توفر جرائم القتل التي لم تحل ألغازها قوة دافعة للتقدم في مجال علم الطب الشرعي. والحقيقة هي انه لم تكن هناك قضية اكثر اثارة للصدمة من قضية مقتل راشيل نيكل البالغة من العمر 23 عاماً. ففي صباح أحد أيام شهر يوليو من عام 1992، كانت تسير في حديقة ويمبلدون العامة بصحبة ابنها أليكس البالغ من العمر ثلاثة أعوام. وقد شوهدت راشيل آخر مرة على قيد الحياة في الساعة العاشرة والثلث من صباح ذلك اليوم. وفي لحظة معينة بين تلك الساعة وساعة اكتشاف جثتها في العاشرة وخمس وثلاثين دقيقة صباحاً، تعرضت للتهديد من قبل رجل يحمل سكيناً. وفي منطقة مليئة بالأشجار وعلى بعد مسافة قصيرة من منطقة مكشوفة ضاجة بالحركة، تم الاعتداء عليها جنسياً، وتعرضت للطعن بالسكين 49 مرة. وعندما وجد مهندس متقاعد جثتها كان أليكس يتشبث بجسمها. وكان الطفل الصغير المحاط ببرك من الدم يبكي بحرقة قائلاً: «انهضي يا أمي!». وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها فريق التحقيق وعمليتي فحص للجثة بعد الوفاة، إلا أن الشرطة اضطرت لقبول الفكرة القائلة إن القاتل لم يترك أي دليل مادي ملموس يقود إلى التعرف على هويته في مسرح الجريمة. فلم يكن هناك دليل شرعي، حيث لا وجود لسلاح الجريمة ولا بصمات للأصابع ولا أنسجة من الملابس ولا مادة بيولوجية. وباختصار، فإنه لم يكن هناك شيء يمكنه أن يساعد في اقتفاء أثر القاتل أو يُثبت أو ينفي وجود صلات بين المشتبهين والضحية. واعتقد الطبيب الذي فحص راشيل انه وجد بقايا حيوانات منوية فقام بأخذ عينات منها. ولكن المؤسف هو أن المختبر التابع للطب الشرعي لم يستطع العثور على أي أثر لمادة تتيح عمل تحليل لحامض الـ «دي.إن.إيه» في العينات. اتهم رجل يدعى كولن ستاج، فيما بعد، بارتكاب الجريمة. وبنى الادعاء العام قضيته على مشاهدة ستاج في حديقة ويمبلدون وقت وقوع الجريمة وعلى المعلومات المفصلة التي أدلى بها عن وضعية جثة راشيل. وقد جاءت هذه الملاحظات التي أبداها ستاج في عملية تحقيق سرية قامت بها شرطية متخفية بهدف الإيقاع به. واقتنع الادعاء العام بأن القاتل وحده هو الذي كان قادراً على معرفة تلك المعلومات التي كانت لدى ستاج. غير أن هذا الدليل اعتبر غير مقبول من جانب القاضي في المحكمة، الذي قرر ان ستاج تعرض لعملية خداع غير مشروعة. وكانت النتيجة أن خرج ستاج من قاعة المحكمة طليقاً. كان الضرر النفسي الإضافي الذي سببه انهيار القضية لعائلة نيكل أحد العوامل التي دفعت في السنوات العشر الماضية الى تكثيف الجهود للتعرف على المجرمين الخطرين وإدانتهم. وقد عملت الأرصدة الحكومية واهتمام البرلمان، مؤخراً، على دعم هذا القرار، بل إن توني بلير رئيس الوزراء البريطاني نفسه، يريد أن يتم إجراء إصلاحات وتحسينات في هذا المجال. وقال مخاطباً تجمعاً من ضباط الشرطة مؤخراً: «لدينا عملياً نظام قضائي من القرن التاسع عشر في عالم القرن الحادي والعشرين». وفي الواقع ان الكثيرين في العالم المناهض للجريمة يعملون بجد على تطوير اساليب جديدة لتحقيق ذلك الهدف. وأحدث تطور في هذا المجال هو عبارة عن تحسينات على اختبار حامض «الدي إن ايه» الذي احدث ثورة في تحقيقات الطب الشرعي عندما تم تطبيقه في الثمانينيات من القرن الماضي. وكان رائد هذا الاختبار هو البروفيسور أليك جيفريز من جامعة ليسيستر. فباستثناء التوائم المتماثلين، لا يملك اي شخصين نفس نمط خلايا «الدي إن إيه» وابتكر جيفريز طريقة لانتاج ما يسمى بـ «بصمة الـ «دي ان إيه». والآن تطور فحص الـ «دي إن إيه» بحيث ان العينات الصغيرة او القديمة يمكنها ان تعطي معلومات قيمة. واكثر التحاليل تطورا هو ما يسمى بـ «رقم النسخ المنخفض بـ «الدي إن إيه» ويرمز له اختصارا بـ «دي إن ايه ال سي ان». ويعتبر هذا الاختبار حساسا للغاية بحيث انه يتيح للعلماء عمل بصمة وراثية من عينات تحتوي على عدد ضئيل جدا من الخلايا ـ مثل رقاقة واحدة من قشرة الرأس، او المخلفات الباقية من بصمة اصبع تقليدية ـ حتى وإن كانت غير مرئية للعين المجردة. يستغرق فحص «دي ان ايه ال سي ان» فترة اطول من اساليب فحص الـ «دي ان ايه» العادية ـ عدة اسابيع في العادة ـ وهو يستخدم حاليا في القضايا الاكثر خطورة فقط، حيث لا تنجح الاساليب الاخرى لفحص الـ «دي ان ايه» او لا تكون ملائمة. يقول كريس هادكيس، رئيس مختبر الـ «دي ان ايه» التابع لوزارة الداخلية: «في السابق كان هناك حاجة لعينة كبيرة سيتم اتلافها بفعل الاختبارات، اما الآن، فإن عمليات التطابق يمكن الحصول عليها من عدد قليل من الخلايا. وعمل هذا الاسلوب بالفعل على محاصرة القتلة الذين اعتقدوا انهم نجوا من العدالة. ففي العام الماضي، تم سجن دارين آشورست (26 عاما) لقتله صديقة سابقة له قبل ستة اعوام. كان اشورست يظن انه قد اصبح بمنأى عن العقاب لانه كان من المستحيل في عام 1995 اثبات حقيقة انه كان بصحبة لويس سيلارز (15 عاما) عندما تعرضت للضرب والشنق. وقد اعيد اعتقاله بعد ان ربطه اختبار الـ «دي ان ايه ال سي إن» بعقب سيجارة وجد بجوار الجثة. وتكرر هذا النجاح مع حالات اخرى مثل حالة ايان ريتشارد لوثر الذي ثبتت عليه تهمة قتل ارتكبها قبل 23 عاما رغم انه كان على قائمة متهمين تضم 532 شخصا. وهكذا، فإن هذه التقنية الجديدة قد فتحت افاقا واسعة امام الطب الشرعي، واتاحت فرصة لاكتشاف مرتكبي الجرائم الاذكياء الذين يظنون بأن العدالة لن تأخذ مجراها معهم ولحل ألغاز جرائم مضى عليها عشرات السنين. ضرار عمير