«السريالية ليست شكلا شعريا وانما هي صرخة تنبعث من الروح كي تعود نحو ذاتها»، هكذا جاء في «البيان السريالي» الصادر عام 1920 الذي صاغه اندريه بروتون «المؤسس الرئيسي لـ «الحركة السريالية»، والذي عرف «الفعل السريالي بأبسط صوره هو ان تنزل الى الشارع ومسدسك بيدك ثم تبدأ باطلاق النار عشوائيا على الجمهور وبقدر ماتستطيع». وفي هذا الكتاب عن «السرياليين» يرى المؤلف «جان لوك ريسبان» الاخصائي بالحركة السريالية، بان الحرب العالمية الاولى 1914 ـ 1918 وما عرفته خلالها اوروبا من آلام لم تكن بعيدة عن انبثاق الحركة السريالية فيما بعد منذ مطلع عقد العشرينيات. ان جيلا كاملا من الشباب قد تمت التضحية فيه في اتون تلك الحرب، وهذا مادفع شاعرا مثل «بول فاليري» الى القول: «نحن ابناء الحضارات الاخرى، نعرف اليوم باننا فانون» في هذا السياق من الدماء ومن «الوحل» ظهرت اولا حركة «الدادائية» في الرسم كي تليها مباشرة، بل وتنبثق من اعماقها، الحركة السريالية وحيث كانت الدادائية والسريالية مثل موجتين تغطي احدهما الاخرى بين الحين والحين» وكانت حركة الدادائية قد ظهرت اولا اثناء الحرب وتحديدا عام 1916 ولكن ماذا تعني كلمة دادائية؟ يتساءل الكثيرون، الاجابة هي بكل بساطة «انها لا تعني شيئا». ومن اهم رموز السريالية «اندريه بروتون». وكانت الحرب قد خلقت في اعماقه الميل نحو «التمرد السياسي». ولكن وبما ان تغيير العالم لم يكن ميسورا فان بروتون قد رفع شعار «تغيير الحياة»، كما كان قد كتب ذات يوم ارثور رامبو واضاف اندريه بروتون: «هاتان الكلمتان لاتعنيان بالنسبة لنا سوى كلمة واحدة هي التغيير» وكان اول مايهم اندريه بروتون هو محاولة «سبر اغوار اعماق اللاوعي» ثم تبنيه لما يسميه بـ «خطاب الجنون» و «الخطاب حول الجنون» واهتمام آخر وجوهري ايضا في حياته هو «الحب» وكان «بروتون» يعبر عن مقولاته «السريالية» في مجلة «ادب» التي كان يديرها بالاشتراك مع الشاعر الكبير لويس اراجون، وفيليب سوبو، وكان الشاعر «بول فاليري» هو الذي اعطى للمجلة «عنوانها» لكنه وقف سريعا عن التعامل معها والمساهمة فيها لانه اعتبر بان ذهنيتها لا تتوافق كثيرا مع ذهنيته لكن مجلة «ادب» كانت في الواقع بمثابة المختبر الحقيقي الذي صيغت في خباياه الاطروحات السريالية، وضمن هذا الاطار يتحدث المؤلف عما يسميه بـ «الفرسان الاربعة للسريالية» اي اندريه بروتون و «بول ايلوار» و «تريستان زارا» و «دومينيك بيريه» يضاف لهؤلاء الشاعران «ايو لينير» و «لويس اراجون» وايضا فيليب سوبول الذي كان قد قدم مع اندريه بروتون مسرحية تحت عنوان «من فضلك». وكان «لويس اراجون» قد التقى مع المؤسس الرئيسي للسريالية، اي اندريه بروتون في احدى المستشفيات الباريسية ليصبحا صديقين قريبين ويمارسا معا جميع نشاطات المجموعة السريالية وذلك حتى عام 1930 حين التقى اراجون بـ «اليزا تريوليه» والتي سافر معها الى الاتحاد السوفييتي (آنذاك) من اجل اكتشاف ذلك البلد المجهول بالنسبة له. وكان «بول ايلوار» سليل نفس الاسر السريالية الصغيرة مثل بقية زملائه في المجموعة السرالية الذين لم يكونوا يولون اهتماما كبيرا للقواعد الاجتماعية السائدة، وانهم كانوا يهاجمون من كانوا يسمونهم بالادباء التقليديين، هكذا نرى ان فيليب سربول يشن هجوما عنيفا على الكاتب الفرنسي المعروف «انا تول فرانس» يوم وفاته، يقول: «بما ان العادة هي اليوم وضع سعف نخيل على النعش، فاننا نتمنى ان يكون هذا السعفة ثقيلا بأكبر درجة ممكنة ولننسى هذه الذكرى» ان مثل هذه الافكار تجد صداها في كتاب «الثورة السريالية: 1924 ـ 1933». اما «لويس اراجون» فقد كان لفترة من الزمن بمثابة الفيلسوف الشاب للمجموعة السريالية، وكان قد اعلن بعد عودته من زيارة لموسكو وشجب الجمود العقائدي الذي كان يخيم على الحياة في الاتحاد السوفييتي هذا وقد اقصى بروتون، ولكن ايضا «ايلوار» و «بروتون» من الحزب الشيوعي الفرنسي بسبب عدم انصياعهم «للخط الرسمي. وكان هؤلاء جميعا قد انخرطوا في العمل السياسي عبر التزامهم الحزبي ورأوا بانهم قد تخلصوا من هذا العبء عندما تخلصوا عن ذلك الالتزام وكان اندريه بروتون من اشد السرياليين عداء للستاليين وكان يرفض بشدة تلك المقولات التي تقيم نوعا من التماثل بين السريالية وبين «الماركسية» بل انه قاد في مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي حربا «ادبية» ضد تيار «الواقعية الاشتراكية» الذي كان يتمتع بوجود قوي .. وحاول «بروتون» ومن بقي حوله من السرياليين اعطاء ابعاد دولية لحركتهم عبر تنظيم عدد من المعارض السريالية الدولية». ولا تزال السريالية حاضرة حتى الآن في العديد من مظاهر الادب والفن .. وان لم يعد هناك سرياليون خالصون