لماذا الحديث مجددا عن التدخين؟.. ألم تمل الآذان سماع هذا الحديث؟.. ألم يشبع بحثا وكلاما ومحاضرات؟ وأنا أقول: لا. لابد من الحديث الدائم عن هذه الآفة الوبيلة، لأنه في كل يوم تظهر لنا حقائق جديدة عن مخاطر هذا السم اللعين. فمازال التدخين السبب الأهم لحدوث العديد من الوفيات والأمراض، فهو المسئول عن وفاة واحد من كل خمسة يموتون في الولايات المتحدة الامريكية مثلا، وحاليا يعتقد البعض ان التعود أو الادمان على التدخين قد يكون مرتبطا بتركيب جيني خاص. والمدخنون تزيد لديهم احتمالات حدوث نوبات قلبية قاتلة الى الضعف. وسرطان الرئة يزداد بنسبة عشرة أضعاف، ويزداد كثيرا احتمال حدوث سرطانات الفم والحنجرة والمريء والبنكرياس والكلية والمثانة البولية وعنق الرحم. ويزداد احتمال حدوث الجلطات الدماغية والقرحة الهضمية ضعفين الى ثلاثة أضعاف. ويرتفع الى ثلاثة أضعاف احتمال حدوث كسور عنق الفخذ والرسغ وعظام الفقرات. أما احتمال حدوث الساد العيني فيزداد الى الضعفين. وفي كل سنة جديدة يطلع علينا الباحثون بأخبار جديدة عن مشاكل اضافية يحدثها التدخين، فحديثا تبين انه يزيد احتمال حدوث سرطانات الدم وسرطان البروستات وسرطان القولون. أما لدى النساء المدخنات بعد سن اليأس، فيزداد احتمال حدوث سرطانات الثدي وتخلخل العظام. ولقد وجد الباحثون ان التدخين يغيّر في تركيب الجين P-53، وهذا الجين هو المسئول عن معظم التغيرات السرطانية لدى الانسان. تضطرب لدى المدخنين حاسة الذوق والشم، وتزداد تجعدات الوجه لديهم نسبة لغير المدخنين. أما إذا كان المريض مصابا بالداء السكري ومدخنا، فالوضع سيكون أسوأ، حيث تزداد كثيرا احتمالات حدوث الاصابات القلبية المميتة، وكذلك حدوث البيلة البروتينية الناتجة عن سرعة تأذي الكليتين. في النساء الحوامل المدخنات، وجد ان أطفالهن يولدون بوزن أقل واستعداد أكبر للاصابة بالانتانات التنفسية، وتكون وظائف الرئة لديهم أضعف من سواهم، كما تزداد لديهم احتمالات حدوث الالتهابات الحادة والمزمنة في الأذن، كما ان نسبة حدوث التخلف العقلي تزداد لدى هؤلاء الاطفال. ليس التدخين المباشر هو الذي يؤذي الانسان فقط، وإنما التدخين السلبي ايضا، كأن يوجد الانسان في وسط المدخنين، ففي احصائية تمت في امريكا وُجِدَ انّه من بين 480 ألفا ماتوا بسبب التدخين كان منهم 53 ألفا ماتوا بسبب التدخين السلبي. دور الطبيب: على الرغم من ان التدخين لايزال مشكلة صحية كبيرة وخطيرة، فإن عدد الذين يقلعون عنه مازال صغيرا قياسا بمخاطر تلك الآفة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو دور الطبيب في هذا المجال؟ أعتقد ان دوره يزداد اقناعا وأهمية إذا كان غير مدخن، أو توقف هو عن التدخين، ومهمة الطبيب تدور حول: 1ـ مساعدة المدخنين على وقف التدخين. 2ـ اقناع غير المدخنين بأهمية عدم البدء بالتدخين. 3ـ محاولة إفهام الناس واقناعهم بالمخاطر الكثيرة التي تحيق بالمدخنين. وهناك خمس خطوات يمكن للطبيب اتباعها لمساعدة المدخنين على وقف التدخين سنأتي لها لاحقا.معظم المدخنين الذين يقلعون عن التدخين يفعلون ذلك دون الحاجة لاستخدام العلاجات المساعدة، وإنما اعتمادا على الارادة والتصميم. هناك دواء مضاد للاكتئاب ذو مفعول «مديد» وهو «بوبروبيون» يعطى بجرعة 150 ـ 300 ملج في اليوم، يمكنه مساعدة المدخنين على وقف التدخين، وذلك لأنه يرفع مستوى الدوبامين والنور ايبي نيفرين في الدماغ مشابها لتأثير النيكوتين، واستخدام هذا الدواء يمكن ان يترافق بزيادة خفيفة في الوزن، ولا يعطى طبعا إلا باشراف الطبيب. هناك مواد معيضة للنيكوتين توجد على شكل لصاقات أو علكة أو رذاذ أنفي، وكل منها يعطي كمية محدودة من النيكوتين. الخطوات الخمس التي يتبعها الطبيب: السؤال: على الطبيب سؤال المريض عن التدخين في كل زيارة يراه فيها. النصيحة: في كل مرة على الطبيب ان يوضح لمريضه مخاطر التدخين وأهمية وقفه الفوري سواء بالنسبة للمرض الحالي أو للحالة الصحية المستقبلية. ـ المحاولة: على الطبيب ان يسأل مريضه ان كان يرغب فعلا في وقف التدخين في هذا الوقت، فاذا كان جواب المريض بالنفي، على الطبيب الا يدع اليأس بداخله، وعليه تكرار المحاولة في المرات المقبلة. المساعدة: وذلك بتقديم خطة شاملة للمريض الراغب في وقف التدخين: أ ـ مع اعطائه فرصة لتهيئة نفسه، قد تمتد اسبوعين، وفيها يعلم المريض اهله واصدقاءه وزملاءه في العمل، انه سيتوقف عن التدخين في تاريخ محدد، وعليه ان يخلي منزله من السجائر، ويبدأ خلال هذين الاسبوعين بعدم التدخين في الاماكن العامة مثلا، او في السيارة.وألا يحمل علبة السجائر معه. ب ـ يمكن للطبيب ان يشجع على استخدام لصاقات النيكوتين، او علكة النيكوتين في بعض الحالات المحددة. 2ـ نصح المريض وإفهامه التصرف الامثل لوقف التدخين. ـ فالانقطاع عن التدخين يجب ان يكون كاملا، فلا يسمح بتدخين سيجارة واحدة او جزء منها بعد ساعة الصفر لوقف التدخين. ـ الامتناع عن تعاطي الكحول، لان الكحول غالبا ما يزيد الرغبة في التدخين. ـ افهام أهل المريض (خاصة الزوج او الزوجة) ان استمرارهم بالتدخين امام المريض سيساهم الى حد كبير في فشل خطة العلاج. وضع خطة لمتابعة المريض: يمكن المتابعة بزيارة المريض للطبيب، او حتى عبر الهاتف، مرة خلال الاسبوع الاول ومرة اخرى خلال الشهر الاول، وبعد ذلك حسب الحاجة. المواد المعيضة للنيكوتين 1ـ وجد ان هذه المواد تساعد كثيرا في وقف التدخين فاذا كان المريض يستهلك اقل من عشرة سجائر يوميا، يمكنه تجربة وقف التدخين دون مساعدة هذه المواد، فاذا فشل كان لابد من اضافة هذه المواد الى خطة وقف التدخين. اما اذا كان المريض يدخن اكثر من علبة سجائر واحدة في اليوم فيمكنه الاستعانة بهذه المواد منذ البدء. 2ـ اللصاقات يمكن استخدامها لدى جميع المدخنين، وبنفس الجرعة، ومدة العلاج بها ثمانية اسابيع. اما لبان النيكوتين (العلكة) فيوجد منها عياران 2g يستخدم لدى المدخن العادي، و 4 mg تستخدم لدى من يستهلك اكثر من عشرين سيجارة يوميا، او لدى من يدخن مباشرة بعد الاستيقاظ من النوم. ومدة العلاج بالعلكة 1 ـ 3 شهور. 3ـ هل نستخدم اللصاقات ام العلكة؟ هذا يعتمد على عدة عوامل اولا: ماذا يفضل المريض؟ ثانيا: اللصاقات اسهل استخداما، والتجاوب معها اكبر. ولكن لها بعض الآثار الجانبية في 50% من الحالات، كإحداث تحسس جلدي، يمكن تخفيفه بتغيير مكان اللصاقة واستخدام مراهم الكورتيزون عند الحاجة. ثالثا: يفضل استخدام العلكة أ ـ اذا فشل العلاج باللصاقات ب ـ اذا كان لدى المريض مرض جلدي واسع الانتشار كالصدف مثلا. جـ ـ اذا كان المريض يفضل استخدام العلكة. ومن اهم الآثار الجانبية للعلكة: احساس بالحرق في الفم، الفواق، عسر هضم، آلام في الفك ولكن معظمها خفيف وغير دائم وتزول بالاستخدام الصحيح للعلكة. المدخنات الحوامل: يفضل تشجيعهن على وقف التدخين دون استعمال المواد المعيضة للنيكوتين واذا كان لابد من استخدام تلك المواد، فالافضل اجراء موازنة دقيقة بين آثارها الجانبية وفوائدها خلال فترة الحمل، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة المرضع. مرضى القلب: يفضل عدم استخدام المواد المعيضة للنيكوتين لدى مرضى القلب في الحالات التالية: 1ـ خلال الاسابيع الاربعة الاولى التي تلي حدوث احتشاء قلبي حاد (الجلطة) . 2ـ في حالات وجود اضطرابات في نظم القلب. 3ـ في حالات وجود خناق صدر شديد او غير مستقر (ذبحة صدرية). وهكذا نرى انه اذا توافرت الرغبة والارادة والتصميم لدى المدخن على وقف التدخين، وبمساعدة الطبيب يمكنه التخلص من هذه الآفة الخطيرة. د. قدري بري المستشفى الدولي الخاص ـ دبي