بيان الكتب: صدرت مؤخراً دعوات تنادي بتأسيس «فلسفة عربية متميزة» وذلك في سياق الجدل الذي لا ينتهي حول كونية الفلسفة وقوميتها، وهو جدل يمتد عميقاً في التراث الفلسفي العالمي، لكن اثارته في ايامنا هذه، لا تخرج عن محاولة البحث عن مخرج من حالة الانهيار والتردي التي تعيشها البلاد العربية على مختلف الصعد، وبالتالي يسكنها سؤال الهوية المؤرق الذي سكن أغلب الكتابات الثقافية العربية منذ بداية الدعوات النهضوية العربية ولم يغادرها الى يومنا هذا. والملاحظ ان مثل هذه الدعوات تنطلق دوما من ما يشبه تصفية حساب مع الاتجاهات الفلسفية الحالية الحديثة، ومع اللحظات الفلسفية العربية الاسلامية في عصورها الذهبية والمتأخرة، فتسمها بجملة صفات عمومية اختزالية، دون النظر اليها ودراستها في سياقها التاريخي والمعرفي والإقليمي، ودون إخضاعها لنقد يرتقي بالتجربة أو يحدد شروط الإمكان لها. وفي الكتاب الذي بين يدينا، ينطلق طه عبدالرحمن من اشتهار الفلسفة بممارسة السؤال، وتعدد اشكاله الفلسفية التي اختلفت باختلاف اطوار هذه الممارسة، ليصوغ مفهوماً جديداً له يدعوه «السؤال المسئول»، ومعتبرا اياه الطور الثالث من اطوار السؤال الفلسفي، حيث يحدد ابرز شكلين للسؤال الفلسفي: السؤال القديم الذي يخص به الطور اليوناني، والسؤال الحديث الذي يخص به الطور الأوروبي. وفيما كان السؤال الفلسفي اليوناني القديم هو سؤال فحص، فإن السؤال الأوروبي الحديث هو سؤال نقد، وقد آن الأوان لتجاوز شكل النقد بعد ان تجاوزنا من قبل شكل الفحص. ان دعوة كهذه، التي يعلنها عبدالرحمن، في طلب شكل جديد من السؤال الفلسفي تناسب كما يراها ما يلوح في الأفق من مآلات الحداثة، كونها تدعو الى الشكل الاحدث، ويعتبر فيها أن «السؤال المسئول» هو سؤال ليس فاحصاً لموضوعه كالسؤال السقراطي، ولا ناقداً له كالسؤال الكانطي، انما «سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه، أي سؤال يفحص وضعه كما يفحص موضوعه، أو سؤال ينتقد وضعه كما ينتقد موضوعه، ولا شك في أن هذا الشكل للسؤال الفلسفي كما يبدو للوهلة الأولى يبني على الشكلين السابقين عليه، فيجمع بينهما أو بالأحرى يوفق بينهما من ناحية الفحص ومن ناحية النقد، وبالتالي فإن توصيفه كسؤال متجاوز لسابقيه امر فيه شيء من الاستعجال، بل وشيء من المبالغة في ايجاد سؤال يحمل سمة الخصوصية القومية، ليتوافق معها أكثر من توافقه لنمط جديد من انماط السؤال الفلسفي التي لا تقف عند حدّ ولا تنقطع بسؤال، اضافة الى كون مفهوم التجاوز فلسفياً لا يحصل الا في الممارسة الفلسفية، أي في طرح المشكلات واستشكالها والبناء عليها وفيها، وخلق المفاهيم أو اضافة مركبات لها، أي باختصار يحصل التجاوز الفلسفي حين تشيد الفلسفة مقاماً لها، تصطف عليه المفاهيم وتنتظم وفق صورة معينة للفكر، وذلك انطلاقاً من كون الفلسفة هي قبل كل شيء صناعة مفهومية اذا استعنا لغة «دولوز». لكن عبدالرحمن يطمح في العثور على الفيلسوف العربي الجديد، بوصفه سائلاً مسئولا، والذي تقع عليه مهمة تحرير القول الفلسفي العربي، وفتح آفاق الإبداع فيه، وهو طموح مشروع وإن كان يحمل بصمة سؤال الهوية المؤرق، الذي لا يزال ينير عتمة معظم كتاباتنا العربية. وهذا الفيلسوف عليه ان ينهض همم قومه الى تغيير الواقع، لان احتياجاته، كما يحددها عبدالرحمن بالنظر الى وضع امته الراهن، تنحصر في استشكال مفهومين ملحين هما: مفهوم الفكر الواحد، ومفهوم الأمر الواقع. ويتجلى مفهوم الفكر الواحد، كمفهوم ثقافي، فيما يطرح فكر القوى المهيمنة في العولمة الجارية في عالم اليوم، حيث يسعى هذا الفكر الى فرض «التسوية الثقافية التي هي تسليط نمط فكري واحد على جميع الثقافات المختلفة»، بوصفها افراز ثقافة واحدة بعينها هي ثقافة القوى. لذا على الفيلسوف العربي الاشتغال بنقد هذا الفكر الواحد الذي أخذ يتغلغل بقوة بين بني قومه، والذي يعارض مبدأ المسئولية الذي تتحد به الفلسفة، ويفضي الى نقيض المقصود منه، لأن فعل التفلسف، كما يقول عبدالرحمن وهو محق بذلك، اظهر في الاختلاف منه في الاجماع، اما مفهوم الامر الواقع، فهو مفهوم سياسي يتوسل به في بسط الهيمنة السياسية للقوى المهيمنة، ويحيل الى الاكراه على قبول الواقع، وعلى الفيلسوف العربي الاشتغال بنقد هذا المفهوم الذي يهدف الى سلب ارادة وقوة قومه منهم، وبالتالي يقطع عنهم اسباب النهوض والتغيير. اضافة الى ان هذا المفهوم يضاد مفهوم الاعتراض الذي تنبني عليه الفلسفة، لان الاصل في الفلسفة الاعتراض، كما يلاحظ عبدالرحمن، كما أنه يخالف مبدأ الحق في الفلسفة الذي تسعى الفلسفة إلى إقراره. إلا أن حقيقة الاشغال بنقد هذين المفهومين (الفكر الواحد، والأمر الواقع) تفضي الى مفهوم الاختلاف، والحق في الاختلاف الفلسفي، بمعنى أنها لا تقضي كما يأمل عبدالرحمن الى السؤال المسئول، بل الى السؤال النقدي الما بعد حداثي، اي الى الاشتغال النقدي لفلاسفة الاختلاف: «فوكو» و«دولوز» و«ديريدا» وسواهم. ومع ذلك فإن تأكيد عبدالرحمن على الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، يدخل في صلب الممارسة الفلسفية الاختلافية، ولا يلقى اعتراضا من طرف المشتغلين بالحقل الفلسفي، بل من طرف الساعين الى الهيمنة على المجال الثقافي والسياسي: داخلياً وخارجياً. فالفلسفة لا تقوم لها قائمة إلا بالاختلاف، حيث «يحق لكل قوم ان يتفلسفوا على مقتضى خصوصيتهم الثقافية، مع الاعتراف لسواهم بذات الحق». وهذا يخلق، كما يتصور عبدالرحمن، تنوعاً فلسفياً بين الشعوب يوازي تنوعها الثقافي، لكن كل فلسفة تدعي الانفراد بهذا الحق ليست سوى فلسفة متمركزة على ذاتها. وقد اشتغل فلاسفة الاختلاف بنقد كل اشكال التمركز، وفضحوا حيثياته. والحال أنه لا مطلق في الفلسفة، حتى وان كان مطلق العقل، أو حتى الاختلاف نفسه. هكذا يركز عبد الرحمن في كتابه على حق الاختلاف الثقافي، بوصفه حقاً ثابتاً لكل أمم العالم، ليؤكد على حق الاختلاف الفلسفي الذي ينبغي الاقرار به للجميع، وباعتبار ان حق التفلسف هو حق طبيعي للانسان لا تخترعه مؤسسة أو يضعه قانون، فإن حق الاختلاف الفلسفي بشقيه: الداخلي أي بين المشتغلين في الدائرة الثقافية نفسها، والخارجي الحاصل بين مختلف الدوائر الثقافية، ينبغي ان يكون حقاً طبيعياً. وعليه يطالب عبدالرحمن بأن نكون نحن العرب أحراراً في فلسفتنا، ولا يرى سبيلاً الى ذلك سوى الاجتهاد في انشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة غيرها. غير ان ذلك لا يقلل من اهمية وحاجة الاقوام المختلفة الى العلاقات الحوارية بعضها مع بعض، وعليه يرى عبدالرحمن ان بنية الكلام هي بنية حوارية تقوم على الاختلاف، على أن يسوى الاختلاف في الرأي بالحوار، كونه لا يؤول الى الخلاف، بل إلى الوفاق، وان وجود الاختلاف في الآراء لا يضر ابداً وجود الجماعة الواحدة، بل يكون خير مثبت لهذا الوجود، انطلاقاً من قدرته على تحريك سكون الجماعة وتغير اطوارها. وينحاز عبدالرحمن الى القول بقومية الفلسفة، من منطلق ان قومية الفلسفة تحفظ الصلة بين المفاهيم الفلسفية وبين القيم التي تواجه العمل في مجالنا التداولي العربي، وذلك كي تبقى هذه المفاهيم حية تؤدي دورها في ايقاظ الانسان العربي، تحرر طاقاته وتنور اختياراته. ويقترح خطة للمقاومة تقوم على الاعتراض على المفاهيم الفلسفية المنقولة، بحيث لا نقبل منها الا ما تأكد صحته بالأدلة القاطعة وتأكدت فائدته بالقيم النافعة، لان الخطر الذي يواجه الفلسفة الحديثة، قائم في «التهويد» الجاري لها، حيث انه بعد تهويد الفلسفة الالمانية خاصة، جاءت مرحلة تهويد الفلسفة عامة. وبناء عليه فان الكونية في الفلسفة التي ينتجها النظام الدولي الجديد ليست إلا فلسفة قومية مبنية على اصول التراث اليهودي المسخر لأغراض سياسية. ويرى عبدالرحمن أن السبيل الموصل الى فلسفة عربية متميزة، يتجسد في كيفيات الخروج من القول الفلسفي الخالص الى القول الفلسفي الحي، اذ لا تقوم هذه الفلسفة العربية الا بوصل العبارة بالاشارة في مختلف مستويات القول الثلاثة، وهي: وصل الاصطلاح بالتأثيل على مستوى المفهوم، ووصل التقرير بالتمثيل على مستوى التعريف، ووصل الاستنتاج بالتخييل على مستوى الدليل، وفي المزاوجة بين الخصوصية العبارية والخصوصية الاشارية، وما لم يقع وصلها بالأدب العربي، واستجماع أقوالها لأبعاد الزمان العربي كلها، وما لم تتغلغل في التداول اليومي كي تنخرط في حياة الناس. ولمقاومة عوائق الابداع الفلسفي، يرى ان نقاوم التقديس الذي تولده أساطير حفظ اللفظ كله وحفظ المضمون كله. وان نقاوم الاستقلال الذي تتولد منه أساطير أسبقية المعنى على اللفظ وأسبقية النطق على الرسم ويخلص الى أن القول الفلسفي ليس مقدساً في نصه، ولا معجزا في نشأته، ولا مستقلاً في مضمونه. وهكذا يقرر عبدالرحمن ان «السمة الغالبة على الفلسفة العربية في طورها الأول الذي انتهى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي كما في طورها الثاني الذي ابتدأ في مطلع القرن العشرين هي تقليد الفلسفة الغربية في استشكالاتها واستدلالاتها» ولتقويم هذا الاعوجاج في الفلسفة العربية، من خلال اتخاذه الفلسفة المغربية نموذجاً، يقترح الخروج من النمط الاتباعي في ممارسة الترجمة، سواء بحرفية اللفظ ام بحرفية المضمون، وذلك بابتكار نمط جديد من الترجمة يختص باستخراج المعاني الفلسفية الأساسية من النص الأصلي وتفعيلها بمعاني المجال التداولي العربي وللارتقاء بالمعاني الطبيعية الى رتبة المفاهيم الفلسفية يقترح خطة للاقامة، مبرزاً اياها على أكثر المعاني تداولاً في عالمنا العربي، وهو معنى الانتفاضة أو الفتوة المنتفضة. أخيراً، نلاحظ في هذا الكتاب ان طه عبدالرحمن توجه نحو الخاص القومي بعد ان تفرغ الى العام الاسلامي في معظم كتبه السابقة، خصوصاً في «فقه الفلسفة» بجزأيه الأول: الفلسفة والترجمة والثاني: القول الفلسفي، وفي «العمل الديني وتجديد العقل» و«سؤال الأخلاق». وهو يرى رغم مزاوجته بين العروبة والاسلام ان المدخل الى الكونية لا يكون الا بالقومية العربية، وعليه جاءت أطروحاته في هذا الكتاب مغرقة بهم الهوية وسؤالها الذي يبدو اننا سنصرف وقتاً طويلاً فيه، لكنها تنطلق من النظر الى الفلسفة (أو الفكر) على انها مقومة للواقع والتاريخ، وعليه حلقت تحليقاً ميتافيزيقياً في سماء الواقع بدلاً من تقصي خصوصياته التاريخية والاجتماعية التي يراد لها ان تحضن تلك الفلسفة الحية والقومية الحية التي تحدث عنها وفق منطق الاحالة والمقارنات الميتافيزيقي، لذلك انشغل بالمقارنات التي لا طائل منها حول كونية او قومية الفلسفة لكن الفلسفة فلسفة، عربية كانت او هندية او يونانية او اسلامية أو ألمانية، بقدر ما يتم التفكير في المقام الذي تشيد عليه مفاهيمها والمشكلات التي تطرحها، وهذا المقام يتأثر بما ينتظم عليه وما يرد اليه من استجابات لأقلمة ما: قومية او كونية. غير ان ما يمكن رفضه أو نفيه هو ان تقدم الفلسفة ضرورة داخلية، سواء كانت هذه الضرورة في حد ذاتها او عند اي شعب من الشعوب، وان صورت كذلك في حالة من الحالات فهي تشبه الضرورة المزيفة. لأن الفلسفة تأتي، من خلال الممارسة، استجابة لأسباب احتمالية وتركيبية معقدة. عمر كوش