بينو أوليفي مؤلف هذا الكتاب هو مفكر سياسي ايطالي وكان قد عمل لعدة سنوات ناطقاً رسمياً باسم المجموعة الأوروبية في بروكسل، وهو يعرف بذلك عن قرب ما يجري في «كواليس» مسيرة التوحيد الأوروبي. تجدر الاشارة منذ البداية بأن صفحات هذا الكتاب تزيد على التسعمئة صفحة وهي ثرية وغنية بالمعلومات السياسية والتاريخية. ان المؤلف يقتفي فيها آثار مسيرة التكامل الأوروبي انطلاقاً من مؤتمر لاهاي وحتى آخر الاجتماعات الأوروبية التي شهدتها مدينة نيس في جنوب فرنسا في شهر ديسمبر عام 2000، وهو يبحث هذه المسيرة من مختلف وجوهها ومن زاوية الاقتصاد وانطلاقاً من السوق الأوروبية المشتركة وحتى تبني «اليورو» كعملة أوروبية موحدة تبنتها أغلبية دول الاتحاد الأوروبي كما يقتفي آثارها أيضاً على الصعيد السياسي وعلى صعيد مفاهيم الأمن الأوروبي والبحث عن منظومة دفاعية أوروبية موحدة، ووصولا إلى البحث في آفاق تحقيق سياسة أوروبية موحدة.. كذلك يبحث المؤلف في هذا السياق دور المحور الألماني ـ الفرنسي في اطار الاتحاد الأوروبي وآفاق هذا الدور.. ان المؤلف يتطرق لهذه المواضيع كلها بقدر كبير من المنهجية والدقة والتوثيق والوضوح. ان المؤلف يحاول ان يقدم لقارئه رؤية تاريخية وتحليلاً توليفياً بنفس الوقت، كما يقدم أيضاً رؤيته للعديد من المشاكل المعقدة التي لا تزال تواجه البناء الأوروبي الموحد والفاعل لا سيما على صعيد الوصول إلى تبني سياسة خارجية أوروبية موحدة حيال مجمل الأحداث والقضايا التي يواجهها عالم اليوم، كما هناك بعض الصعوبة في تحديد طبيعة العلاقة بين أوروبا الموحدة والمشاريع الامريكية الرامية كما يبدو بوضوح إلى السيادة على عالم اليوم في ظل العولمة. كما يرى المؤلف بأن البعد الاجتماعي لاوروبا لا يزال يشكل أحد مواطن الخلاف الممكن لا سيما في ظل وجود تيارين ايديولوجيين عريضين يؤكد أحدهما على الوزن الحاسم للبعد الاجتماعي في الوصول إلى توحيد أوروبي فاعل وحقيقي، بينما يؤكد التيار الآخر على البعد الاقتصادي وتوفير سبل المنافسة في الأسواق العالمية بعيداً عن الهم الاجتماعي. وصعوبة جوهرية ثالثة تتعلق بمعرفة امكانية تزويد الاتحاد الأوروبي بـ «دستور أوروبي موحد» لأن مثل هذه القضية تطرح مباشرة مسألة السيادة الوطنية بكل حدتها، ان المؤلف يرى باختصار ان تحقيق مثل هذا الدستور هو أمر جوهري للوصول إلى بناء أوروبي حقيقي