نندهش.. نغضب.. ننفعل..، بعضنا يمصمص الشفاه أسفاً واستنكاراً لأنه لا يملك وسيلة غيرها للتعبير عن ضيقه وسخطه، وبعضنا الآخر يتخذها مادة خصبة للهجوم واستعراض العضلات ـ إن كان هناك عضلات ـ في خطبه المنبرية ولقاءاته التلفزيونية، وبعضنا الثالث والأخير ـ وهم الكتاب والصحفيون ـ تغلي الدماء في أقلامهم فيشرعونها ماضية لشن الحملات.. وصب اللعنات..! يحدث هذا.. وبصفة دورية.. كلما جاءنا من الغرب خبر عن تكريم «كلب».. أو الاحتفال بعيد ميلاد قطة.. أو تكوين جمعية لمناصرة الحمير!، عندها يركبنا الغيظ.. ويزداد بنا الحقد على هؤلاء «الخواجات» الذين يضعون الكلاب والقطط والحمير في المنزلة الأولى.. ويضعون أبناء شعوبنا في المنزلة الثانية.. وربما في الثالثة انطلاقا من تصنيفنا ضمن ما يسمى بالعالم الثالث، ومن ثم تثور فينا دوافع الحقد من استئثار هذه الحيوانات بحب وحنان من كنا نأمل نحن في الانفراد بحبهم وحنانهم، ومن هذا المنطلق «الحقدوي» الغاضب تنهال من ألسنتنا وأقلامنا كلمات الضيق والأسف.. وعبارات الحسرة والأسى، ونعلن «قرفنا» البالغ من هؤلاء المترفين المرفهين، الذين يعطون للحيوان عندهم ما يبخلون به على الإنسان عندنا، والذين تنهمر دموعهم الغالية لصداع اصاب كلبا.. او لمغص المّ بقطة، ثم لا يهتز لهم جفن اذا مات منا الألوف مرضا وجوعا، والذين تثور ثائرتهم وتنطلق مظاهراتهم اذا اعتدى واحد على سلحفاة مهيضة الجناح.. او ضرب شخص خروفا أعزل، ثم نراهم في حالة شديدة من البرود وضبط النفس اذا سمعوا عن مذبحة شارونية في مخيم.. او غارة عمياء على مدينة عربية..! لأول وهلة.. قد يبدو انفعالنا وغيظنا امرا طبيعيا كرد فعل منطقي لهذه التصرفات التي تبدو لنا ـ ومن وجهة نظرنا ـ شيئا سخيفا غاية في السفه وقلة الذوق، وان كانت هي ـ ومن وجهة نظرهم ـ ليست بهذا السخف ولا بذاك السفه، والمسألة كلها تحتاج الى وقفة نعيد فيها وزن الأمور وتقييم المواقف، مواقفهم ومواقفنا.. بحياد وموضوعية..! من ناحيتهم ـ ومن منطق الحياد والموضوعية المذكور ـ لا أرى في علاقتهم «الإنسانية» بالحيوان أي غرابة او تناقض، فهم لم يتوجهوا بفائض عواطفهم ورعايتهم نحو هذا الكلب او تلك القطة او ذاك الحمار الا بعد ان انتهوا تماما من تسليم كل بني آدم عندهم نصيبه كاملا من الحقوق، بدءاً من حقه صغيرا في اللعب والنط «ولحس» المصاصة.. ووصولا الى حقه كبيرا في أن يقول لأكبر مسئول في بلده: «انت اعور» اذا كان فعلا «أعور» ومرورا بكافة حقوق البني آدم الحياتية وأولها وآخرها حقه في ان يعامل في كل موقع ومكان كإنسان، وليس كما يعامل البني ادم عندنا ـ ولا مؤاخذة ـ كشيء... لا هو بالانسان ولا هو بالحيوان، ومن ثم.. وبعد ان وزعوا في الغرب كل الحقوق لكل البشر، انطلقوا يوزعون ما تبقى منها على المخلوقات الاخرى التي تقاسمهم العيش في مجتمعاتهم.. كلاباً كانوا أم قططا..، وهم ليسوا ـ بعد هذا كله ـ مسئولين عن تصدير فائض عواطفهم الرقيقة الينا ضمن ما يصدرون لنا من البان ولحوم ومعلبات وآلات، فالعواطف لا تصدر.. والحقوق لا تباع في الأسواق، ومعهم الحق وكل الحق، فكيف نطلب منهم التصدق علينا بما نبخل نحن به على بعضنا البعض، ثم ما الذي يجبرهم على الإقرار بحقوق المواطن العربي اذا كنا نحن.. في وطننا العربي.. لا نقر له بهذه الحقوق.. ولا نعترف به أصلا كإنسان..؟! ان أي «جورج» عندهم يستطيع ان يحصل ـ ودونما اي عناء او بهدلة ـ على حقوقه كاملة في أي موقع واي مكان، لا بالذراع.. ولا بنفوذ وواسطة اصحاب الباع والذراع، بعكس ما يحدث عندنا لمواطننا العربي الذي تعود ان «يجري جري الوحوش».. وغير خيبة الأمل «لم يحوش»..! وان أي «جون» عندهم يستطيع ان يشكو بصوت مرتفع.. وان يعترض بالطريقة التي تعجبه..، وان يضرب عن العمل اذا لم يحصل على حقه وأكثر من حقه، دون أن يتهم بالحقد وبالعمالة.. او ان يحول الى مستشفى الأمراض العقلية باعتباره مخبولا ومختل العقل والتفكير..! ومن عجائب الأمور عندهم انهم يعتبرون المواطن منهم «بريئا حتى تثبت ادانته»، وهو امر مرفوض تماما عندنا، فالقاعدة الذهبية الأمنية عند من يحققون مع المواطن العربي تؤكد مسبقا ولاحقا انه «متهم.. حتى ولو ثبتت براءته»..، والأعجب والأغرب من ذلك انك ترى المتهم عندهم يخرج من مركز الشرطة وقفاه مازال سليما غير متورم بفعل «العوامل اليدوية» لعساكر الشرطة الذين تقاس احقيتهم في الترقية بمدى خبرتهم في هذا المجال!! والشيء الطبيعي بعد ذلك انه مادام «جورج» و«جون» و«سميث» و«اليزابيث» وغيرهم ممن يعيشون هناك قد نال كل منهم حقوقه.. وزيادة، فلماذا لا يوزعون فائض هذه الحقوق على كلابهم وقططهم انطلاقا من قاعدة ان «من جاور السعيد يسعد»، ومادام الامر عندنا عكس ذلك على طول الخط، فلماذا اذن نحقد عليهم وعلى كلابهم وقططهم، ولماذا يركبنا الغيظ والغيرة اذا ما هم اطلعوا على أحوالنا وعاينوا حجم خيبة املنا في هذا المجال.. وفي كل مجال، ففضلوا ـ غير نادمين ـ كلابهم وقططهم ـ بل وفيرانهم ـ علينا،.. و.. فضوها سيرة أحسن..!