بيان 2: ليست هناك نجمة اعظم من جريتا جاربو، وليس هناك قول ورد على لسان ممثلة اعظم من المقولة الكلاسيكية لجاربو: «اريد ان اكون وحدي». بتلك الكلمات القليلة لخصت جاربو، رغبتها بالانسحاب بعيدا عن ضغوط العالم من منا لاينتابه هذا الشعور بصورة او بأخرى في بعض الاحيان؟ من المؤسف ان رغبة جاربو بات من الصعب تحقيقها بشكل متزايد فعلى الرغم من انها توفيت في عام 1990 عندما كانت الانترنت مجرد فكرة لم تعرف التحقق الا انه توجد الآن مجموعة كبيرة من المواقع على الشبكة العالمية المكرسة لها حيث تقوم بتوثيق حياتها واعمالها وتقارن بينها وبين ممثلات اخريات وتحلل اداءها. انه لمصير مثير للمفارقة بالنسبة لفنانة كانت تحلم بالخصوصية دائما مثل جاربو. لكن العيش في ظل التدقيق والتمحيص هو مصير بات ينتظر الكثيرين منا فحياتنا وعلاقاتنا مع العمل والسلطة وببعضنا البعض تتم تسويتها من خلال اجهزة الكمبيوتر وقواعد البيانات والشبكات وقد تكون القدرة على البقاء مجهولا قد ولى زمانها بالنسبة للكثير من الناس، وتبدو الخصوصية مرشحة لأن تصبح شيئا ينتمي الى الماضي. يقول مارك سميث وهو باحث اجتماعي يعمل في الذراع البحثي لشركة البرامج الحاسوبية العملاقة مايكروسوفت: «الخصوصية ستختفي، انها شذوذ تاريخي فما نسلم بكونه «خصوصية» هو جديد للغاية فهو نتاج للتصنيع». ويذهب الى القول انه طوال الجزء الاعظم من تاريخ الحضارة عاش الناس حياة بعيدة عن الخصوصية الى حد كبير حيث كان الجميع في مجموعة اجتماعية مثل القرية يعرفون عمل بعضهم البعض وأحد الاشياء التي قيل انها ابعدت الناس عن الارض ودفعتهم باتجاه الهجرة الى المدن النامية بسرعة خلال عهد التصنيع في اوروبا كانت الفرص التي اتاحها للخصوصية الشخصية ومجهولية الهوية، وبحسب سميث فان الاوروبيين المنتقلين للمدن زعموا ان «هواء المدن يجعلك حرا» ومع انتشار التصنيع في الولايات المتحدة «نزح الناس من البلدات الريفية الصغيرة في امريكا» متلهفين للهرب من جوها الخانق. تعريفات مختلفة ولكن ما الذي كانوا يناضلون من اجله؟ ما الذي كانوا يسعون اليه؟ ماهي الخصوصية بالضبط؟ هنالك مجموعة من التعريفات وبعضها يعتمد على الطبقة او الجنس. يقول احد التعريفات للخصوصية انها حالة الانعزال عن وجود او نظر الآخرين وهو الهدف الذي كانت تنشده جاربو وتعريف آخر يقول ان الخصوصية محددة بقدرة الفرد على التحكم بالمعلومات الموجودة حوله وقد يكون اكثر تعريف قريب الى القلب هو ذلك الصادر عن قاضي المحكمة الامريكية العليا لويس برانديز، الذي عرف الخصوصية في عام 1890 بأنها «الحق في ان تترك وحيدا». غير ان ممارسة ذلك الحق كانت صعبة على الدوام. فعمال المزارع الذي انتهى بهم الحال الى العمل في المصانع كانوا سعداء على الارجح لنجاتهم من الحميمية القمعية لحياة البلدات الصغيرة ولكن كان من المستبعد ان «يتركوا وحيدين». وبدلا من ذلك عملوا لساعات طويلة تحت اشراف دقيق من المسئولين والمراقبين وكانت حياتهم خاضعة للتحكم من قبل ارباب عملهم بصور اخرى وربما يكون عمال المصانع قد بدلوا خضوعهم للتدقيق من قبل نظرائهم بالتدقيق من قبل ارباب عملهم. النساء ايضا كانت لهن علاقة معقدة مع الخصوصية فمعظم الناس قد يعتقد ان الانسان لديه الحق بالتحكم بما يحدث لجسمه، لكن القوانين حول الحمل والاجهاض في العديد من الدول لاتزال تحرم النساء من ذلك الحق ـ فما سيفعلنه بأجسامهن يعتبر مسألة عامة وليس مسألة خاصة. ويملك العديد من الدول الآن مجموعة من القوانين التي تحاول تحديد حقوق الفرد بأن يترك وشأنه وحدود تلك الحقوق وقد تأقلمت هذه القوانين مع التطور التقني وتغير التوازن المدرك بين حقوق الفرد واحتياجات الدولة، وفي اعقاب الهجمات على مركز التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي، عملت كل من بريطانيا والولايات المتحدة على صياغة قوانين جديدة تغير ذلك التوازن بشكل كبير. فهناك اطلاع غير مسبوق على خصوصيات المرء في كل مكان تقريبا فالبنوك والجمعيات الاسكانية تعرف ما كسبته وما انفقته وشركات بطاقات الائتمان تعرف ما اقترضته ومدى قدرتك على سداده وتستخدم شركات الرهونات وكالات تصنيف الائتمان لمساعدتها في اتخاذ قرار حول تمويل منزل جديد من عدمه. واذا كنت ممن يحملون بطاقة ولاء لمحل معين فان من المرجح ان تكون الشركة الام على اطلاع واسع على كم هائل من البيانات حولك يتعلق بالمبالغ التي تنفقها كل اسبوع والسلع التي تفضلها مما يساعد المحل على تكوين صورة عن الطلب المحلي وعلى توجيه الحملات التسويقية الى الافراد. وهذا الانتهاك للخصوصية لايقتصر على مكان العمل والتسوق بل يتعداه ايضا الى مجال الاتصالات فسجلات الهواتف تظهر الاشخاص الذين اتصلت معهم ومتى تم ذلك ولأي فترة زمنية وهذا هو الحال ايضا بالنسبة للبريد الالكتروني الذي يمكن للكثير من مبحري الانترنت ان يصلوا اليه فيكونوا معلومات شخصية كثيرة عنك دون ان تعرف. ضرار عمير