فيلم خلال عشر سنوات ونالت جائزتين عن فيلمي «المريض الانجليزي» و«شكسبير عاشقا». ولكن هذا العام لم يكن لديها الا فيلم واحد ينافس على جائزة احسن فيلم وهو «في حجرة النوم»، ويقول المقربون من الشركة ان «ميراماكس» لم تكن تروج للفيلم وتخصص له الدعاية الكافية بالشكل الكبير والمعتاد منها ففي العام الماضي انفقت الشركة بشكل كبير على الدعاية الخاصة بالترشيح لجوائز الاوسكار ولكن هذا العام لم يكن هناك الجهد او قدر الانفاق نفسه الامر الذي مهد الطريق كما يقول الكثيرون، الى فوز هال بيرى عن فيلمها «كرة الوحش» وتفوقها على سيسى سباسيك عن فيلم «في حجرة النوم». ومن المعروف ايضا ان افلام «ميراماكس» لم تحقق النجاح المنتظر منها خلال عام 2001 حيث حقق «كيت وليوبولد» و«اخبار الشحن» نتائج متواضعة للغاية ومنذ شهرين فقط انسحبت «ميراماكس» من اتفاق لتمويل احدى المجلات بعد خسائر تكبتها قدرت بـ 50 مليون دولار خلال سنة ونصف السنة ومنذ عدة ايام قامت الشركة باقالة 75 موظفا من موظفيها اي ما يعادل 15% من اجمالي الموظفين العاملين بها وعلاوة على ذلك اعلنت ان فيلم «الجبل البارد» من اخراج انتونى مينجيلا سوف يتم تصويره في رومانيا بدلا من نورث كارولينا توفيرا للنفقات وهناك من يقول ان رئيس الشركة هارف فاينشتين اعترف برغبته في العودة لفترة انتاج الافلام الاقصر امتدادا في مدة عرضها. وما من احد يتهم ديزني بممارسة ضغوطات على «ميراماكس» فقد نجح فاينشتين ان يستقل بالشركة ويبعدها عن اي تدخل خارجي ولكن الخطأ الاكبر الذي ارتكبته الشركة هو انها دفعت جميع التكاليف الاولية الخاصة بتصوير فيلم «سيد الخواتم» ثم وصلت تكاليف الفيلم الى مستوى تتطلب موافقة ديزني فقد تعدت ميزانية الفيلم مبلغ 250 مليون دولار، وبالتالي امر رئيس ديزني مايكل أيسنر بوقف العمل في الفيلم مما ادى الى تدخل طرف ثالث. اخذ الفيلم الذي يحقق الآن ارباحا خيالية وهناك من يقول ان فيلم «سيد الخواتم» كان يتطلب امكانات لاتستطيع ديزني توفيرها. والآن ما من شك في ان ديزني تراجعت بشكل كبير امام المنافسة المحتدمة الدائرة حول الافلام المتحركة في السوق الامريكية وسجلت افلامها تراجعا ملحوظا امام افلام الشركات الاخرى، مثل شركتي بيكسر ودريم وركس اللتين تقومان بتطوير امكاناتهما بدرجة كبيرة وتملكان قدرا كبيرا من القدرات الابداعية اللازمة لنجاح هذا النوع من الافلام وجعلها تروق للكبار والاطفال على حد السواء بعد ان كانت مقصورة على الصغار وحسب وفي ظل هذه المنافسة المحتدمة بين افلام الرسوم المتحركة والشركات المنتجة لها ستظهر ديزني من ثوب الماضي بعيدا عن الروح الابتكارية للعصر وتفشل في تقديم الجديد الذي يجعلها قادرة على التعامل مع المنافسة الحالية فقد قامت الشركة مؤخرا بتوفير 265 وظيفة بعد ان قامت بالفعل بخفض رواتب عدد كبير من الموظفين العام الماضي. وفي مجال افلام الحركة لم تكن الصورة اقل سوءا بالنسبة للشركة فعلى الرغم من ان فيلمها الكبير «بيرل هاربور» لم يخسر ماليا الا انه جاء بمثابة الصدمة وخيبة الامل حيث جاء ليمثل علامة محزنة للمفارقة التاريخية لذا كان هناك كثير من الضغط على فيلم «عصابة نيويورك» من انتاج ميراماكس حيث واجه الفيلم انتقادات تتعلق بطول الفيلم وعدم قوة أحداثه. وبالطبع يمكن القول ان الانتاج السينمائي لا يمثله إلا جزء بسيط من مقدرات شركة والت ديزني. إذن لماذا كل هذه الزوبعة؟ لقد جاء انخفاض أسهم ديزني في مجال الانتاج السينمائي ليتزامن مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر الرهيبة التي أثرت بشكل جذري على مدينة ديزني لاند في جنوب كاليفورنيا وديزني وورلد في فلوريدا. هاتان المدينتان تجذبان أعدادا لا حصر لها من العائلات والسياح وتحققان للشركة أرباحا كبيرة. وجاءت تفجيرات سبتمبر لتثني الناس عن استخدام الطائرات، وبالتالي انخفض بشكل كبير عدد زوار هاتين المدينتين اللتين تمثلان مصادر دخل أساسية في الشركة. غير ان أكثر العوامل التي أدت الى ترنح الشركة في الفترة الأخيرة هو تدهور الانتاج التلفزيوني لها بشكل مخيف، حيث تراجعت الشركة أمام المنافسة المحتدمة مع الشركات الحديثة مثل شبكة فوكس، اضافة الى المنافسين القدامى مثل «ان.بي.سي» و«سي.بي.اس». والآن بلغ ايسنر من العمر حوالي 50 عاما وهو بلاشك يمثل احدى قصص النجاح الاسطورية في امريكا. ولكنه عانى في الفترة الأخيرة من متاعب قلبية عديدة، ولم يصبح قادرا على المستوى الذهني أو البدني على رفع أسهم الشركة كما كان يفعل في الماضي. ومن المعروف في الوسط السينمائي ان سمتي الغرور والتسلط اللتين تميز بهما طابع أيسنر في الأعوام الأخيرة قد أدتا الى خسارته لصداقة واحد من أبرز اصدقاء عمره وهو جيفري كاتزنبرج الذي انتقل للعمل مع شركة دريم ووركس المنافسة آملا في تحقيق طموحاته التي ستسهم بالتأكيد في تفوق دريم ووركس على ديزني في مجال الأفلام المتحركة. إن الأمر يحتم ان يتنحى ايسنر عن منصبه أو يتقاسم السلطة مع من يمكنهم النهوض بالشركة مرة أخرى لاسيما وانه ليس من المستحيل ان يتم ذلك. فعن طريق الوصول الى عدد من العروض التلفزيونية الناجحة في الفترة المقبلة، يمكن ان تستعيد الشركة عافيتها مرة أخرى. ولكن إذا لم يتم ذلك، فإنه من غير المستبعد ان نرى في الفترة المقبلة بداية نهاية الشركة التي استهلت فن الترفيه في الربوع الامريكية، فمن دون ضخ دماء جديدة في هذا الصرح العملاق سوف يسقط البطل غير مأسوف عليه. حاتم حسين