بيان الكتب: ظل كتاب «الف ليلة وليلة» يثير في الثقافة الانسانية قدرا عظيما من الاهتمام، وولعا مفتوحا يأخذ بالباحثين الى معاودة النظر فيه باستمرار، مفجرا اسئلة قلقة، وموحيا في كل مرة بألوان شتى من الرؤى والمقاربات، فيما يميز هذا الكتاب، ويضعه في زمرة النصوص الخطيرة والمركزية في الثقافة الانسانية، انه حمال اوجه يستند الى كم هائل من الخبرة الحياتية المرتبطة اساسا بالذاكرة الجماعية، وهذا البيان الذي ضمته الحكايات تحول الى صور ذهنية كثيفة وملتبسة، لكنها في الوقت نفسه حاضرة على جهة البداهة، داخلة في نسيج الخبرة الانسانية، فهي تشكل انجازا لفظيا قبل كل شيء، او ماهية لفظية مضبوطة بنسق الانشاء اللغوي، تشمل مجمل اغراض الكلام العربي، وتتضمن مختلف احتمالات التأليف والتشكيل السرديين، فضلا عن تطويعها لتقاليد الصياغة الشعبية.. من هذا المنطلق يفترض الباحث المغربي شرف الدين ماجدولين في دراسته المعمقة في «بيان شهرزاد» ان صور الليالي لها وجود ممتد بين الظاهر والمجرد، ينطلق من العام الذهني الى الخاص اللفظي، ومنه الى الاخص السردي، وبذا فهي صور ذات قواعد انشائية ومقومات بلاغية نوعية، يمكن ان تضبط مناحي تشكلها، وتحدد افاق ادائها المعنوي الجميل. وهنا يبين الكاتب ان مهمة ضبط البلاغة النوعية لصور الليالي تحوطها صعوبات جمة، لعل اجلها ما يعترض استخلاص المكونات والسمات النوعية من ضغوط الخبرة الجمالية التي تدين بأصولها الى الزمن الحاضر، مما ينجم عنه تداخل اشكالي معقد بين مضمون تلك الخبرة، والتشكيل الفني الذي تتخذه السمات والمكونات في نوع معين من انواع السرد الشعبي في الليالي. وتتمحور الاشكاليات التي اثارها البحث بداية حول سؤالين مركزيين حاولت فصول الدراسة وأبوابها الاجابة عليهما، وهما: كيف تنجز صور الليالي بلاغتها؟ وما هي ضوابط هذا الانجاز؟ ينقسم البحث الى ابواب ثلاثة، ينظر الاول منها الى الصورة بوصفها منظورا ديناميا الى الواقع والفن على حد سواء، وبالتالي فهي توظيف محكم ونوعي للوسائل الاسلوبية للفن ـ والذي منه الف ليلة وليلة ـ على نحو يجعل الوقائع الموضوعية او المتخيلة، سواء في مظهرها الحسي او الذهني، منطلقات سببية لنشوء ألوان التأثير الجمالي المعقد، وهيمنته على أذهان المتلقين المختلفين بروعة الكشف وسحر الايحاء. وتأتي الخطوة التالية لتبحث في ضوابط تشكيل الصورة في القصص الشعبي عامة، ولتبين كيف تتمايز عن ضوابط البلاغة المأثورة في باقي الاجناس، وفي هذا السياق يدرس الباحث عددا من الانواع القصصية الشعبية، تتباين من حيث سماتها الاسلوبية، وتتباعد من حيث عناصرها الصورية المهيمنة، ويحصرها في ستة انواع هي: الحكاية العجيبة، والخرافة، والسيرة الشعبية، والحكاية الشطارية، والحكاية الشعبية، والحكاية المرحة. ومن ذلك يخرج الى البحث في ألف ليلة وليلة والاعتبارات النصية للتصوير السردي والشعري، والمزاوجة الاسلوبية بينهما، بحيث يضطلع كل من الجنسين التصويريين بوظائفه الجمالية، وهذا ما يشكل الرؤية البلاغية للقص الشعبي في ألف ليلة وليلة، بحيث يتجسد ويختزل في صورتين مركزيتين اثنتين، تتغلغلان في الوعي والرؤية الشعبيتين، هما الصورة والحلم، والصورة المرآة، الاولى تنزع الى التجريد والتعجيب، والثانية تعانق فضاء الممكن والمحتمل. ويتوجه البابان الثاني والثالث من الكتاب الى البحث في كيفية انجاز هاتين الصيغتين الصوريتين اسلوبيا في متن الليالي، والى الحديث ايضا عن ضوابط البلاغة النوعية لكل تفريع من تفريعاتهما الصورية الستة. في البداية يتناول الباحث الحكايات العجيبة في كتاب الف ليلة وليلة فينظر اليها باعتبارها من اكثر الانواع القصصية الشعبية هيمنة على متن الليالي، ويعد منها: «حكاية التاجر والجني» و«الصياد والعفريت»، و«الحمال والثلاث بنات» ويعدها مع باحثين اخرين من اكثر النصوص اصالة في متن الليالي، واشدها رسوخا في مخيلات الرواة والمتلقين، في مختلف البيئات والعصور، ففي عوالمها تمتزج تخييلات الواقع بالاسطورة، والحقيقة بالمجاز، والوان الامكان بضروب الاحتمال، كما يستحيل في اساليبها التاريخ البشري، وجغرافية الحضارة، والتراث الاجتماعي، والعقدي، والثقافي، لشعوب الشرق «العربي/الفارسي/الهندي»، الى وعي انساني متعدد الايحاءات، بالنحو الذي يجعل من نهج التخييل قناة لرؤية وجودية، يجد فيها القراءة على مر العصور أجوبة شتى عما يعتمل في صدورهم من اسئلة عن علة القص، وماهية التصوير، وصلاتها بالوقائع الكائنة والمفترضة. ويذهب المؤلف الى انه في صور الليالي العجيبة يبلغ التصوير اعلى درجات التجريد، وينحدر الواقع المتعين الى ادنى مستويات التمثيل، مما يجعل بدهيا مجيء تشكيلات الصور، في السياقات النصية المختلفة، مفعمة بالخيال، متعالية، نازعة اشد ما يكون النزوع الى انطلاقات الحلم بكل ما تحتويه من المحال والغريب والغامض. ويأتي بحثه في الخرافة من خلال النظر الى جوهرها الحقيقي الذي يكمن في قوتها التخييلية، والتي تشكل الصور وتراكمها على نحو يماثل صور الليالي العجيبة، فصور الخرافة المعتمدة في تمثيل الخبرة الانسانية على بدائل من الكائنات الحيوانية، مقدمة على شكل حكايات مكتنزة بطاقتها الرمزية، لا تراهن على حسية الفضاءات وتشخيصاتها الممكنة، ولا يهمها كثيرا تقنين الامد الزمني الذي تتنامى فيه افعال الشخصيات، بل انها تنطلق اساسا من الاعتماد على نظام الدوال في الوصف والرمز والاخبار، وما يتبع ذلك من استدعاء الصور الذهنية اللصيقة بكل صنف من اصناف الحيوانات المستخدمة في عملية التماهي بين سلسلة الصور وحلقات الرسالة التي تسعى الحكايات لايصالها. ويعرض الكاتب لانماط التخييل في الصور الخرافية، ومرتكزاتها الذهنية الاولية، ومستويات التقابل النسقي بما يشكل قاعدة الترميز ونظام اشتغال آلية التراسل، ان هاجس القيم هو ما يهيمن على صور الليالي الخرافية بالدرجة الاولى، وبذلك تأتي من اكثر انواع الصور الحكائية احتفاء بالرسالة الاخلاقية، ووصولا الى الحكمة المختزلة بلفظ مباشر في خاتمة خرافة الليالي، تتخذ شكل الاستنتاج من متن التحليل، او القيمة المجردة في مقابل البعد الموضوعي. وتتشكل الصور في السير الشعبية بوسائل اخرى من التأليف الاسلوبي، على اساس موضوعي عمادة الانجاز الفردي والجماعي المجاوز للقدرات المرجعية، فهذه الصور بطولية تتضمن آلية تمثيل حلم الافراد والجماعات بمجاوزة القدرة العامة والممكنة، وذلك ما يمثل في حقيقته فعالية بنيوية لرصد الطموح الانساني الى تخطي محدوديته، لذا فعندما تجلي الصور البطولية صيغة معينة لاستشراف المحال والتشوف الى معانقة الحرية، فهي تترجم في الوقت نفسه البلاغة السيرية في الانفتاح على اقاصي الممكن، وترجمة قيم الابهار الحسي والذهني، والتهويم في فضاءات الفتنة اللغوية، وبذلك يتخذ التكوين الصوري هنا مسارا اسلوبيا يتنامى على نحو دائري، تنجدل فيه الصور البطولية الجزئية بمكونات الدوائر السردية وسماتها النصية، فتمثل كل دائرة حيزا مؤقتا تتحقق فيه مختلف امكانيات البطولة. وابرز ما يمثل السيرة الشعبية في الليالي «حكاية عمر بن النعمان وولديه شركان وضوء المكان» ويتعمق الباحث في دراسة هذه السيرة وطبيعة صورها البطولية وبلاغتها ومقومات التخييل فيها، ويرى فيها بلاغة نوعية للصورة الحلم في سرد الليالي، بلاغة مختلفة في انجازها الاسلوبي عن تجليات الصور في الحكايات العجيبة والخرافات، وهذا ما يشكل في نظر المؤلف الاسلوب الاعلى في الليالي. في الباب التالي يعكف المؤلف على دراسة انواع حكائية مغايرة تنتمي الى نسق اسلوبي ادنى، تعكس تشكلاته المختلفة «الشطارية، والحكائية الشعبية، والهزلية» قيما رؤيوية وتخييلية قريبة من منطق الممكن والحسي المعتاد، فيدرس هنا في هذا الباب ضوابط البلاغة النوعية للصورة المرآة في الف ليلة وليلة. في تناوله للحكاية الشطارية يسبغ المؤلف اهمية كبيرة على حكايات شهيرة من مثل «معروف الاسكافي» و«دليلة المحتالة وعلي الزيبق» فيرى فيها علامة مميزة لليالي، تجاوز باشعاعها شهرة المتن الاصلي، لتكتسب بالتدريج هويات نصية تكاد تكون مستقلة بذاتها في تراث السرد العربي، والمعيار عنده ما يتعلق اساسا بالصبغة البلاغية للصور، او بكفايتها السردية الماثلة بقدرة هذه الحكايات على ترجمة واقع قريب واعتيادي، وتخييله للاذهان في هيئات مثيرة برغم الفتها، وأليفة برغم غرابتها. تتسم الصور في الحكايات الشطارية من الحركة الذكية والفعل الحاذق، ومن سمات التنكر والكذب والتمويه، وهذا ما يندمج بوجيب الحركة الشعبية، واللغة الاخبارية الهجينة، وبمستويات الكلام الحواري، بحيث يبدو الرصيد اللفظي للصور الشطارية جزءا لا يتجزأ من لوحة البراعة العقلية والجسدية. ويدرس الكاتب تفصيلا انماط هذه الصور وصيغها الايقاعية ومرتبتها في سياق النص ووظائفها البنائية وموقعها في النسيج الدرامي، ومن خلال ذلك يراها تنطوي على رؤية مرآوية عميقة، بمعنى انها تجعل السرد فضاء دنيويا مكتنزا بالتفاصيل الحواضرية «المدينة/ الساحات/ الحواري/ النزل..» والتصنيفات الاجتماعية «امراء/ عسس/حرفيين/ عبيد».. والتقابلات القيمية «الجشع/الغفلة/الخبث/ الفتوة/ الخير/ الشر».. وهي تفاصيل تبتعد بمستوى التخييل عن عوالم التحقيق الذهني لقدرات الانسان الكامل، وتحول المبنى الاسلوبي الادنى الى قدرة حدسية بارعة على كشف تناقضات المدن والحكام والهامشيين. ويتناول الكاتب الصورة الحكائية الشعبية باعتبارها نموذج الانجاز البلاغي النقيض للانجاز العجائبي في الف ليلة وليلة، فالصور الاجتماعية الشعبية تمثل وجه الممكن والمتعين، قرين الاسلوب الادنى في تمثيل الوقائع الفردية، وعلاقات اليومي، وتفصيلات المألوف والاعتيادي، لكنها رغم محاكاتها لوقائع فردية تظل نمطية، اي تدخل في اصناف الطبائع والسلوكات الانسانية الشاملة، فهي بهذا المعنى استبطان للجوهر الانساني، ولما يمثله من طبائع وعواطف وافكار، انها صور معنية بالنقد والكشف عن التشوه والنقص، ميدانها الاساسي الفضاءات المدينية والنوازع الدنيوية، وهذا ما يسميه الكاتب بالنزوع المرآوي كما في قصص الشطار. وتكتمل دائرة الحديث عن الاسلوب الادنى في الليالي بتناول نوع الحكايا المرحة، او هذا الافق الهزلي النابض بالايحاء الانساني. ويميز الكاتب الحكاية المرحة عن الطرائف والنوادر والملح، ففي هذا النوع تستكمل قسمات الواقعي في تشكيلات الصورة المرآة، ويتم الكشف المفارق الساخر، الذي يستثير تناقضات الطبع والسلوك بهجائية قد تفارق المعتاد، دون ان تفارق الممكن. ونواجه هنا صورا لمناحي النقص المغري بالهجاء، النافذ الى عمق الطبيعة الفطرية الشائهة، كالبخل والغباء وثقل الظل وخبث السريرة والتطفل واجتراء النقيضين كالتدين والفجور، والوقار والتصابي.. فحكايات المرح تسعى الى نقد القيم الثقافية والاجتماعية لجمهور الشعب، عبر المحاكاة الساخرة، والتلفيقية بين الاضداد، و يتناول الكاتب اشهر الحكايات المرحة في الليالي بالدراسة، وهي «حكاية الشاب والمزين البغدادي»، ويخلص الى انها مع مثيلاتها في الليالي تكوين اسلوبي بليغ للصورة المرآة في سرد الليالي تنضاف الى تنويعات الصور الشطارية والشعبية في تغليب الاحتمال الواقعي على فيوض المتخيل، بما يشكل الوجه الطباقي للصورة الحلم بتنويعاتها العجائبية والخرافية والبطولية. والحاصل لدى الكاتب عبر الابعاد المختلفة للتحليل ان كتاب الف ليلة وليلة نسيج غير متجانس من الانواع والاساليب، وبالتالي فان صوره لا تخضع لحدود الصيغ والقواعد البيانية الخاضعة لمبدأ المشابهة والمجاورة، بل تمثل تركيبا نوعيا يسعى الى استيعاب وظائف الشخصيات، والتراكيب اللغوية، وانحاء الاستعمال الوصفي والاخباري، وامتداد السرد، وخصائص التشخيص الزمني والفضائي، وما الى ذلك من مقومات. وان ثراء الصور في نسيج الليالي يتصل بثراء الاصل المفتوح على الابداع الشعبي، وهي بذلك تمتلك فرادتها السردية وتميزها البلاغي، فتستثير قضايا جمالية مركبة، واسئلة معرفية متداخلة، وتبقى مشرعة الابواب على مزيد من النظر ومعاودة التحليل والمقاربة. محمد عبدالواسع