هل تعلم ان نظام «الجمعية» من اصل افريقي؟ هذا النظام جاء به رحالة اثيوبي الى بلداننا وسرعان ما انتشر نظرا لحاجة الناس اليه واقتناعهم به. وهكذا انتشرت في كل مكان في البلاد العربية وغيرها من البلاد الاسلامية، حتى ان الكثيرين لم يفكروا في اصل وفصل هذا النوع من التعاملات المالية، طالما ان النتائج هي اكثر مايهم المتعاملين بها .. وهو شعور مشروع، لان تلبية حاجات الانسان لا تحتاج الى البحث عن تفاصيل الوسائل التي تساعد على حل مشاكله .. او بمعنى آخر ليس في شرعة الجائع ان يسأل عن كيفية صناعة رغيف الخبز. والجمعية في عرف الكثيرين احدى الطرق البسيطة لمواجهة اعباء الحياة الطارئة، والاتكاء على بعض الافراد كسند يخففون عن المرء ما يواجهه من ظروف معيشية طرأت على نسق مصاريفه والتزاماته الحياتية، وحالات قليلة هي التي تقام فيها الجمعية لحل مشاكل شخص بعينه، اذ ان غالبية الحالات يكون فيها المشاركون جميعا في حاجة الى مبلغ معين لتسديد التزام ما، او قضاء حاجة اسرية او شخصية معينة.وشروط عمل الجمعية تختلف باختلاف طبيعة المساهمين فيها، فهي تارة تعتمد الالتزام الادبي والاخلاقي للسداد، واخرى تعتمد على مستندات لضمان الحقوق عبر اوراق موقعة من قبل جميع الاطراف، وثالثة تعتمد على وجود اشخاص خارج التعامل، لكنهم ضامنون لهذا الفرد او ذاك، ولا يخلو نظام الجمعية من مشاكل وخلافات بسبب عدم الالتزام مما يؤدي الى الفتور في العلاقات الانسانية، ما يدفع بالهدف النبيل من وراء هذا النظام الى دائرة العراك والتشاحن وفقدان الثقة .. حول هذا الموضوع قامت «دنيا الناس» بتقصي الآراء واستجلاء الاحداث وحصيلة التجارب من هذه الجمعيات فتابعوا معنا: يقول سيد عمار عبد الفتاح «امام مسجد»: الجمعية تعاون بين الناس، واعتبرها تكافلا لاعانة بعضنا على مواجهة غوائل الحياة ومشاكلها المالية التي قد تهب في وجوهنا فجأة .. خاصة لو كان الانسان ذا دخل محدود، لذلك فهي تكافل بامتياز، وتيسير لامور العباد .. ولو نظرنا اليها من وجهة اسلامية سنراها تنتسب الى احد اهم ادبيات الاسلام وهو التعاضد والتكاتف والتساند بين الافراد مثل حالات الزواج، اوالمرض الطاريء، او اكمال بناء بيت، ورغم ان لافضل لاحد على احد من ناحية الدفع والسداد، الا ان الجمعية كما قلت هي مساعدة انسانية يساهم فيها مجموعة من الافراد ارتأوا حل مشاكلهم بطريقة بسيطة ومشروعة دون اللجوء الى البنوك وفوائدها الربوية التي تقع على عاتق المقترضين .. ورغم اغراء البنوك للافراد بكثرة التسهيلات، ورفع سقف الاقراض، الا ان المشكلة التي يعاني منها المقترض هي استطاعته تأجيل بعض الاقساط مما يزيد من عبء الفوائد المتراكمة، وتطويل فترة السداد، وهو مالا يشعر المقترض بعبئه عليه لكن الجمعية ليس بها تأجيل ولا يحزنون، وهذا في صالح المشترك حيث يستطيع الانتهاء بسرعة من التزاماته كذلك من اغراءات البنوك هو ان المقترض يستطيع ان يقترض مبلغا لعام واثنين وثلاثة، اما الجمعية فاقصاها عام واحد، اذا لم يقل. ويضيف سيد عمار: بالنسبة لي شخصيا افضل وجود اشخاص معروفين لي حتى اشاركهم الجمعية، لان في هذه الحالة يكون هناك خجل واستحياء من عدم الالتزام، وتتوقف المسألة هنا على كلمة الشرف والالتزام الخلقي، لانه من الصعب ان يخسر الواحد صديقه او زميله من اجل قسط للجمعية، اضافة الى ذلك ان الاشخاص المعروفين لبعضهم يستطيعون الضغط بود وحب وجبر الخواطر في حال التخاذل او التراجع عن دفع القسط المفروض علينا جميعا .اما مع الغرباء فان المسألة تكون اكثر صعوبة واكثر تعقيدا، حيث تزداد المواجهات والمشاكل، وفي حالة وجود شخص لا نعرفه وأراد الاشتراك معي انا واصدقائي، لابد من وجود ضمان نستطيع الرجوع اليه في حالة عدم الالتزام، انا شخصيا لم اقابل اية مشاكل في كل الجمعيات التي قمت بها لكن الحذر واجب من حيث اختيار الاشخاص حتى نستطيع قضاء مصالحنا بدون منغصات وعقبات فالغرض من الجمعية حل مشاكلنا وليس زيادتها. لكل المستويات ويختم سيد عمار قائلا: توجد نقطتان اود التحدث فيهما : الاولى وهي ان الجمعيات لا تقتصر على اصحاب الرواتب الضعيفة اوالمتوسطة، بل يتجه اليها اصحاب الرواتب المرتفعة وهم الذين يدخلونها باقساط شهرية مرتفعة، او بالتعبير الدارج «اكثر من نفر»، واذا كان يوجد في المعيشة مستويات عالية، ومتوسطة، وعادية، فان مستوى الجمعيات تأخذ الاشكال نفسها من حيث قيمة القسط ومدة الدفع .. وان كنت ارى ان مدة الدفع في اغلب الجمعيات لاتزيد على سنة واحدة، واذا زادت فلن تكون اكثر من عام ونصف العام. اما النقطة الثانية التي اود ان انهي بها حديثي فهي ان الجمعية في الغربة اكثر امانا واقل مشاكل فيما لو كانت في اوطاننا .. ذلك ان القسط الشهري في الغربة مضمون دفعه لان الكل يعمل، والكل يعلم ان اي تأخير سيعرض صاحبه للمسئولية الاجتماعية والاخلاقية والقانونية لو لزم الامر، وجبر الخواطر من اجل التأجيل غير متوافر في الغربة، فكل المشتركين في حاجة الى فلوسهم عن طريق الالتزام .. لكن في الوطن الاصلي اذا حدث اي تراجع لسبب او لآخر ستجد كثيرين يتدخلون، ليس لحل المشكلة، بل لاستدرار عطفك، وعطف باقي المشاركين للصبر على من تقاعس، والتماس العذر له لحين اشعار آخر. شطارة الزوجة ويقول وليد عبد المنعم (موظف): قبل ان اصل الى الامارات لم اكن قد اشتركت في اية جمعية، فقد كنت اعمل مع والدي حيث يملك سيارة شحن كبيرة،ولم اكن في حاجة الى الدخول في جمعية، فقد كنت آخذ راتبي وباقي المعيشة كانت تتوافر لي كابن له، لكن كنت ارى والدتي وهي تجري الجمعية تلو الاخرى لتدبير امور المنزل وما يطرأ عليه من مستلزمات ملحة .. واعتقد ان النساء اقدر الناس على تدبير هذه الامور وهن يملكن خبرة وحساسية كبيرتين في اختيار المشاركات .. لذلك لم اسمع مرة واحدة عن وجود مشكلة او مناوشات او معاتبات لعدم السداد او الالتزام .. ورغم ان مبالغ الجمعية تكون غالبا بسيطة وليست كبيرة الا انها كانت تقضي مصلحة كبيرة لكل اطراف الجمعية .. واعتقد ان الزوجة الذكية هي التي تزيد من عمل الجمعيات خاصة لو كان زوجها مسرفا ولا يبالي بقيمة القرش الابيض في اليوم الاسود .. وليست الجمعيات دائما تكون من اجل مصلحة معينة او حاجة يجب تلبيتها، بل من الممكن ان تكون مجرد ادخار مثل نظام «الحصالات» وبما ان الزوجة الصالحة هي اساس الاسرة الآمنة، فانها ترى ان «حصالتها» تكون في الجمعيات عبر مبالغ بسيطة تدفع شهريا .. وكما يقولون «الحيطة طوبة فوق طوبة». ويضيف وليد: وعندما اتيت الى الامارات وبدأت العمل نصحني اخوتي الذين سبقوني الى هنا بسنوات طويلة بالانخراط في الجمعيات خاصة وان راتبي ضعيف، وان ترك هذا الراتب لأهوائي من حيث الانفاق الضروري وغير الضروري سيجعل غربتي بدون فائدة .. لذلك استجبت فورا لنصائحهم، وتركت لهم زمام الامور من حيث اختيار الناس الذي سيشاركوني، ويشاركونهم في الجمعيات .. ولقد كانت النتائج طيبة حتى رغم قصر مدة اقامتي الا انني وفرت مبلغا لا بأس به جعلني أفكر في رحلة البحث عن عروس. الجمعية نظام جميل ورائع خاصة لو كانوا افرادا ملتزمين وعلى درجة كبيرة من الرجولة وتحمل المسئولية وتقديرهم لظروف غيرهم من المشاركين. معرفة الاشخاص من جانبه يقول محمد مجدي (مدير): ارى ان التكافل هو السمة الرئيسية لمفهوم الجمعية، وهي نوع من التودد الانساني الذي ليس لاحد فضل فيه على احد، حتى لو كانت اجريت من اجل شخص بعينه .. لان الذي سوف يدخل من باب المساعدة او المجاملة سيستفيد في نهاية الامر من مدفوعاته الشهرية وأرى من الافضل ان تكون الجمعية بين اشخاص يحبون بعضهم بالاصل حتى يراعوا بعضهم من ناحية الالتزام المالي .. لذلك استغرب كثيرا ممن يأخذون شيكات على بعضهم البعض كضمان للدفع اذا حدث اي خلل في السداد ... لانه فرضا اذا تهرب احد المشاركين من الدفع، خاصة اذا كان قد قبض مبلغ الجمعية بالكامل، فان اجراءات الشيكات سوف تطول ويحدث ارتباك كبير في خط سير الجمعية، ويشعر افرادها بالندم الكبير، وربما تتعطل مصالح الكثير منهم جراء هذه الاجراءات القانونية .. لذلك ارفض تماما ان اشترك في جمعية لا اعرف او لا اضمن فيها شخصا واحدا .. حتى لو كان أخا لصديقي .. لانني كواحد من افراد الجمعية المفترضة لا استطيع اتخاذ صديقي كضمان لأخيه حتى لا أضع فلوسي وصديقي في مهب الريح. البنوك الاسلامية ويضيف محمد: بعيدا عن عاقبة الربا في البنوك، الا ان المعادل الوحيد للجمعية هي البنوك التي تمنح القروض الحسنة، لان المبلغ الذي تقترضه من هذه البنوك هو نفسه الذي تسدده بعد ذلك، اضافة الى ان المدة التي تمنحها بنوك القروض الحسنة لا تزيد على العام، وهي تشبه تماما مدة الجمعيات التي نحن بصدد الحديث عنها. لكن تبقى هذه القروض الحسنة مشروطة بظروف ربما لاتتوافر في الجمعيات مثل الزواج الحديث، اومرض احد من القرابة العصيبة، اما الجمعية فهي لا تتوقف على اي شيء سوى ان مجموعة من الاصدقاء والزملاء المحترمين نووا عمل جمعية سواء لمساندة شخص ما او حتى على سبيل الادخار والتوفير، واعتقد ان الجمعيات لا تجري الا بين اصحاب الدخل المحدود فقط، حيث في ظل الحياة مرتفعة الاسعار، والالتزامات المتلاحقة يسعى الفرد الى اقتطاع جزء بسيط من راتبه الشهري لعله يستطيع توفير مبلغ معين يفيده في عمل شيء مهم يخص حاضره ومستقبله، ومستقبل اولاده .. لذلك اعتقد ان الجمعية هي تحايل الانسان البسيط على غلاء المعيشة، ومحاولة تحقيق جزء قليل من الاحلام الكبيرة التي تحوم في عقولنا، خاصة في بلاد الغربة. وينهي محمد كلامه قائلا: وما دام عرفنا ان البعد الانساني هو الاساس الذي تقوم عليه الجمعية، فانه من واجبنا ان نراعي طبيعة المؤسسة التي يعمل بها الفرد المشترك في الجمعية .. لان هذه الطبيعة تحدد مواعيد قبض الرواتب، فاذا كانت مؤسسة حكومية كان الموعد معروفا وهو آخر كل شهر، واذا كانت قطاعا خاصا فان موعد الرواتب ربما يتعدى الشهر الجديد باسبوع او عشرة ايام .. اقول هذا الكلام لانه يجب ان يكون موعد تسليم مبلغ الجمعية مناسبا لكل المشاركين خاصة لو كانوا خليطا من موظفي الحكومة والقطاع الخاص، ان الجمعية بوصفها عملا تكافليا عليها ان تتسم بجميع النواحي الانسانية التي ذكرتها من قبل. جوهر الدين من ناحيته يقول عصام عبد العزيز (موظف): الجمعية من وجهة نظري هي شكل من اشكال التكافل، خاصة عندما يقف المسلم بجوار اخيه المسلم في الملمات عن طريق هذا النوع من التكافل لذلك ارى ان لنظام الجمعية شقين: احدهما ديني كما ذكرت، والآخر اجتماعي. ومن افضل مزايا الجمعية انها تمنع المرء من الاستدانة الفردية التي ربما يتعرض بسببها الى مشاكل مثل الاحراج والاهانة او الدفع عن السداد الربوي الذي يشتهر به بعض الناس الذين تخصصوا في اقراض المحتاجين مبالغ لها بنسبة فوائد. ومن الناحية الاجتماعية فالجمعية تعين اصحاب الرواتب الضعيفة على حل ازماتهم المالية الطارئة مثل حالات المرض وما شابه ذلك .. ويجب ان يكون المشاركون على درجة كبيرة من الثقة والاحترام المتبادل ومراعاة شعور بعضهم البعض من حيث حاجاتهم لفلوس الجمعية والالتزام بالدفع والتسليم لان المسألة عبارة عن تكافل وتعاون ومساندة وحب للخير والمساعدة ولا فضل لاحد على احد في هذا الموضوع. النساء افضل أما صفوت الشيشيني (موظف) فيقول: بالطبع الجمعية نظام محترم ولقد استفدت منه كثيرا، خاصة انني اعمل في مؤسسة حكومية بها عدد كبير من الموظفات، واقول موظفات لان افضل تعامل مالي يكون مع الموظفات لانهن ملتزمات بالسداد ويستحين من اي تباطؤ .. والاروع من ذلك ان زميلاتي عندما يشعرن بضائقتي المالية يقمن على الفور بعمل جمعية لحل مشكلتي وهذا الموقف حدث كثيرا لي، وأدين بالفضل لزميلاتي من هذه الناحية فهن اكثر تعاطفا وانسانية واحساسا من الشباب. ولو سألتني عن افضل الطرق لحل مشكلة مالية مافي حياتي اقول الاستدانة من شخص واحد، ادفع له شهريا حسب الاتفاق معه، والسبب في تفضيلي لذلك هو انني استطيع تأجيل قسط معين اذا حدثت ظروف حالت دون السداد، اما الجمعية فهي نظام ملزم للجميع مهما كانت ظروفهم اثناء فترة السداد وليس معنى ذلك انني غير ملتزم او اخاف الالتزام، لكن افضل الاستدانة من صديق اذا توافر ذلك. مجدي ابو زيد