بيان الكتب: قضية الترجمة لم تعد اليوم تهدف الى معرفة علوم الآخر للاستزادة فحسب وإنما غدت القضية أكبر من ذلك فالعالم يعيش عصر تأجج الصراع الايديولوجي وقد اتخذت خريطته تقسيما آخر لا يعتمد على الجغرافيا، والتواصل التاريخي فحسب وإنما صارت للتقسيم معايير أخرى لعلها جعلت من القوة والمقدرة على السيطرة التكنولوجية مقياسا آخر الى الايديولوجيات، وهذه الحساسية والدقة في التقسيم اقتضت ان نمد أعناقنا لنرى ونطلع على مضامين الآخر ونتعرف على حقائق نظرته وتوجهاته سيما وان ذلك كله يفرض علينا ان نمد جسورا الى الآخر لنصل اليه ولنعلم اذا مددنا أعناقنا ماذا يدور في ساحته، وهذه الجسور في جميع الاحوال ومختلف الامكنة والأزمنة هي الترجمة، فهل استطعنا كعرب ان نمنح هذه الجسور ما تستحق من المتانة والتوطيد حتى نعبر عليها ونحن مطمئنون، ربما لم يكن الحال كذلك وإلا لما فصلنا بون شاسع من حضارة الغرب المعاصرة. حرصاً على تدعيم جسور الترجمة ومدها بشكل صحيح جاءت الندوة التي عقدها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت حول «الترجمة والثقافة العربية» ويتضمن الكتاب الذي يحمل عنوانها الابحاث التي دارت فيها والتعقيبات على الابحاث. ثلاثة محاور دار حولها الكتاب أولها كان حول الثقافة العربية والترجمة ومشكلات المصطلح وقد بدأ هذا المحور بدور الايديولوجيا في قتل الترجمة وهو بحث قدمه المفكر الدكتور جورج طرابيشي وبيّن فيه ان مصائر الترجمة في الثقافة العربية الاسلامية الكلاسيكية تبدو معاكسة لمصائرها في الثقافة العربية الحديثة لا في ساعات الممات فحسب، بل كذلك في ساعة الميلاد، ثم توقف الدكتور طرابيشي في بحثه القيم مع أول مترجم في الاسلام وهو زيد بن ثابت الانصاري الخزرجي وقد كان يكتب الى الملوك وترجم للنبي صلى الله عليه وسلم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، ثم تناول الباحث أول حركة ترجمة في الاسلام وهي حركة نقل الدواوين وتعريبها في القرن الأول من عهد بني أمية. وتحول الى أول من أمر بالترجمة من أمراء الاسلام هو خالد بن يزيد بن معاوية الملقب بـ «حكيم آل مروان» وأول كتاب ترجم في الاسلام كان «الخلاصة الطبية» أو «الكناش»، بعد ذلك يصل المحاضر الى بؤرة البحث وهو العامل المذهبي أو الايديولوجي (حسب لغة العصر)، فقد أدخل المأمون عاملا ايديولوجيا مباشرا في تحفز عملية الترجمة فهذا لا يعني ان هذه العملية قد تمخضت عن ايديولوجيا مترجمة كما هو واقع الحال في حركة الترجمة المعاصرة في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، فقد كان محصل العملية الثقافية الكبيرة التي قادها المأمون هي ترجمة كامل المنظومة الفلسفية الافلاطونية، ولكن اعتزالية المأمون التي فتحت الابواب أمام حركة الترجمة هي التي قدمت الذريعة للخصوم ـ خصوم الاعتزال والفلسفة ـ ليعيدوا اغلاق ذلك الباب، وتلا اغلاق ذلك الباب ومنع النسائم القادمة من التغلغل في المجتمع مجازر ثقافية تمثلت في ظاهرة حرق الكتب التي امتدت من أهل السلطان الى العامة بتحريض من المتعصبين والفقهاء، وطالت النيران مختلف علوم الأوائل المترجمة، وتكررت عمليات الحرق بمظاهر شتى بعضها محارق نظرية، ويستعرض الباحث مظاهر الحصار الايديولوجي التي فرضت في القرون المتأخرة، وقد عقبت على البحث الدكتورة معصومة المبارك، وتوالت بحوث المحور الأول وكانت حول اللغة العربية واللغات الاخرى للدكتور بسام بركة، والبحث الثالث دار حول تعريب العلوم والتكنولوجيا وضرورته مع توجه العالم نحو اقتصاد المعرفة للدكتور محمد مراياتي وآخر أبحاث المحور الأول اتخذ من تعالي المصطلح وانحناء التعريب فكرة له وقدمه الدكتور سعد بن عبدالرحمن البازعي. لعل كلمة الدكتور محمد الرميحي أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب في افتتاح الندوة كانت بمنزلة اضاءة مهمة على حركة الترجمة ومدى الاهتمام بها في الكويت حيث يولي المكتب الوطني للترجمة أهمية خاصة فمن جملة اصدارات سلسلة عالم المعرفة البالغة 2659 اصدارا ـ أثناء عقد الندوة ـ هناك 105 اصدارات مترجمة وسلسلة «المسرح العالمي» التي أصبح اسمها «ابداعات عالمية» هي مترجمة بكاملها ايضا، وبجانب «عالم الفكر» التي لم يخل عدد من أعدادها من موضوع مترجم هناك مجلة الثقافة العالمية التي تقوم على ترجمة المقالات والدراسات الاجنبية الجادة في مختلف مجالات الثقافة والعلوم، ثم يتساءل الدكتور الرميحي عن المعرفة، فهل هي القادمة من الغرب الصناعي فقط والمقصورة عليه؟ وماذا عن الترجمات الأخرى (التركية والفارسية والصينية وغيرها) وهو الأمر الذي حرص عليه المجلس وحاول تحقيقه! فالترجمة ـ وحسب الدكتور الرميحي ـ من روافد الثقافة، والثقافة قاعدة أساس النهضة لبلادنا وتنمية مواردها. المحور الثاني للكتاب «الواقع الراهن لحركة الترجمة العربية» شمل خمسة أبحاث كانت ورقة البحث الأول عن واقع الترجمة العربية اليوم، تجربة مصر والمشرق العربي وقدمها الاستاذ سامي خشبة، فيما جاءت الورقة الثانية عن واقع الترجمة العربية اليوم.. تجربة المغرب العربي قدمتها الدكتورة فاطمة الحبابي وتمحورت الورقة الثالثة حول الترجمة للطفل العربي وهي للدكتورة سمر روحي الفيصل، وقدمت الدكتورة نادية حجازي الورقة الرابعة حول «الترجمة الآلية.. هل هناك آفاق حقيقية؟» وقدم الاستاذ شوقي جلال آخر الابحاث في المحور الثاني عن الترجمة العربية والمستقبل بين دور الدولة والمترجم. وفي ورقته أوضح شوقي جلال ان الترجمة التماس للمعرفة مجتمعيا، فالمجتمعات في حركتها وفي تناقضها وتعاونها وصراعها تسير بين بعدين «الثقافي والتكنولوجي» وهذان البعدان على الصعيد الانساني في تطور مطرد، وإذا كانت الحضارة هي الابداع العلمي الثقافي قرين اطار فكري قيمي، بمعنى ان التطور الثقافي في المجتمعات لا يعني فقط تطور وارتقاء الادوات المادية بل تطور وارتقاء الأداة المعنوية التي هي الثقافة، فإن الثقافة متغيرة ومتفاعلة وهي اجمالا أداة المجتمع لتشخيص ظواهر الحياة وتحديد أسلوب التعامل الهادف معها، ثم يحدد الباحث الهدف المحرك أو معنى المستقبل، ويلتفت المحاضر في ورقته الى حقوق المترجم في عالمنا العربي ودور الدولة في تأهيل المترجمين وتهيئة المعرفة للأفراد ولذلك عليها ان تضع خطة للترجمة في سياق الاستراتيجية التنموية وعليها ان تخلق بيئة تنشئة اجتماعية وتعليمية تعزز النزوع الى تحصيل المعارف، ويقترح بل ويشجع انشاء اتحاد للمترجمين على الصعيدين المحلي والعربي واصدار تشريع يعطي حصانة فكرية للمؤلف ـ المترجم. وتركز المحور الثالث من الكتاب على بعض التجارب في الترجمة فخص الدكتور منصور أحمد بوخمسين ورقته بتجربة مجلة الثقافة العالمية ومسيرتها خلال عشرين عاما وتناولت الدكتورة سلمى الجيوسي تجربتها مع نقل الآداب العربية الى الآداب الأخرى وركز الدكتور عدنان الحموي على تجربة مجلة «العلوم» أما تجربة سلسلة «الألف كتاب» الأولى والثانية فقد كانت ورقة الدكتور محمد عناني وآخر أبحاث الندوة في محورها الثالث كان للدكتور جونثا لوفير ناديت باريا حول تجربة «جماعة ذاكرة المتوسط». وقد رصد الدكتور منصور بوخمسين مسيرة مجلة «الثقافة العالمية» التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت الذي تأسس في 1973 بمبادرة من أمير البلاد ومجموعة من الرواد منهم المرحوم عبدالعزيز حسين والمرحوم احمد مشاري العدواني وغيرهما. وبعد ان تتبع الباحث المسيرة الثقافية في الكويت يعرج على مجلة الثقافة العالمية التي بدأ اصدارها في نوفمبر 1981 كمحطة بارزة في المسيرة الثقافية وقد ذكرت في عددها الأول الهدف من اصدارها وهو تقديم الجديد من تيارات الفكر العالمي بمختلف الميادين الى القاريء وطريقتها هي الترجمة من مختلف الدوريات العالمية فهي ليست مجلة متخصصة ولذلك فقد عنيت بنظريات الفكر والسياسة والتنمية وبأجواء الفنون والآداب وبالدراسات التربوية والاجتماعية والمالية والاقتصادية وبمبتكرات التكنولوجيا وآفاق العلوم وبالمستقبليات وبالجديد من التراث والآثار وما الى ذلك. ويبقى هذا الكتاب الذي يعنى بأبحاث ندوة الترجمة ومعطياتها محفزا للنهوض بهذا الجانب «الترجمة» الذي يأتي بالجديد من المعرفة العالمية التي تساهم بدورها في نمو البلاد العربية ونهوضها، فالترجمة ذات دور جوهري في اخفاء المعنى العميق لمواكبة ومعرفة الآخر. الكويت ـ «بيان الكتب»