كشف حادث قطار الصعيد أوجه قصور عديدة في قانون الأحوال الشخصية خاصة فيما يتعلق بالمفقودين الذين احترقت جثثهم ولم يتم التعرف على هويتهم حيث ينص القانون الحالي على اعتبار المفقود ميتا بعد مرور أربع سنوات على الأقل، وذلك في الحالات التي يغلب فيها الهلاك مثل الحرب أو حالات الثورة والاضطرابات أما في الحالات العادية فلا يعتبر المفقود ميتا إلا بهلاك أبناء جيله على خلاف بين الفقهاء في تحديد السن في هذه الحالة بين السبعين والثمانين والتسعين. وهذا يترتب عليه مشكلات عديدة تتعلق بالميراث والزواج والطلاق. وقد أحال الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب الى لجنة الاقتراحات والشكاوى ثلاثة تعديلات تشريعية مقدمة من الأعضاء منصور عامر وعماد الجلدة وتيسير مطر بشأن المادة 21 من قانون الأحوال الشخصية. وتنص التعديلات على اعتبار المفقود ميتا بعد مضي سنة من تاريخ فقده في حالة ما اذا ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت أو طائرة سقطت أو في حوادث القطارات أو الزلازل، ويفوض بتحديد المدة التي تحكم بموت المفقود الى القاضي على ألا تقل عن أربع سنوات بعد التحري عنه بجميع الطرق الممكنة وقد أثارت هذه التعديلات خلافات بين رجال القانون وعلماء الدين. يقول الدكتور جمال الدين محمود النائب السابق لرئيس محكمة النقض أن القانون المصري استفاد من الشريعة الاسلامية والآراء الفقهية التي تتعلق بحالة الغيبة والفقد وتأثيرها في حقوق الآخرين كالزوجة أو الأقارب بالنسبة للميراث موضحا أن الغائب في المفهوم الشرعي والقانوني هو من لا يعرف مكانه وتطول غيبته الى الحد الذي يهدد حقوق الزوجة ولذلك أعطاها القانون الحق في طلب التطليق للغيبة. ويوضح أن حالة الغيبة لا تثير خلافا شديدا مثل حالة المفقود مشيرا الى أن المفقود هو من لا يعرف حياته من موته على وجه التأكيد وقد جعل القانون بالنسبة للشخص الذي يفقد في حالة يغلب فيها الهلاك مثل حرب أو ثورة أو اضطراب عام في مكان ما مدة مناسبة يحكم بعدها بموته وعندئذ تعتد زوجته ويقسم ميراثه وذلك من يوم الحكم. ويضيف أما المفقود في حالات لا يغلب عليها الهلاك فقد وضع العلماء والفقهاء عدة معايير مثل بلوغ سن معينة أو موت معظم أقرانه في السن مشيرا الى ضرورة اعادة النظر في هذه المعايير لأنها لا تناسب هذا العصر نظرا لكثرة تعرض الناس لمخاطر شديدة خاصة مع تقدم وسائل الانتقال التي يستخدمها ملايين الأشخاص ويتعرضون بسببها لمخاطر عديدة. ويؤكد الدكتور جمال الدين أنه رغم ذلك فإننا لا نستطيع القول بأن من يركب طائرة أو سفينة أو يستقل قطارا ثم ينقطع خبره يكون في حالة يغلب عليه الهلاك لأن الأصل في وسائل الانتقال كالسفن والطائرات والمركبات على اختلاف انواعها أنها ليست خطيرة في استخدامها لكن نظرا للمشكلات العملية فإن غرق السفينة أو سقوط الطائرة أو احتراق القطار يسبب في الغالب للهلاك موضحا أنه يمكن معالجة هذه الحالات بأن من يثبت أنه كان يستقل هذه الوسائل عند الغرق أو الحرق أو السقوط من الجو فإنه يهلك غالبا وبنسبة تجيز عقلا وشرعا أن يحكم بموته اذا لم تكن جثته باقية تؤكد وفاته لأن هذه الأحوال يكون هلاك الشخص فيه شبه مؤكد اذا لم يكن بين الناجين أو المصابين. ويرى أن العبرة هنا تكون باثبات أن الشخص كان يستقل هذه الوسيلة فعلا وقت حدوث الكارثة مشيرا الى أنه لما يترتب على هذه الحوادث من آثار عديدة بالنسبة للحياة الزوجية ولحقوق الميراث وسائر العلاقات الاجتماعية والقانونية فإنه يمكن في هذه الحالات بالذات أن يكون اعتبار الشخص المفقود ميتا بمقتضى قرار من سلطة معينة بعد معرفة كافة الظروف لأن انتظار حكم قضائي أو الانتظار لفترة طويلة يؤثر في حقوق الأحياء وتقدير ذلك يرجع الى السلطة المختصة. ويضيف أما من لم يثبت أنه كان يستقل هذه الوسائل في وقت وقوع الحادث ولم توجد له جثة فيجب اتباع القواعد العادية التي نص عليها القانون مشيرا الى أن التعديل ينبغي أن يشمل الطائرات والسفن فقط أما القطارات فلا ينبغي أن يشملها التعديل ويجب أن تظل في اطار الاجراءات القضائية العادية. أي الانتظار لمدة أربع سنوات في الحالات التي يغلب عليها الهلاك - وهذا التعديل تم بعد حادث غرق العبارة سالم اكسبريس - أو الانتظار الى السن التي يموت فيها معظم أبناء جيل المفقود في الحالات التي لا يغلب عليه فيها الهلاك. ويؤكد أن المشكلة تظل معقدة بالنسبة لمن لا جثة له خاصة مع عدم وجود قوائم بأسماء الركاب - كما هو الحال بالنسبة للقطارات - أما بالنسبة لسقوط طائرة وعدم وجود جثة لراكب كان يستقل هذه الطائرة بشكل يقيني من واقع قوائم أسماء الركاب فإنه يحكم بموته على الفور دون الدخول في الاجراءات العادية.. أما بالنسبة لغرق السفينة فإنه في الغالب يتم العثور على جثث الموتى وبالتالي فلا تكون هناك مشكلة. مسألة تقديرية ويرى الدكتور محمد شوقي الفنجري رئيس مجلس الدولة الأسبق أنه لا مانع من تخفيض المدة التي يحكم فيها بموت المفقود الى سنة واحدة خاصة في حالات سقوط الطائرات أو غرق السفن أو حرق القطارات مشيرا الى تحديد المدة مسألة تقديرية يمكن تغييرها من حالة الى حالة ومن حادث الى حادث. ويضيف أن هذه المدة يمكن أن تكون سنة واحدة ويمكن أن تكون ثلاث أو سبع أو حتى عشر سنوات حسب الحالات وحسب ما يحقق مصالح الناس ويلبي احتياجاتهم موضحا أنه ليس من المنطقي أن نعطل هذه المصالح كتوزيع الميراث مثلا أو أن تنتظر الزوجة زوجها سنوات طويلة ما دام هناك تأكيد بأنه مات لأجل عدم وجود جثة. ويشير الى أنه يؤيد تعديل قانون الأحوال الشخصية بما يحقق مصالح الناس وفي نفس الوقت عدم التجني على هذا المفقود أو الحكم عليه بالموت دون أن تكون هناك أدلة مؤكدة موضحا أن تخفيض المدة الى سنة واحدة غير كاف ويقترح أن تكون المدة سنتين بدلا من أربع سنوات لأن هذه المدة الأخيرة طويلة ويترتب عليها آثار سلبية على أقارب المفقود. ويخلص الى ضرورة أن يمنح التعديل الجديد القاضي سلطة تقديرية للحكم في الحالات المختلفة بحيث يكون القانون مرنا وليس جامدا لأن حالة الشخص الذي كان يركب طائرة وسقطت تختلف عن حالة شخص آخر سافر الى الخارج أو قام برحلة في بلد معين ثم انقطعت أخباره ولم يعرف مصيره. ويؤكد على ضرورة ألا يكون القانون ضد مصالح الناس أو أن يكون قيدا على تصرفاتهم ما دامت في حدود المباح شرعا وقانونا وبالتالي فلا مانع من تعديل القانون حسب أحوال الناس وحسب ظروف العصر وما استجد من حوادث لم تكن موجودة في العصور السابقة ولم يتناولها فقهاء المسلمين القدامى. الظروف المعاصرة ويرى الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف السابق أن تحديد المدة التي يعتبر بعدها المفقود ميتا بسنة واحدة خاصة في الحالات التي يغلب عليه فيها الهلاك يتلاءم مع ظروف المجتمعات المعاصرة مشيرا الى أن مدة أربع سنوات كثيرة جدا سواء كان المفقود متزوجا أو غير متزوج لأنه قد يكون له ورثة ويتوقف توزيع الميراث على معرفة ما اذا كان قد مات أو لم يمت. ويشير الى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اجتهد وجعل أقصى مدة يغيبها الرجل عن زوجته ستة أشهر وأعطى أوامره لقادة الجيوش بذلك ويفهم من ذلك أن الرجل اذا غاب مدة أطول من ذلك فإنه قد تتخذ ضده اجراءات سواء كانت زوجته على علم بحياته أو كانت تجهل حاله من حيث الحياة أو الموت فعلى سبيل المثال اذا كان حيا وغاب أكثر من هذه المدة فإن للزوجة الحق في طلب الطلاق وفي حالة التأكد من وفاته توزع التركة وتعتد زوجته. وحول اذا ما تم توزيع الميراث وتزوجت الزوجة برجل آخر ثم عاد الزوج المفقود أو ثبت أنه حي يؤكد الشيخ منصور الرفاعي أنه في هذه الحالة تعاد الأمور الى نصابها بالنسبة للميراث واذا لم تكن زوجته قد تزوجت تعود اليه واذا كانت تزوجت فإن لها أن تختار إما أن تطلق وتعود الى زوجها الأول وإما تستمر مع زوجها الجديد. ويعرب الشيخ الرفاعي عن تأييده للتعديلات المقدمة لمجلس الشعب على قانون الأحوال الشخصية ويؤكد على ضرورة الغاء فترة السنوات الأربع وقصرها على سنة واحدة يعتبر بعدها المفقود ميتا لأن طول المدى يؤدي الى مشكلات كثيرة لمختلف الأطراف. ويشير الشيخ سيد العراقي مدير عام التأليف والترجمة السابق بمجمع البحوث الاسلامية بالأزهر الى أن هناك حالات للمفقود قد يصح اعتباره ميتا فيها بعد سنة واحدة وهناك حالات أخرى قد تتطلب أربع سنوات أو أكثر للتأكد من موت المفقود أو حياته موضحا أن الذي يفقد في حادث غرق سفينة أو سقوط طائرة فإن المؤكد أنه مات وبالتالي فلا داعي لاطالة فترة الانتظار. ويرى أن العامل المحدد للمدة يتمثل في التأكد من موت المفقود أو عدم موته فإذا غاب التأكد فإن هذه الحالة تحتاج الى وقت للحكم ويظل هذا الشخص مفقودا حتى يحكم القاضي بموته ذلك لأن الموت يترتب عليه أشياء كثيرة خاصة فيما يتعلق بالزواج والميراث. ويؤكد الشيخ العراقي معارضته لجعل المدة سنة واحدة ويطالب بضرورة الابقاء على السنوات الأربع لأن هذه القضية خطيرة فهي لا تتعلق بالجوانب المالية وحدها وإنما تتعلق بالزواج واستمراره وانهائه فتخيل أن امرأة تزوجت ثم ظهر الزوج لاشك أن هذا الوضع يؤدي الى مشكلات كثيرة بغض النظر عن الرأي الفقهي والشرعي. ويضيف قائلا من الأفضل أن تنتظر الزوجة وكذلك الورثة مدة أطول من أجل التأكد من موت المفقود بدلا من أن يعود هذا المفقود بعد توزيع الميراث وزواج زوجته من آخر مشيرا الى أن الفقهاء اختلفوا فيما بينهم حول تحديد المدة لكن لم يقل أحدهم بجعل هذه المدة سنة واحدة أبدا وأقل فترة قال بها الفقهاء أربع سنوات. ويشير الى أن المفقود في حالة سقوط طائرة قد يستثني من المدة لأنه اذا كان اسمه ضمن قوائم الركاب ولم يعثر على جثته فإنه يحكم بموته على الفور وذلك بعد التأكد من عدم تخلفه عن ركوب الطائرة. ويحذر الشيخ العراقي من تخفيض المدة لأن ذلك سوف يفتح باب الادعاء خاصة اذا كانت هناك تعويضات مالية لأهالي الضحايا وذلك مثل حالة قطار الصعيد ولذلك لابد من الانتظار أربع سنوات في هذه الحالة. ويطالب باصدار تشريع يراعي ظروف كل حادث والاحتمالات التي يتضمنها.