بيان الكتب: «انني اكتب لجمهور لا يمكنه ان يقرأ لي لان امي واختى واشقائي اميون مثل غيرهم من ابناء البوراكومين». عن دار «كودانشا انترناشيونال» صدرت للروائي الياباني الراحل «كنجي ناكاجامي» في يناير 1999 مجموعة قصصية بعنوان «العشق الافعواني» وهي من الاعمال النادرة التي ترجمت لهذا الكاتب الى اللغة الانجليزية، فناكاجامي غير المعروف نسبيا مقارنة بغيره خارج بلاده هو احد اهم كتاب اليابان المعاصرين، وينتمي في الاساس الى طائفة «البوراكومين» اي طائفة المنبوذين اليابانية التي يجهل العالم مجرد وجودها وعلى الرغم من هذه المعطيات فقد شق طريقه الى الشهرة كروائي كما ان اعماله الروائية والقصصية تتميز بقدرتها على الكشف عن الوجه الخفي المظلم للمجتمع الياباني الموسوم بالتمييز العرقي، اضافة الى اختلاف وروعة اسلوبها وموضوعاتها. المكانة التي يحتلها ناكاجامي ككاتب ياباني هي مكانة متفردة بلاشك بالنظر الى انتمائه الى شريحة المنبوذين التي تشكل اقلية ظلت تعيش في «حارات» معزولة اجتماعيا على مدى قرون سواء اكان ذلك قد حدث في المجتمع الياباني ما قبل الحديث او بعد الغاء ظاهرة التمييز العرقي في سنة 1871 فانه اول كاتب يصل الى هذا المستوى من الشهرة على المستوى الادبي من خلال اعماله الروائية القصصية، الواقع ان هذه الاعمال تتجاوز حدودها التقليدية الى كونها اعمالا استطاع ان يرى من خلالها المجتمع على نحو مختلف كما هو موجود لدى غيره من الكتاب اليابانيين. تتألف مجموعة العشق الافعواني القصصية من سبع قصص قصيرة كتبها ناكاجامي بين عامي 1974 ـ 1981 وهي الفترة التي تشكل المرحلة الوسط في حياته ككاتب التي تميزت بسعيه الحثيث الى البحث في مسألة كل من انتمائه الطبقي والعرقي وهذه القصص في مجموعها تسلط الضوء على العالم الاسطوري الذي ظل يعيش فيه هو وابناء طائفته قرونا طويلة. ابطال ناكاجامي في مجموعته «العشق الافعواني» يؤمنون بان حياتهم هي جزء لايتجزأ من حياة الاخرين، هؤلاء الاخرين المعروفين والمجهولين الاحياء او الاموات وسواء أكانوا يحبون تلك الحياة ام يمقتونها فهم يعيشون من منظور واحد، هو انهم جزء من تراكم تاريخي وليسوا افرادا منفصلين عما حولهم وبالتالي فان الحياة بالنسبة لهم هي حالة من النضال المتواصل ضد العبء المتمثل في مخلفات الماضي. في قصة «العشق الافعواني» التي تحمل المجموعة عنوانها يلقي ناكاجامي الضوء على موضوع في غاية الاهمية يتعلق بما يمكن للقاريء ان يطلق عليه اسم ثنائية الحب والكراهية للذات التي تجبر البطل على ان يقتل والديه لكي يتخلص من ماضيه وكل ما يربطه بخلفيته الاجتماعية والعرقيه وبامكان القاريء هنا ان يفسر هذه المشكلة بالاسلوب الفرويدي باعتبارها نابعة من رغبة ناكاجامي نفسه في التخلص من انتمائه الى طائفة البوراكومين المنبوذة. هناك ايضا قصتان تقع احداِهما في اليابان في العصور الوسطى هما «الشلال القرمزي» و«قصة وحش». الاولى اي «الشلال القرمزي» تروى قصة اميرة تعيش في المنفى تستعيد في ذاكرتها فرضية قديمة مفادها ان البوراكومين ينتمون في الاساس الى طبقة النبلاء الذين هزموا سياسيا وتم نفيهم الى مناطق قصية من اليابان والثانية «قصة الوحش» تروي حكاية رجل يقع في حب وحش خرافي في صورة امرأة، وهو عمل يبرهن على تأثر ناكاجامي بالموروث القصصي الياباني القديم. معروف عن ناكاجامي قراءته الشاملة للادب العالمي وعلى وجه الخصوص ادب امريكا اللاتينية الحديث بالاضافة الى دراسته واطلاعه على النظريات الادبية المختلفة وهو ما يبدو واضحا في اعماله او الموضوعات التي تدور حولها هذه الاعمال اي الموضوعات ذات الطابع الاسطوري الخرافي الغامض التي يجدها القاريء في قصصه القصيرة التي نذكر منها قصة بعنوان «ضريبة الجاذبية» من مجموعة «العشق الافعواني» وفيها تتجسد شخصية البطلة «الاسطورية» التي يمكنها ان تبصر مالا يمكن للآخرين ان يبصروه وتعيش مسكونة بروح أمير اسطوري من عصور ساحقة تدعي انها زوجته وان آلامه تنتقل اليها عبر تواصلهما الطيفي وبالتدريج فان هذا الالم ينتقل الى حبيبها يوشياكي الذي تتقمصه روح حبيبها الامير الغابر وفي النهاية تطلب منه ان يفقأ عينيها لكي تتحول الى «شامان» او كاهنة عمياء تسيطر على الاحداث. ان ناكاجامي او «فولكنر اليابان» كما يسميه النقاد الذي تجسد اعماله الروائية والقصصية نوعا من النزوع الى المذهب الطبيعي الوحشي يصور من خلاله حياة الشريحة اليابانية المنبوذة التي تعيش في حارات او احياء تسمى «البوراكومين» يختار لاحدى اهم مجموعاته القصصية عنوانا صادما وحشيا «الرأس البحرية» المؤلفة من رواية قصيرة ومجموعة قصص اخرى كلها مليئة بالمعاناة والالم والشهوة والتلهف والتراجيديا والهمجية والعنف الاشياء التي يعيشها الناس في حارات البوراكومين المعزولة على مدى قرون طويلة في المجتمع الياباني. ناكاجامي بوصفه من ابناء البوراكومين او يابانيا ينتمي الى شريحة المنبوذين في المجتمع الياباني يكتب اعماله الروائية والقصصية في السياق نفسه الذي ادى الى التعريف به منذ السبعينيات عندما نشر قصصه التي تصف على نحو صريح حياة البوراكومين وعوضا عن تسليطها الضوء على ما يمكنه ان يشكل الظلم الاجتماعي الذي يتعرض له هؤلاء فانه يكشف عن آثار حياة هذه الشريحة عالم الجريمة والانتحار والاغتصاب والفساد الاخلاقي) وما الى ذلك فيما هو يروي قصص آلاف عمال البناء ونساء الليل في بلدة ساحلية صغيرة تتجسد فيها حياة الجيتو. يؤمن ناكاجامي ضمن مشروعه القصصي والروائي بأن امكانية اعادة وضع المهمشين في قلب الحياة الاجتماعية ينص على ذلك النظام الاجتماعي في الاساس تعادل في حد ذاتها بناء عالم جديد وبالتالي فان تلك المعاناة التي يتعرض لها افراد البوراكومين لابد من اخذها على محمل الجد، في رواية «الرأس البحرية» يروى المؤلف مأساة عائلة بوراكومينية تعيش حياة قاسية يحيط بها العنف المسلط من الخارج ويجمعها الحب من الداخل وعلى الرغم من ذلك لايتمكن افرادها من الصمود في وجه الجنون الذي يهددها من الخارج وفي وسط الرواية يقوم احدهم بالاعتداء على رجل قريب للاسرة بسكين فيقتله دون ان يتمكن الآخرون من عمل شيء يذكر. ما تفعله روايات ناكاجامي هو انها تنجح في رسم صورة حقيقية لحياة انسان الحارة اليابانية الذي يعرفه جيدا وعلى نحو صارم يضعها امام اعين العالم لتبدو له تلك الصورة المتناقضة مع الصورة التي يختزلها الغرب في مخيلته عن المجتمع الياباني المنضبط الغارق في فكرة التأمل الصورة التي ينقلها بتفاصيلها الصغيرة تحتوى في جانب منها على وصف لاوضاع رجال «البوراكو» الشباب في صراعهم من اجل البقاء صورة الجريمة والقتل والفساد الاخلاقي والمرأة التي تمتهن نفسها ولاتجد وسيلة غير هذه التي تعتمدها. لقد اتى كنجي ناكاجامي الى هذا العالم وهو محاصر بثلاث مشكلات هي الفقر وعدم شرعيته كطفل والانتماء الى شريحة البوراكومين او المنبوذين وهي الاشياء التي لايتركك تنساها كقاريء او تنسى جذورها التاريخية والعقيدية الممتدة الى يومنا هذا التي تحرم على ابناء هذه الشريحة ان يذوبوا في النسيج الاجتماعي او يحصلوا على حقوقهم في الزواج والعمل وغيرها من مستلزمات الحياة في المجتمع الياباني القديم او المعاصر غير ان الكثيرين لايواجهون مشكلة الظلم على صعيد الحياة العامة فقط، وانما يواجهونها في صورتها المتوارثة عبر الاجيال المتمثلة في حالة عدم الاستقرار الاسري والضياع الاخلاقي لكن على الرغم من ذلك بدى انسانا ناضجا منذ البداية حين اختار ان يعبر عن الامة وآلام جماعته العرقية بما أوتي من قوة ككاتب وكشخص قادر على المواجهة وهو ككاتب يعود بك الى الداخل والى الوراء مسلطا الضوء بشكل رئيسي على الاثار السلبية للفقر والوحشية الذين احياطا بطفولته التي امضاها بين اكواخ احد احياء البوراكو حيث تنعدم ظروف الحياة الانسانية. ان صورة ناكاجامي تتناقض بلا ادنى شك حتى مع الصورة الغربية التقليدية للفنان المبدع ولهذا فهو في معظم حياته الادبية كان قد اصاب نقاده بالارتباك، فيما يتعلق بتصنيفه، وبينما يجد القاريء مثلا ان هناك آراء تجمع على مقارنته بفولكنر او همنجواي او مكسيم جوركي فان ما توصف به اعماله في الواقع يبدو مغايرا وبالاضافة الى تلك المقارنات فان اعمال ناكاجامي تبدو انعكاسا اكبر للادب الياباني التقليدي على الرغم مما يحيط بها من عناصر الشعور بالمرارة واعادة التفسير على نحو يتوق الى الانتقام، هذه العناصر التي يمكن العثور عليها في بعض اعماله ومنها على سبيل المثال قصة «الخالدة» سنة 1980 وهي اعادة كتابة لقصة «ايزومي كيوكا» التي تحمل عنوان «الرجل المقدس من جبل كويسا». تتحدث الرواية الاصلية لمؤلفها كيوكا عن رحلة يقوم بها ناسك متعبد عبر الغابات البكر التي لم يكتشفها احد في اليابان واتصاله بامرأة شيطانة من الشامان المترهبين تجسد الطبيعة الوحشية للمرأة على حد تعبير المؤلف الذي تنتصر لديه في النهاية المدنية على التأخر والهمجية، وينجح الناسك في التخلص من المرأة بترديد لمحاورات الدينية التي تحول بينه وبين التفكير في التورط في امور الفساد الاخلاقي وخلافا لما يمكن ان نتوقعه من ناكاجامي فان روايته تعيد رسم صورة مضادة للعلاقة بين الناسك وبين المرأة الشيطانة التي على الرغم من ضعفه الواضح وعدم قدرته على تلاوة حوار بوذا وحكمته لا تستطيع ان تفعل شيئا بيديها الضعيفتين كيدي طفل وهيئتها التي تستحق الشفقة بل وتستحق ان يسخر منها ويحتقرها كامرأة