بيان 2: على بعد 400 كم شمالي بغداد، تمّ التوصل مؤخراً إلى أن أول كائن نسوي اكتشف طريق التسلل إلى قلب الرجل عبر معدته، هو المرأة الموصلية، وهذه ليست مزحة كلامية، بل هي حقيقة يمكن إثباتها من خلال أية مائدة موصلية، وبالذات في رمضان. قد لا يبدو مُسْتحباً أن نبدأ الخطوة الأولى مع الشهر الكريم في هذه المدينة العراقية المهووسة بجماليات الحياة، من طبق طعام شهي، على أهمية مثل هذا الطبق الذي يذهب الظمأ ويُبل العروق، وعليه قد نرجئ حديث الموائد حتى يحين موعد الإفطار . ليس محض مصادفة أن تنتمي عموم الملل الدينية أو ذات الثقل الديني الواضح في العراق، إلى جذر تاريخي متميز، كأن يكون هذا الانتماء معبراً عنه بمركز علم أو مركز حضارة أو خلافة أو عاصمة لدولة قوية تركت بصمتها الإنسانية على العالم وأمدت البشرية بمسارب للضوء والنهوض . هذا هو القاسم المشترك الذي يمكن ان تلمس معالمه مثلاً بين الكوفة وسامراء والنجف وكربلاء، وتحت هذا القاسم تنطوي كذلك مدن عراقية أخرى، في المقدمة منها الموصل ذات العمق التاريخي والعطاء الحضاري على مر العصور. لو تهيأ لنا التحليق على جناح فراشة في ليلة من ليالي رمضان المباركة فوق المدينة فسوف لن نضل حارات الموصل ومتاهاتها، لأن دليلنا الذكي سيكون 400 قنديل محمول على هامات 400مئذنة، تسورُ حدود المدينة وتحدد اتجاهاتها الأربعة وتنطق من أعماق أزقتها العتيقة وفضاءات أحيائها الجديدة . وحلاوة هذه المآذن أو المنائر أو المساجد والجوامع التي تربو في حقيقتها على الأربعمئة دار من دور العبادة، هو أنها مشيدة بمئة طراز وأنها تتناغم في بذخ معمارها الهندسي مع قصور الموصل وأبنيتها وفنون عمارتها المنوعة، لا بل تتسابق معها أحيانا، وذلك لأن مشهد العمائر الدينية والإسكانية يحتفظ لكل مرحلة من مراحل التاريخ بنصيب واضح، بدءاً من اللمسات المعمارية الآشورية التي تمتد جذورها الموغلة قدماً في الموصل، مروراً بفنون العمارة الإسلامية والأتابكية والعثمانية، وانتهاء بآخر مبتكرات العقل الهندسي المعاصر، ولنرجئ الحديث أيضا عن دور العبادة قليلاً محاولين الاقتراب من يوم رمضاني من أيام المدينة . وكون العراق بلداً مسلماً فأن قوانينه وتعليماته في الشهر الكريم تمنع الاجهار أو المجاهرة بالإفطار العلني حتى يدوّي صوت المدفع ويؤذن لصلاة المغرب، ولكن هذه المدينة العربية الإسلامية العريقة لا تبدو قد سمعت بتعليمات رمضان الرسمية، لأن شوارعها وأسواقها وجميع أماكنها من غير استثناء ألزمت نفسها إلزاماً طوعياً - طاعة لله لا خوفا من القوانين الوضعية - أن لا تقرب لقمة طعام أو شربة ماء أو كلمة سوء . وأجل ما في الصورة، أن المرء لا يعثر في الموصل على طفل لم يتخطَ الرابعة من عمره وفي يده « مصاصة» يتلمظ بحلاوتها أو على مراهق يتخفى في ركن معزول ليسرق «نفس سيجارة» فالكل إن لم يكن صائماً ـ وهذا جزء من البناء التربوي المبكر للعائلة الموصلية ـ فهو بحكم الصائم عن الطعام والشراب وفاحش القول والسلوك . وأجل ما في الصورة أيضاً أن المدينة تضم غير طائفة من الطوائف الدينية الأخرى، فهاهم المسيحيون يقطعون - بأدب جم - شوارع الموصل، وهاهم اليزيديون بلحاهم الطويلة وصمتهم المهيب قادمون من الشيخان وبحزاني وبعشيقة وسنجار للتبضع من أسواق المدينة، وليس بين المسيحيين واليزيديين من لا يحمل في نفسه الاحترام الكبير لشعائر رمضان ومشاعر المسلمين، فلا غليون يتدلى بين الشفتين ولا علكة تمضغ خفية ولا حمرة خدين تعلو الوجوه ولا ثوب شفاف يكشف مفاتن الجسد، ولا ولا.. ذلك هو المشهد العام للموصل في شهرها المقدس الذي يصعب أن يغادر الذاكرة . هيبة الإرث المعماري في بيوت الله التي تشكل في الموصل واحدة من أبرز ظواهر الحياة، سواء على مستوى العدد الذي يربو كما أشرنا على الأربعمئة مسجد وجامع، أم على مستوى سبقها التاريخي وأسلوب عمارتها . ولعل جامع «المصفي» يحتل مقدمة قائمة دور العبادة كونه اقدم جوامع الموصل حيث تم تشييده في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند فتح الموصل في السنة السادسة عشرة للهجرة . يحتل «المصفي» مساحة واسعة من محلة «الميدان» القديمة، ولا تزال منارته قائمة إلى الآن عند أحد البيوت السكنية البعيدة نسبياً عن موقع المصلى الحالي، وهذا يدلل على أن البيوت السكنية التي تفصل بين موقع الجامع وبين منارته قد شيدت ضمن مساحة الجامع عبر القرون الماضية، أي أنها احتلت الآن المساحة الواسعة لأرض الجامع . ومحلة «الميدان» تقدم لنا جامعا آخر ضمن الامتداد نفسه ويعرف بجامع «حمو القدو» ويضم رفات الشيخ علاء الدين حفيد الشيخ عبد القادر الجيلاني ويمتاز بطراز فريد من الهندسة المعمارية . على أن اشهر جوامع المدينة هو الجامع النوري أو الجامع الكبير الذي يحتضن «المنارة الحدباء» التي أصبحت بحق رمزاً للموصل، فقد كان ميلان المنارة قائماً منذ بنائها عام 568 هـ خلال ولاية نور الدين محمود، وهو أمرٌ لافت للنظر حقاً أن يأتي أصل المعمار بهذا الميلان الشديد، وربما لهذا السبب استوقفت «الحدباء» أكثر من غيرها كل البلدانيين والرحالة أمثال الحموي والمقدسي وابن جبير وابن بطوطة . تمتاز «الحدباء» بضخامتها وميلانها نحو الشرق وارتفاعها الشاهق الذي يصل إلى 170 قدماً، وقد تنبه المعماري الموصلي إلى ضرورة تخفيف ثقل المنارة فعمد إلى استحداث سلمين داخليين، يبدأ أحدهما من القاعدة المكعبة ويبدأ الثاني من البدن الأسطواني، وهذان السُلمان لا يلتقيان إلا عند القمة، وبهذا حقق المعماري الموصلّي غايته المتعلقة بشد المواد بالدعامة المحورية للبدن وعدم اندفاعها نحو الخارج . ومن الجوامع التي تمتلك موقعاً تاريخياً « الجامع المجاهدي» أو ما يعرف حالياً بـ « جامع الخضر» ويعود تاريخ بنائه إلى سنة 572 هـ ويتميز بقبته الآجرية ونقوشات محرابه الجصية . لا شك أن الإتيان على ذكر بيوت الله جميعها في الموصل أمر متعذر، ولكن المهم التعرف على أن هذه المدينة التي تدعى بـ «مدينة الأنبياء» هي كذلك فعلاً، وقد أقامت لأنبيائها ولسائر الأنبياء عليهم السلام جوامع تليق بمراقدهم وأسمائهم . عند الجهة اليسرى من نهر دجلة يقوم جامع النبي يونس عليه السلام الذي يعد أعلى وأجمل وأروع جوامع الموصل معماراً وأبهة وقد أنفقت الدولة عليه أموالاً طائلة لإظهاره بالمظهر اللائق به، وهناك اعتقاد بأن النبي يونس مدفون في المكان نفسه، وهناك جامع النبي شيت ذو المنارة المطلة بأحواضها الثلاثة على المدينة، وهناك جامع النبي جرجيس الذي يحتل منزلة خاصة في نفوس المسلمين لوجود (شعرات) من شعر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيه، لذلك تشهد مساحته ومصلاه احتفالات المدينة السنوية بمناسبة المولد النبوي الشريف، كما يعد هذا الجامع المصدر الرئيسي لتحديد أوقات الصلاة في الموصل، ويرجع تاريخ بنائه إلى القرن السادس الهجري، وهناك مرقد النبي دانيال وهو أحد أنبياء بني إسرائيل. ومما يقال عن «مدينة الأنبياء» أن ثراها الطيب يحتضن رفات النبي نوح عليه السلام تحت محراب الجامع النوري، في الوقت الذي تحتضن فيه باحة الجامع مراقد الأربعين ولياً، هذا غير عشرات المراقد للائمة والأولياء والصالحين التي تتوزع على المدينة وكأنها تستكمل فخامة مشهدها الديني وعمقها الروحي لتبدو الموصل في رمضان مدينة تضئ سماء الله بحق.