برنار رايمون هو استاذ شرف لمادة «الثيولوجيا» العملية في جامعة لوزان.. وهو احد الاخصائيين المعروفين في ميدان العلاقات بين الثقافة والمسيحية.. وكان قد سبق له ونشر عام 1999 كتابا تحت عنوان «البروتستانتية والصورة» وكتابا اخر بعنوان «فن العمارة الديني للبروتستانتية». «البروتستانتية والموسيقى» عنوان يحمل قدرا كبيرا من «الاثارة».. ولكن هذه الاثارة تتلاشى شيئا فشيئا عند قراءة هذا العمل.. حيث يبدو ان هناك الكثير من «التناغم» بين «الموسيقى والبروتستانتية» يقول المؤلف في احدى الجمل الاولى من كتابه بأنه يكفي للتأكد من وجود مثل هذه العلاقة «الاستماع الى احدى القطع الموسيقية لجان سيباستيان باخ» ثم يؤكد في شروحاته اللاحقة بأن علاقة البروتستانتية مع الموسيقى هي علاقة متينة، مثل علاقتها مع الفنون الاخرى مثل الصورة وفن العمارة والمسرح، ولكنه يؤكد بنفس الوقت بأنه كان للموسيقى مكانة خاصة في اطار حركة «الاصلاح» البروتستانتي التي قادها مارتن لوثر، هذا الى حد قوله بأن الموسيقى تشكل «جزءا من البيت ـ البروتستانتي ـ بحيث لا يمكن فصلها عنه دون المساس بهوية البروتستانتية ذاتها، ولا شك بأن هذا الرأي يتعارض كثيرا مع اراء العديد من البروتستانتيين انفسهم. ولكن في مواجهة مثل هذه الاراء لا يتردد المؤلف في ان يكتب: «ان مؤلفين موسيقيين من أمثال باخ وهاندل وشومان وبرامز.. الخ لم يساهموا في اغناء التراث الموسيقي الغربي فحسب، ولكنهم ساهموا ايضا بطريقتهم بتهيئة الفكر البروتستانتي» وهذا ما يدل عليه واقع وجود عدد من القساوسة الموسيقيين». الخطوة الاولى في بحث المؤلف عن العلاقة بين الموسيقى والبروتستانتية تمثلت في محاولته اعتبار الموسيقى بمثابة «فعل قائم بذاته» وبحيث لا يتم خلطه مع الخطاب حول الموسيقى»، فما هي الموسيقى؟ يتساءل المؤلف ثم يستعير في اجابته رأيا للفيلسوف «جان كلود بيغيه» ـ فيلسوف الموسيقى ـ يقول فيه: «من الواضح ان السيمفونية الموسيقية لا تكشف عن مكنونها الا عبر الاستماع لها «هكذا نجد ان الموسيقيين لا يتحدثون سوى قليلا عن الموسيقى» انهم يفضلون عزفها» وقبل الحالات، يرى المؤلف بأن «اي حديث ـ او خطاب يصاغ بالكلام لن يستطيع التوصل الى التعبير عنها بعمقها. انه يستطيع فقط ان يلم بها، لنقل، من الخارج ويصف خصوصياتها الاكثر بروزا.. ويحلل اشكال السلوك الصادرة عنها». والموسيقى هي اذن «ظاهرة كونية ـ يونيفرسال».. هذا وقد كان الفلاسفة القدماء وفلاسفة العصور الوسطى في اوروبا يقولون بوجود علاقة وثنية بين الموسيقى وواقع الانسجام بين المجرات.. لكن عملية اعطاء الموسيقى صفة كونية انما هي صادرة عن الانسان ذاته.. وبالتالي هي عملية «ذات طابع ثقافي» وهناك دلالات قاطعة بأن اقدم الثقافات الانسانية المعروفة قد عرفت اشكالا من التعبير «الموسيقي». لكن المؤلف يركز على القول بأن الموسيقى السيمفونية ـ التأليف الموسيقي ـ هي بمثابة نتاج للثقافة الاوروبية في نهايات العصور الوسطى، وهي في نفس الفترة والاطار الجغرافي اللذين ازدهرت فيهما البروتستانتية بمثابة «ظاهرتين حديثي العهد بحيث يعود وجودهما الى حوالي خمسة قرون من الزمن». ويشرح مؤلف هذا الكتاب ما يسميه «الخيارات الموسيقية للاصلاح اللوثري ـ نسبة الى مارتن لوثر» انه يؤكد في هذا السياق بان مارتن لوثر نفسه واولئك الذين كانوا معه قد اعتبروا بأن الموسيقى «هبة سماوية».. وانها ليست مكرسة فقط لمرافقة الطقوس الدينية وانما اعتبروها بمثابة «هبة مكرسة لاستخدام الجميع وليس للقساوسة وحدهم» تجدر الاشارة هنا الى ان هذا الرأي كان مثار نقاش كبير داخل الكنيسة بين مؤيديه ومعارضيه، اما بالنسبة لمارتن لوثر فانه «كان يحب الموسيقى» كمزاج شخصي اولا ولكن ايضا كخيار فلسفي يتماشى ايضا مع قناعاته الثيولوجية» لكن «مفهومه عن الموسيقى بقي متأثرا بوضوح بسياق العصر الوسيط الذي كان يطبع ثقافته بطابعه.. وكان مثله بذلك مثل معاصريه اذ تبنى الجميع المقولة الافلاطونية حول «الموسيقى السماوية» هذا الى جانب تأثرهم ايضا بفلسفة افلاطون. ان مؤلف هذا الكتاب يكرس عدة صفحات لمناقشة مسألة مكانة «الارغن» في الموسيقى الكنسية. اذ وبعد ان كان «مارتن لوثر» قد وجه نقدا عنيفا لهذه الآلة عام 1520 عاد بعد سنوات ليغير رأيه وان يقبل ان ترافق الترانيم الكنسية. لكن عاد بعض القساوسة المتزمتين لمنعها من جديد على خلفية «نزعة متزمتة» حيث انهم اعتبروا بأن ابعادها بمثابة اجراء يذهب باتجاه نقاء روحاني اكبر».. لكن ذلك المنع لم يستمر طويلا الا في بعض الحالات. وكان الانتاج الموسيقي في الحقبة اللوثرية وما تلاها مباشرة يتماشى مع «نزعة انسانية» كانت سائدة في فرنسا خاصة وتقول بوجود رابطة وثيقة بين الشعر والموسيقى. ولكن وحتى القرنين السابع عشر والثامن عشر لم يكن يتم تنظيم اللقاءات الموسيقية التي يأتي اليها الناس خصيصا للاستماع ويجلسون للاصغاء فقط للموسيقى كما هو الحال اليوم. الاستثناء الوحيد في هذا الاطار كان هولندا التي كانت مزدهرة آنذاك في جميع الميادين، لكن التبدلات الثقافية والاجتماعية التي عرفها المجتمع الغربي خلقت سياقا جديدا شجع على ازدهار الموسيقى وحيث كانت فترة اواسط القرن الثامن عشر «قرن التنوير» قد شهدت منعطفا تمثل بعودة «الارغن» الى المعابد وباعتبار الموسيقى صيغة ثقافية جديرة بالاحترام «وهي صيغة انسانية.. وانسانية فقط». .. وفي الاصل كانت الموسيقى