بيان الكتب: اتسمت السياسة الامريكية تجاه الحركات الاسلامية بالازدواجية فقد وقفت ضد استلام هذه الحركات لمقاليد الحكم في الوقت الذي كانت تدين فيه سياسة القمع، التي تمارسها انظمة الحكم ضد هذه الحركات نتيجة الاحراج مما تدعيه من حرص على الديمقراطية والحريات في العالم، لكنه وعلى الطرف الآخر تبرز وجهات نظر اخرى سياسية واكاديمية تطرح تصورها للعلاقة بين الغرب والاسلام، ويقدم كتاب «مستقبل الاسلام السياسي» «وجهات نظر امريكية» عرضا هاما للتصور الامريكي لمستقبل الاسلام السياسي على المستويين الرسمي والاكاديمي بصورة تكشف فيه عن كيفية التفكير النخبي والجماعات السياسية والاعلامية والدينية والثقافية تجاه الاسلام، وظاهرة الاسلام السياسي. ويمثل هذا الكتاب القراءة الثانية لجدلية العلاقة بين الغرب والاسلام بحيث يشكل استكمالاً لما سبق وطرحه الدكتور احمد يوسف في كتاب سابق عن الاسلام والغرب، وتكمن الاهمية في هذا الكتاب، ان معده هو مدير المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث في واشنطن ورئيس تحرير مجلة «شئون الشرق الاوسط بالانجليزية»، بالاضافة الى ان الآراء المقدمة في هذا الكتاب هي لعدد من الباحثين والاكاديميين المطلعين بشكل واسع على الاتجاهات السياسية وحركة الافكار في العالمين العربي والاسلامي، ويؤكد الباحث احمد يوسف في مقدمته: ان تبدل العلاقة بين الاسلام والغرب يرتبط بتبدل المعرفة حول هذه القضية، وليس من خلال مقولات روج لها البعض مثل البحث عن عدو جديد، او نهاية التاريخ، او صدام الحضارات، او من نوع المقولات الاستشراقية المتميزة. لقد انشغل الغرب بظاهرة الصحوة الاسلامية منذ ظهورها في السبعينيات وكيفية التعامل معها، اذ لجأت وسائل الاعلام ومؤسسات الابحاث الامريكية المتخصصة بالشرق الاوسط الى اثارة موضوع الاصولية الاسلامية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويرى الباحث انه رغم سعي الاسلاميين للتكيف مع مطالب الخطاب الغربي فقد ظل هناك من هو في موقع رسم السياسات يدفع باتجاه التحذير من الخطر الاصولي على الغرب كدانيال بايبس مدير منتدى الشرق الاوسط، والباحث الاسرائيلي مارتن كريمر، والمستشرق برنارد لويس، والاستاذ الجامعي خالد دوران.. ولذلك يتناول الكتاب المواقف الرسمية وتحليلات النخب الاكاديمية خلال العقدين الاخيرين. فعلى المستوى الرسمي وضع ادوارد هرجيان مساعد وزير الخارجية الامريكية اسس سياسة الحكومة الامريكية الخاصة تجاه الاسلام والظاهرة الاسلامية اثناء حكومتي جورج بوش وبيل كلينتون، والتي قامت على ان الظلم الاجتماعي، والضعف الاقتصادي والسياسي والتعليمي غذى التطرف الاسلامي، ورغم ذلك كان الموقف الامريكي رغم تشجيعه لعمليات التحول الديمقراطي في العديد من البلدان العربية والاسلامية يشترط ألا ينتصر الاسلاميون في الانتخابات، اما الدور الاسرائيلي فركز على دفع الولايات المتحدة الى خوض المواجهة مع الاسلام بدلاً منها. لقد ظل موضوع الاسلام السياسي من اهم واكثر الموضوعات تناولاً في المحافل السياسية والاكاديمية، والسبب في ذلك هو ما تشهده المنطقة الاسلامية من تحولات ضخمة في نسيجها الاجتماعي، وثقافتها السياسية ومن تداعي العديد من الانظمة القائمة فيها، ويقسم الباحثون الاكاديميون الذين تناولوا هذا الموضوع الى ثلاثة اقسام: اكاديميون تركزت أعمالهم على الموضوعات الاسلامية في آسيا وافريقيا وباحثون تناولوا ظاهرة الاصولية باعتبارها ظاهرة واحدة بين مختلف ظواهر الاصولية الدينية التي تسعى لكسب تأييد الرأي العام، وباحثون اهتموا بانتشار الاصولية في اطر ثقافية ومذهبية متعددة، ويشير الباحث الى ان الساحة الاوروبية هي الاكثر تفهماً للظاهرة الاسلامية. وتحت عنوان «الاسلام والغرب تعايش ام صدام» يبين الباحث دور ما كتبه هنتنجتون حول صراع الحضارات في تغذية المواقف الداعية للتنبه للخطر الاسلامي ويذكر في هذا الصدد اهم الدراسات التي قدمت وجهات نظر متوازنة، واهم الدراسات التي اتبعت منهج هنتنجتون ومن وجهات النظر المتوازنة دعوات طالبت الادارة الامريكية بضرورة الانفتاح على الحركة الاسلامية، والتعامل مع تياراتها المعتدلة. ويحاول د. تشارلز بيتاروث الاجابة عن سؤال مركزي يطرحه وهو: لماذا يدافع الغرب بشدة عن الحرية بصفة عامة، ثم ينتقد الاسلام انتقاداً حاداً بدعوى انه غير متحرر ثم يحاول الاجابة عن هذا السؤال مستعيناً بالتجربة الفرنسية في هذا الشأن، اما جراهام فولر الذي عاش سنوات عديدة في العالم الاسلامي ويهتم بالعلاقة بين الغرب والاسلام فيرى ضرورة حل المشاكل المعقدة بين العالمين واستبدالها بعناصر تصب في مصلحة الثقافتين، كما يطالب بضرورة ان تعيد امريكا النظر في طريقة تفكيرها، وفي اهدافها مع بلدان العالم الاسلامي وفي محاولة لتحديد الموقع الذي تقف فيه الحركات الاسلامية اليوم، يتناول د. مايكل كولنز دون الحركات الاسلامية التي لها برامج سياسية وكذلك طريقة رد انظمة الحكم في العالم الاسلامي على هذه الحركات، ويفرق بين الجماعات التي تسعى للاصلاح من داخل النظم العلمانية، والاخرى التي تقف على العكس مؤكداً على ان مستقبل هذه الحركات ليس واحداً، وحول نشأة وتطور مستقبل هذه الحركات يؤكد د. ستيفن بيليتير ان الاصولية هي حركة راديكالية لم تبدأ من فراغ، اذ بدأت كحركة اصلاحية، ويتناول ثلاث مجموعات رئيسية هي: جبهة الانقاذ الاسلامي في الجزائر، والجماعة الاسلامية في مصر، وحركة المقاومة الاسلامية حماس في فلسطين، ثم يتبعها بحزب الله في لبنان. بالمقابل يقدم روبرت نيومن وجهة نظر دبلوماسية حول الحركة الاسلامية حيث يرفض ان يكون الاسلام هو العدو الجديد للغرب كما تحاول اسرائيل وأصدقاؤها في الكونجرس تأكيد هذه الصورة غير المبررة. وتتوزع عناوين الكتاب الاخرى على دراسة الاسلام السياسي في شمال افريقيا، والعلاقة بين الاسلاميين والانظمة العلمانية، والتحدي الذي يواجه الحداثة على صعيدي الاسلام والمسيحية، بالاضافة الى الاسلام السياسي والسياسة الخارجية الامريكية، وابعاد الحملة ضد الاسلام في الاعلام الامريكي خاصة بعد سقوط الشيوعية وما قاد اليه من تحول تجلى في اتهام الاسلام بالتعصب ومعاداة الغرب والديمقراطية، في حين تسعى بعض هذه الدراسات لاكتشاف الارضيات المشتركة بين الاسلام والغرب في ظل وجود فجوة معرفية بين الغرب والاسلام تجعل الصورة الذهنية للغرب عن الاسلام مشوهة وغير صحيحة. أحلام سليمان