بيان الكتب: خاض العرب صراعات طويلة وواجهوا أشكالاً مختلفة للغزو والاحتلال والاستعمار والهيمنة والسيطرة كانت تستهدف الغاء وطمس تاريخهم أو ربما محاولة، اخراجهم من التاريخ وتمزيق هويتهم وتهميش شخصياتهم من أجل العمل على زوال دورهم ولكن العرب صمدوا وحافظوا على مكانتهم الحضارية والانسانية. وفي كتاب جديد يؤكد الحق العربي ويفضح أساطير اليهود وتزويرهم وتزييفهم وفيه استنطاق للوثائق بأسلوب علمي يعبر عن روح تؤمن بالرسالة الانسانية التي حملها العرب عبر تاريخهم الطويل تقدم الدكتورة منى الياس كتابها «الاصوليون اليهود بين أساطير التوراة والعلم المعاصر» حيث يرى د. ابراهيم زعرور في تقديمه للكتاب الجديد انه من الاستحالة بقضايا فكرية على غاية من الأهمية والخطورة لأنها هذه القضايا تستند على لغة العلم التي تشخص الأحداث وفق المنطق الواضح والمعايير الموضوعية والمقاييس العلمية الدقيقة بعيدا عن لغة التهويل والعاطفة والاسطورة والخرافة والتزوير والتزييف، لأن المسألة هنا تتعلق بحياتنا ومصيرنا وثقافتنا وهويتنا وحضارتنا ووعينا وذاكرتنا وتاريخنا ومستقبل الأجيال والأحفاد ومن حقنا ان نقرر ان الأرض عربية وأهل الأرض عرب قدماء عاشوا عبر العصور التاريخية وكتبوا ونقبوا وأنتجوا حضارة عربية رافقت العرب عبر مسيرتهم الانسانية وتم اكتشافها وقراءتها في ألواح محفوظة ومدفونة في أرض امتد بها الزمن لأكثر من ستة آلاف عام مختزنة في وجدان الناس وضمائرهم ووعيهم وثقافتهم ولغتهم، وقد كشف عنها علماء الآثار بغض النظر عن جنسياتهم. ويرى د. زعرور في تقديمه لكتاب د. منى الياس اننا اليوم كعرب أمام حالة صراع من نوع آخر، صراع بين حقنا وباطلهم، بين حقيقتنا وأسطورتهم، بين منطقنا وخرافاتهم في ظل الاخلال الواسع في العلاقات الدولية بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة وتحول العالم الى قوة واحدة مهيمنة ومسيطرة تتحكم بالمجتمع الدولي وتتعامل مع البشرية جمعاء باستثناء الصهاينة على انهم هنود حمر، فالولايات المتحدة الامريكية التي تقف على قمة هرم النظام الامبريالي العالمي في عولمتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية حيث يلتبس على الجميع مسألة من ينفذ سياسة الآخر، هل الولايات المتحدة الامريكية تنفذ سياسة اسرائيل أم ماذا؟ بدورها ترى د. منى الياس في كتابها الجديد ان عقيدة اليهودي الدينية منذ الشتات الروماني كانت الخوف من الاندثار والذوبان في الأمم الأخرى «الجوييم» لذلك نرى أحباره منذ القرن الخامس قبل الميلاد يحيطونه بأسوار عنصرية وقومية أقوى من الايمان الديني تفرض عليه عدم التآخي والتطبيع مع الآخر وقد رسموا الحدود والقيود للمجتمع اليهودي للحفاظ على طابعه وهو يعيش في ظل الحضارة البابلية والفارسية واليونانية تحت لواء الاسكندر والبطالسة والسلوقيين وأخيرا الحضارة العربية. وتشير د. الياس الى ان اليهود أخذوا من التوراة والانجيل ما شاءوا ولفقوا وحوّروا وقطعوا ووصلوا وحذفوا فكسبوا تأييد الغرب المسيحي على صعيد الحكومات والأفراد وأقنعوهم ان فلسطين أرض اليهود الموعودة منذ القدم وان الله هو الذي وعد ابراهيم بأن تكون هذه الأرض له ولنسله الى الأبد، فبهذه المقولة المجتزأة أقنعت الصهيونية الغرب الاوروبي ـ الامريكي بأن فلسطين حقهم وميراثهم الالهي وان من يساعدهم على استعادتها يحصل على رضا الله!! حيث قالت المؤرخة الانجليزية «باربارا توتشمان» في كتاب «التوراة والسيف» انه لولا الخلفية التوراتية لدى الانجليز لكان صدور وعد بلفور باسم الحكومة البريطانية أمرا مشكوكا فيه، رغم العوامل الاستراتيجية التي كانت تملي احتلال فلسطين وان اهتمام بلفور وكثيرين غيره من الساسة البريطانيين بالصهيونية إنما يرجع الى تدريبهم المستمر منذ الصغر على ما جاء في التوراة من وجهة نظر يهودية، حيث استطاع اليهود عن طريق التلفيق التوراتي والتحريف الانجيلي والقطع والوصل بينهما ان يؤلفوا حركة مسيحية غربية أصولية هي في حقيقتها اللوبي الصهيوني الحقيقي والأكثر فعالية لتسترها وراء المسيحية تعتنق مقولة الوعد الالهي لابراهيم بشأن الأرض حسب تصور الأصولية اليهودية، هذه الأصولية التي ترى التوراة بالنسبة اليها الدليل السياسي الذي لايشك أحد في دقته في الوصف الجغرافي لحدود أرض الميعاد التي تمتد من النيل الى الفرات وعلى ذلك فليس في ذهنهم أية مشكلة بالنسبة الى الضفة الغربية وقد استطاعت هذه الاصولية اليهودية ان تولد متطرفين رأينا أعتى صورهم في مذبحتي «الحرم الابراهيمي» و«قانا والنبطية» وما نراه الآن من مشاريع ينادون بها الاستيطان في الجولان الذي هو أرض عربية سورية منذ فجر التاريخ. وتؤكد د. منى الياس في كتابها الجديد انه ليس في التوراة أو الانجيل أي وعد لهم بالعودة الى فلسطين بعد ذلك، بل ان السيد المسيح عندما تكلم على عقاب الله لليهود وتشتيتهم، لم يذكر شيئا عن وعد الله لهم بفلسطين حتى الرسل لم يذكروا شيئا في الانجيل عن الأرض أو العودة أو شعب الله المختار، بل على العكس نرى «بطرس» يخاطب في رسالته الأولى في الانجيل عامة المؤمنين قائلا: «أما أنتم فجنس مختار، أمة مقدسة، الذين كانوا قبلا لم يكونوا شعبا وأما الآن فأنتم شعب الله ثم يعود فيكرر بولس في الانجيل ايضا في رسالته الى أهل غلاطية «ليس يهوديا ولا يونانيا. ليس عبدا ولا حرا. ليس ذكرا ولا أنثى لأنكم جميعا واحد.. فأنتم نسل ابراهيم وحسب الموعد ورثة» وهنا يبدو النفي واضحا منذ البداية. هذه المقالة الصغيرة ليست بحثا موسعا لملاحقة تلفيق اليهود للتوراة والانجيل لكن من العجيب ان نرى كيف استبعد الانجيل اليهود من الميراث ومن كونهم شعب الله المختار ان يأتي بعض مسيحيي الغرب اليوم ليقولوا ان لليهود وحدهم الحق في هذا الارث (فلسطين) بينما ينكرونه على الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين. وبيّن ابراهيم الخليل بين ابرام التوراتي وبراهما الهندي تؤكد د. منى الياس ان قصة النبي ابراهيم في القرآن الكريم معروفة ولا تحتاج الى مزيد شرح أو تفصيل، لكن الأمر الذي يدعو الى الاستغراب هو ان التوراة التي بين أيدينا الآن لا تشير الى العلاقة الحميمة والانسانية والجذرية للنبي ابراهيم ببلاد العرب الحجازية، بل تصر من جهتها على الصمت المطبق ازاء ما أعلنه القرآن الكريم، فالتوراة الحالية هي كتاب في التاريخ في المقام الأول فيه أخبار الأمم السابقة والمعاصرة وأساطيرهم تمت صياغتها أو صياغة هذا التاريخ فيها وفق أهداف أصحابه وخططهم حتى ان التاريخ يشكل ـ دون مبالغة ـ أكثر من ثمانين بالمئة من مجموع صفحاته المكتظة بالاسفار والتي تبلغ 1300 صفحة ونيفا. فقصة ابراهيم كما وردت في التوراة أو بعبارة أدق «ابراهيم التوراتي» بمجمله ما هو الا شخصية اسطورية، قصته هي احدى قصص الآباء الروحيين القدامى واسماؤهم في حقيقتها هي أسماء لشخصيات إلهية في عبادات قديمة، حيث كانت أساطيرها متداولة قبل التوراة في القصص الاسطورية لبلاد كنعان ضمه العبريون الى تراثهم ومن ثم وجد طريقه الى التدوين في التوراة باعتباره قصصا لأنبياء من بني اسرائيل وبينها قصة ابراهيم كما وردت في التوراة الحالية. وعن أرض الميعاد بين يعرب وابراهيم نرى ان التوراة الحالية اقتبست اسطورة «أرض الميعاد» ضمن ما اقتبسته من الاساطير البابلية والعربية القديمة ومجمل أساطير الشعوب التي سبقت وجود العبريين على مسرح التاريخ في منطقة الشرق القديم وان مقارنة بسيطة كمثال بين القصة البابلية للطوفان وبين القصة التوراتية ترينا بوضوح ان الثانية مقتبسة من الأولى حرفيا وان متعصبي اليهود وغلاة أصولييهم ومعظم احزابهم يحملون اليوم هذاالتوراة الاسطوري الذي كتبه أحبارهم وحاخاماتهم وفقا لأهدافهم السياسية تحت ابطهم ويعتبرونه مرجعهم الجغرافي الأول والمحرك الأساسي لسياستهم واجتماعاتهم ومفاوضاتهم لأنه يرسم بدقة حسب زعمهم الحدود الجغرافية للأرض التي أعطاها الله لهم وشرع لأحفادهم الاستيطان فيها. وفي هذا الاطار تؤكد د. منى الياس ان أحبار اليهود وحاخاماتهم سطوا على الكثير من أساطير الشرق القديم وحوروها وفق مصالحهم السياسية ثم بثوها في التوراة أثناء فترة السبي في بابل للادعاء ان لهم حقا إلهيا في العودة الى فلسطين (أرض الميعاد) ثم عادوا اليوم ليستندوا الى هذه الأساطير التي «فبركوها» في تسويغ سياستهم التوسعية معتبرين هذه الأساطير حقائق الهية منزلية و«تابو» لا يجوز التفكير بالنقاش فيه، أي انهم يجادلوننا بحجج هم وضعوها، ولعل ما نحتاج اليه في هذه المرحلة بالذات هو الاعلان للعالم وبجميع لغاته ان ما استند اليه «بلفور» لتهجير العرب من فلسطين وما استندت اليه الامم المتحدة في قراراتها لاقامة «دولة اسرائيل» ما هو الا اساطير اقتبسها اليهود من آداب الشرق القديم وعلينا استخراجها وتوضيحها تباعا وهذا اكبر دليل لنقض الادعاء بالحق التاريخي لليهود في فلسطين وهذه افضل الطرق التي يجب ان يتم التركيز عليها للحصول على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. من جهة اخرى تشير الدكتورة منى إلياس الى مسألة مهمة في التعامل مع التوراة الحالية وهي ان اساطير الحضارة السومرية المعقدة قد استقرت في منطقة التوطن الاشوري البابلي وتفاعلت مع الحضارات التي تلتها ومن ثم اصبحت الاشعاع الفكري الذي تأثرت به مجمل ثقافاته منطقة الشرق القديم، ثم اتي كتاب التوراة التي بين ايدينا الآن ليعيدوا صياغتها وينسبوها الى التوراة بشكل معه يمكن القول ان ما ورد في التوراة التي بين ايدينا من مزامير وأمثال وشرائع وأساطير وجغرافيا وتاريخ ومصطلحات هي مدونات متأخرة بدأها أحبار اليهود وأكملها حاخاماتهم فيما بعد وهي بمجملها تعود الى المصادر الثقافية القديمة لشعوب كانت سابقة في التحضر والتمدن والوجود على الارض. وتشير الكاتبة الى ما قاله المفكر الفرنسي فولتير قائلا: كيف السبيل الى الاعتقاد بأن كل ما تقصه التوراة هو من وحي إلهي؟ فإذا كان الله هو الذي أملى هذه التوراة حق لنا ان نتعجب: هل اله ذو أفكار خاطئة في علم الفلك كما انه يجهل علم تاريخ الحوادث ويجهل الجغرافيا جهلا تاما. لذلك فإن مهمة تعرية المرتكزات التوراتية «الالهية» لسياسة الاستيطان التي يحمل لواءها متعصبو اليهود واليوم واجب عربي قومي على جميع العرب ان يساهموا فيه بأقلامهم لاستثمار المناخ العام الذي طرأ على أوروبا الآن مع وعي كامل بأنه احد اهم ساحات الصراع السياسي والثقافي الطويل والمرير بين العرب واسرائيل. وتشير د. إلياس الى مدخل لدراسة الكتاب المقدس صادرة عن دار المشرق ببيروت عن هيئة عليا من الاكليروس المسيحي الكاثوليكي المعروف بشدة تمسكه، بأن اسفار العهد القديم «التوراة» من عمل مؤلفين ومحررين ظل عدد كبير منهم مجهولا، لكنهم على أي حال لم يكونوا منفردين، لأن الشعب الذي كانوا يقاسمونه هموم الحياة وآمالها كان يساندهم ومعظم عملهم مستوحى من تقاليد الجماعة وقد انتشرت أسفارهم زمنا طويلا بين الشعب قبل ان تتخذ شكلها النهائي وضمت من الكتب المختلفة جدا.. بعضها وضع بالعبرية مع بعض المقاطع الآرامية وبعضها الآخر باليونانية وهي تنتمي الى اشد الفنون الادبية اختلافا كالرواية التاريخية ومجموعة القوانين والوعظ والصلاة والقصيدة الشعرية والرسالة والقصة، وقد حملت هذه الاسفار ردود فعل القراء في شكل تعليقات وتنقيحات، بل وفي شكل اعادة صياغة لبعض نصوصها بعيدا عن اية فلسفة منظمة حتى ان احدث الاسفار ـ احيانا ـ هو تفسير لكتب قديمة ولم يكن هناك حدود للكتابات المعترف بها انها وحي من الله لدى حاخامات اليهود، لانها اضافات كانت مستمرة والقائمة مفتوحة. ثم تحدثت هذه الدراسة اليسوعية عن ترجمة العهد القديم في عهد بطليموس الثاني 285 ـ 246 ق.م في الاسكندرية وهي المشهورة باسم الترجمة السبعينية حيث ذكر ان 72 من احبار اليهود قاموا بترجمة التوراة من العبرية الى اليونانية وكانوا يتناوبون عملهم لمدة اثنين وسبعين يوما متواصلا مضبوطا، ثم ضاعت الاصول العبرية ولم يبق الا الترجمة اليونانية التي اصبحت هي المعتمدة بعد ان اعيدت ترجمتها الى العبرية مرة اخرى في القرن السادس عشر بعد الميلاد، حيث يبدو ان هذه الترجمة هي اصل المدونات الرسمية للتوراة الحالية فهذه الاسطورة المروية خالية من القيمة التاريخية لان اليهود الناطقين باليونانية كانوا ينسبون الى المترجمين الهاما حقيقيا؟ هذا وتخصص د. منى إلياس فصولا من كتابها الجديد للحديث عن القدس عبر التاريخ والأوقاف الاسلامية وأسطورة الماسا واليهودية وفصل خاص عن الجولان المحتل. غزوان عمر