بيان الكتب: «ضربت الريح بقبضتها على النوافذ، لكنها عجزت عن إخماد انشودة النار التي راحت تحكي عن دروب اندثرت منذ زمن، وعن أسراب من الاوز الجيداء تسافر جنوباً، وعن قوارب تشق طريقها في خضم الشلالات الهائجة، وعن مجد بلاد الهنود الذي كان». تواظب سلسلة ابداعات عالمية على رفد الساحة الثقافية العربية بالمزيد من الأعمال الانسانية الخالدة، وهي في هذه المجموعة من «حكايات الهنود الامريكيين وأساطيرهم» ستقدّم لنا ثقافة مختلفة عمّا هو سائد من ثقافة دأبها ان تتعالى على الآخرين، او تمارس سلطتها عليهم بدعوى الفارق في التحضّر، او على حدّ تعبير «تزفيتيان تيودوروف» في كتابه المدهش «فتح أمريكا، مسألة الآخر» سعي الغرب الى محو الآخر او إبادته من خلال تحويل المعرفة الى سلطة قاهرة ترغمه على أن يكون «أنا»، بمعنى أن يغادر ثقافته ويرحل الى الثقافة الجديدة، وإلاّ فالإبادة بانتظاره بدعوى محو الفارق كما حدث مع الهنود الحمر. هذه المجموعة الغنية والمختلفة الى حد الادهاش، تذكّر قارئها العربي على الدوام بأساطيرها القديمة وبعهد الطفولة البشرية التي أقامت علاقة مع الطبيعة مكّنتها من التعايش معها، وفق مباديء وقيم انسانية رائعة، قامت أساساً على مبدأ احيائية الارض.. تلك الثقافة التي بتنا نفتقدها اليوم، بل نبحث عنها في الأدبيات القديمة لدرء الكارثة التي تحيط بأمنا الارض بسبب تعديات نظام الذكورة الدائم عليها، وسعيه للانتقام منها أبداً. وإنها لعملية رمزية بلا شكّ، ولكن المتابع لرحلة الاستشراق الاوروبية، وخصوصاً ما قدّمه المفكرون من أمثال «ادوارد سعيد» و«تيودوروف» وغيرهم، سيدرك الابعاد الكارثية لهذه الثقافة التي اتجهت ذات يوم نحو القارة الجديدة، فأبادت شعوبها بدعوى امحاء الفارق، والى ذلك تغيير نظام الطبيعة فيها، الأمر الذي اخلّ بعملية التوازن الطبيعية، لتعاني الارض ما تعانيه الان من مشكلات خطيرة. في هذا الكتاب، سنقرأ قصصاً يتماهى فيها الانسان مع الطبيعة وكائناتها، لتغدو ذاتاً حية فيها الخير وفيها الشر، شأنها في ذلك شأن الانسان، الذي تتطلّب حياته فوق الارض تأمين مصادر الغذاء، وبالإضافة الى ذلك حمايتها من الأخطار الأخرى، لأنها السبب الرئيس لبقائه على قيد الحياة. وانها لعملية مركّبة، حتى لتبدو وكأن البشر جميعاً، مسافرون في سفينة واحدة، ومطلوب منهم ان يتعايشوا فيها بالشكل الأمثل، لكي تواظب هذه السفينة في مسيرتها الدائمة. وهكذا تعامل الهنود الحمر مع الطبيعة، وتعاملوا مع كائناتها كأرواح ليست تغذّيهم فقط، وإنما تتدخل في مصائرهم الى درجة أنّ كلّ قبيلة من قبائلهم اتخذت أحد الحيوانات طوطماً لها، والى ذلك فإنهم ألّفوا حكايات وأساطير كثيرة أبطالها من الحيوانات والأشياء، كما في هذه القصص التي بين ايدينا، حيث يتحوّل «غليون السلام» او القلموت، الذي شاهدناه مراراً في الأفلام الأمريكية، سارداً لهذه الحكايات، التي تشاركه في بطولتها الدببة وثيران البيسون والأرانب والسناجب وسائر كائنات وعناصر الطبيعة، ولتتخذ هذه الحكايات مساراً روائياً يقترب الى حد ما من بنية «ألف ليلة وليلة». حيث يفتح القلموت اطاراً مشهدياً اولياً، نرى من خلاله استعدادات حيوانات الغابة لاقامة اجتماع حاشد لزعماء القبائل، في أحد الأزمنة الغابرة، وقبل وصول الاوروبيين، او كما أسماهم القلموت ذوي «الوجوه الشاحبة». وفي الاجتماع سوف يقوم كبير الأرواح بتقديم «القلموت» لهؤلاء الزعماء، لكي يكون بمثابة آلة تسجيل معاصرة، يختزن كل ما سيروونه من حكايات وأساطير، وهكذا فانهم بعد ان ينهوا اجتماعهم سيتركونه في ذات المكان، ويعودون الى ديارهم، لتمرّ ازمنة وأزمنة الى أن يأتي الاوروبيون، ويطردوا الهنود من مرابع صيدهم، ويطبق النسيان على القلموت السحري، الذي ترك في الغبار بجانب الطريق، ولم يأبه أحد الى أن يعثر عليه صبي صغير ممن تبقى من الهنود، فيأخذه الى بيته لينظّفه ويعيده كما كان، وفي الليل سيفاجأ الطفل ان القلموت يتحدث، وسيروي له كل الحكايات التي خزنها زعماء الهنود فيه. الإطار المشهدي الأوّل الذي جاء على لسان «القلموت» او غليون السلام، سيكون اذن بمثابة تمهيد اخباري موجز ومشوّق لمعرفة هذه الحكايات التي اختزنت فيه، وهكذا فانه سوف يبدأ بفتح ثلاثة أطر جديدة، وكلّ إطار ينفتح على عدد كبير من الحكايات، تماماً كألف ليلة وليلة، ولكن بدلا من الليالي الألف، سيكتفي الراوي بثلاث ليال. ففي الليلة الاولى سيبدأ الراوي من حيث يبتديء الكون، وسترتكز حكاياته على ولادة الطبيعة، مع أسطورة الضوء المفتقد، وعندما كانت الارض تغط في نوم عميق، وكان الظلام يخيم على العالم ويلفّه بأمواجه السوداء، على شكل غيمة سوداء مرعبة تجوس ارجاء الشرق لحماية السبات العظيم، وكانت هذه الغيمة في حالة تأهب مستمر، وتتربّص بكلّ قادم. وذات يوم، جاءت الغيمة البيضاء من بلاد الشمال انقضّت عليها وأمطرتها باللكمات، ولكن الغيمة البيضاء لم تتقهقر، بل صمدت في وجه الهجوم، وهكذا فانه من تصادمهما ولد المطر، ليجلب بدوره الحياة الى بلاد الهنود، فخرجت الحيوانات من أوكارها، وبدا ان الجميع يستطيع ان يعيش، ولكن الضوء ظلّ مفتقداً، فتقرر الغيمة البيضاء الاستنجاد بشقيقتيها: الغيمة الزرقاء، والغيمة الصفراء، وهكذا فانه من اتحادهما ستبدأ معالم الضوء تغزو الارض، ولكنه مع ذلك نور ضعيف ولا يغني عن الشمس، فكان لابدّ في هذه الحالة ان تتعاون الحيوانات لجلب الشمس المأسورة. وإذا جاز لنا المقارنة هنا، فإنه ينبغي التنويه الى التشابه القائم بين الأسطورة الهندية، وأساطير بلاد الرافدين حول قصّة الخلق الاولى، عندما كان الكون يعيش في ظلام حالك، وليس ثمة ضوء او شمس.. عماء مطلق او سبات مطلق، ولكن الافتراق بينهما سيكون كبيراً في الأحداث اللاحقة، حيث ان الاسطورة الهندية ستقدّم ابطالها من الحيوانات وعناصر الطبيعة الاخرى الذين سيغامرون بإعادة الشمس المسروقة من قبل الأرواح الشريرة، وكذلك الأمر بالنسبة لجلب النار التي اختزنتها شجرة جمّيز ضخمة اثر عاصفة قويّة، ومن ثمّ كيفية مجيء الهنود الحمر من السماء. والى ذلك فإننا سنقرأ قصصاً رائعة عن الأخوة السبعة الذين تحولوا الى نجوم في السماء، وعن النجوم التي استهوتها الارض، فتحوّلت الى زهور النيلوفر، او عن الداء والدواء، والهندباء البرية، لتنتهي الليلة الاولى بمبارزة بين كبير الأرواح الهندي، واله ذوي الوجوه الشاحبة، فيغلبه. بينما في الليلة الثانية سنقع على مغامرات كثيرة لحيوانات الغاب، وسيواظب السارد على متابعة حكاياته للطفل الصغير، عن كيفية تدجين الهنود للخيول، وعن الصراع بين البوم والفئران وغيرها من القصص، وتنتهي الليلة الثانية على غرار الليلة الاولى بحرب، وحرب هذه الليلة ستكون بين الحيوانات والإنسان، وسنرى هنا ان السارد على الرغم من تعاطفه مع الحيوان، الا انه في الوقت نفسه كان يدرك ان عيش الانسان مرتبط بلحوم الحيوان ، ولذلك فانه في ختام القصة سيجعل الهنود يقسمون بأنهم لن يقتلوا حيواناً دون مبرر للقتل، وستعدهم الحيوانات بان تعطيهم لحومها وفراءها. اما في الليلة الثالثة والأخيرة، فان السارد سوف يحكي عن علاقة الهندي بالأرواح، فيستعرض قصصاً شائقة تمتليء بالحكمة والموعظة اللطيفة، ولا تخلو في الوقت نفسه من المغامرات الجريئة والجميلة، ولكن اهم ما يميز هذه القصص في الكتاب، ان ليس ثمة حدود تفصل الواقع عن الخيال، فكلّ شيء يرتبط بالاخر الى درجة ان القاريء سيدهش لهذا الخيال الطفولي الذي تقدمه الحكاية، ولذلك الوصف الشاعري القائم على شخصنة الأشياء. وسيدهش اكثر لالية التعاون بين الافراد من اجل انجاز الاعمال الخطيرة التي تتطلب تضحية حقيقية، وفي كل حكاية يرويها القلموت سنكتشف عبرة او قيمة انسانية راقية تدفعنا دائما الى مزيد من التفكير والتأمل في الذات او المحيط. عزت عمر