الامام الشافعي هو «محمد بن ادريس بن العباس» ويصل نسبه الى «هاشم بن عبدالمطلب بن عبد مناف» ولهذا النسب الشريف يكون ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجتمع معه في «عبد مناف». اجتمع عليه في طفولته: الغربة واليتم والفقر، فقد ولد سنة مئة وخمسين للهجرة «بفلسطين» بمدينة «غزة» على الأرجح، او «عسقلان» بعيدا عن موطن قومه «بمكة المكرمة» ومات ابوه قبل ان ينعم بمعرفته وتركه الى امه، وكانت امرأة من «الأزد» التي رأت ان تنتقل بولدها الى مكة المكرمة، ليعيش بين أهله، وفيها أخذت مواهبه تتفتح، وشرع في طلب العلم، فحفظ القرآن الكريم وهو حدث، ثم اخذ يطلب اللغة والشعر والادب، حتى برع في ذلك كله، ثم انصرفت همته لطلب الحديث والفقه من شيوخها. وقد لزم الامام الشافعي الامام مالك بالمدينة، حتى مات سنة 197 ه، وظهر نبوغه في الفقه وفي سائر ما عني به من العلوم، ولهذا لا عجب ان رأينا شيخه الاول مفتي مكة المكرمة، وهو «مسلم بن خالد الزنجي» يأذن له بالافتاء وهو دون العشرين من عمره ويقول له: افت يا أبا عبدالله، فقد آن لك ان تفتي. وكان من دأب العلماء الرحلة في طلب العلم، والسماع من شيوخه، لا يبالون في هذه السبيل بما يصيبهم من تعب، ولذلك رأينا «الشافعي» يرحل من «مكة» المكرمة الى المدينة، فيلقى إمام دار الهجرة، ويأخذ عنه، وتراه بعد ذلك في العراق اكثر من مرة، ثم في مصر أخيرا، حيث استقر به المقام، الى ان لقي ربه عام 204هـ بعد ان ملأ الأرض علما. وقد شرع الامام الشافعي في التأليف، منذ ان أحس بالنضج العلمي وكانت نتيجة ذلك كتب كثيرة يصعب احصاؤها، وبعضها كتبها بنفسه، وبعضها أملاه على رواته، وحاملي فقهه وعلمه. اما كتابه «الرسالة» فقد كتبه الشافعي مرتين، الاولى بمكة المكرمة، حين طلب اليه «عبدالرحمن بن مهدي» ان يصنع له كتابا في معاني القرآن، ويجمع مقبول الاخبار فيه، وحجة الاجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن الكريم والسنة الشريفة، فوضع له كتاب «الرسالة». ثم كتبه مرة ثانية «بمصر» بعد ان اعاد النظر فيه، وهذه هي الرسالة التي وصلت الينا، وبهذا الكتاب الفريد في عصره، صار الشافعي هو الواضع لعلم اصول الفقه، باجماع الذين ترجموا له. وللكتاب خطة، جعلها الامام الشافعي مقدمة له، وفيها ذكر ان القرآن الكريم قد جمع الله فيه ما أحل وحرم، وما يجب علينا ان نتعبد به مما افترضه علينا، ووعدنا عليه بثوابه، ولهذا كان حقا على طلبة العلم، بلوغ غاية الجهد في الاستكثار من علمه نصا واستنباطا، والرغبة الى الله في العون اليه، فإنه لا يدرك خيرا إلا بعونه، وكان آخر الخطبة هذه الكلمة البليغة، فليست تنزل بأحد من اهل دين الله نازلة، إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. وكان من الطبيعي والقرآن عماد الدين، وفيه بيان ما أراد الله بيانه من الاحكام، ان يبدأ الشافعي الرسالة بباب بين فيه كيف بيان كتاب الله لما جاء به من أحكام العبادات والمعاملات، لأن البيان اسم جامع لمعان مجتمعة الاصول متشعبة الفروع. وبعد ان عرض مراتب البيان الخمس، تناولها بالايضاح في أبواب خمسة، بذكر شواهد وأمثلة لكل منها. فمن البيان في القرآن، ما يكون نصا لا يحتمل التأويل، وذلك كمجمل ما فرضه الله من صلاة وزكاة ونحوهما، ومثل ما حرمه من أكل الميتة ولحم الخنزير ونحوهما ومنه ما أحكم الله فرضه في الكتاب، ثم بينه على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة وأوقاتهما، ومنه ما سنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مما لا نص فيه في الكتاب، وتكلم الشافعي في الرسالة بعد ذلك عن الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه. وبعد ذلك نرى الشافعي يخصص بابا للعلم، وما يجب على الناس فيه، فيذكر ان العلم علمان، علم عامة، مثل الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحج البيت على المستطيع، والزكاة في الاموال، وتحريم الربا والزنا والقتل.. الخ مبينا ان هذا الصنف من العلم موجود نصا في القرآن الكريم. اما النوع الثاني: فهو علم احكام فروع الفرائض وغيرها، مما ليس فيه نص قرآني ولا في اكثر نص سنة، وما كان يحتمل التأويل، وهذه الدرجة من العلم لا تبلغها العامة، واذا قام بها من الخاصة من فيه الكفاية، لا يكون حرج على من تركها. مبينا بالأدلة على وجوب المصير اليه عند الضرورة وشروط القياس الصحيح ومن يجوز شرعا له ان يقيس ثم من يصح منه الاجتهاد في أحكام الله فهو يقول: ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بكتاب الله فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وارشاده، ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يجد سنة، فباجماع المسلمين، فإذا لم يكن اجماع، فبالقياس، ولا يكون لأحد ان يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف، واجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، ولا يكون له ان يقيس حتى يكون صحيح العقل وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل القول دون التثبت. إعداد ـ محمد سطام الفهد