جون ريني شورت هو استاذ الجغرافيا في جامعة «ساراكوزا» سبق له ونشر العديد من الكتب من بينها كتاب شهير يحمل عنوان: «مثال الجمهورية: رسم خارطة الولايات المتحدة الامريكية 1600 ـ 1900». «الابعاد الكونية» هو كتاب عن العولمة بالمعنى السائد اليوم والتي تشكل دون شك احد اكثر الافكار نفاذاً وولوجاً في اعماق اصحاب القرار اليوم وعلى مختلف مشاريعهم ومستوياتهم. ان هذه العولمة تشكل حلماً بالنسبة للبعض بينما تشكل كابوساً بالنسبة لآخرين. وهناك ايضاً العديدون الذين يجدون انفسهم في المنطقة الوسط.. وبكل الاحوال تبقى المواقف محكومة بالزاوية التي يتم النظر فيها الى العولمة. ان الخطوة الاولى التي يقوم بها مؤلف هذا الكتاب تتمثل في استعراض مختلف استخدامات مفهوم «العولمة» وحيث ان الصحافة الشعبية تقدمه على اساس انه نوع من الوصول الى التشابه بين مختلف حكومات العالم من شعوب وامم. كما تستخدمه الصحافة الاقتصادية المختصة على انه مفهوم خاص بالتسويق، يري بيع اكبر كمية ممكنة من السلع ومن المواد الاولية. ومن الخدمات.. وذلك بحسب مصلحة كل طرف من الاطراف.. وفي كل الحالات يتم الحديث عن وجود قرية كونية، ولكن يتم في الواقع الراهن تغليب الواقع الاقتصادي عليها. ان مؤلف هذا الكتاب لا يتفق تماماً مع تعريف من هذه التعريفات المقدمة. ولا يقول بوجود القرية الكونية المزعومة. اذ انه يعتقد بأن العالم يزدهر اليوم على عدة مستويات اقليمية وعلى اساس عدة مناطق تتواصل فيما بينها وتتسق فيما بينها عن طريق الحوار وبحيث ان قيام حكومة كونية عالمية يرى البعض بانها ترتسم في الافق، سوف يعزز بالاحرى سيادات الامم المختلفة باعتبارها كيانات فردية للدولة.. وسوف لن يؤدي الى قمعها كما يتردد في التحليلات السائدة المقدمة والتي ترى بأن العولمة تعني اختراق الحدود وسيادات الدول، والانصياع شبه الكامل لمستلزمات اقتصاد السوق وقواعد اللعبة السائدة فيه. ان المؤف يقترح تعريفاً اخر ورؤية اخرى للعولمة ويؤكد ضرورة ان لا تحل العولمة محل مفاهيم الهوية بأن لا يؤدي التداخل بين المجالات الجغرافية، الى خلق نوع من النمطية الاحادية، في الفكر والسلوك. المطلوب بتعبير اخر هو صياغة روابط جديدة بين العام «العالمي» ومختلف الانماط الاجتماعية المحلية، التي تتمتع بقدر كبير من الاختلاف والتنوع مع احترام الخصوصيات التاريخية والثقافية لكل منها. ان المؤلف يشرح في الفصل الاول من كتابه ما يسميه ب«ديالكتيك العولمة» وامتزاج هذه الديالكتيكية، ومع الذاكرة الجماعية للبشر من موقع الحلم، احياناً ومن موقع الكابوس احياناً اخرى. وهذا ما يبدو بوضوح في مختلف الآراء المقدمة حولها.. ولكن المؤلف يؤكد ويلح على وجود ابعاد اقليمية ومحلية في اطار مجالات معينة، ولهذا يتحدث ضمن هذا المنظور عن عنصر المجال والمكان، في توجيه آليات العولمة.. وعلى عكس الرأي السائد بأن مسيرة العولمة تقلل من الاختلافات بين المجتمعات الانسانية وتدفعها نحو تبني مجموعة من القيم الكونية «يونيفرسال»، التي هي بقوة الاشياء القيم الغربية في السياق الراهن من تطور الانسانية، بأن المؤلف يؤكد بأن تزايد المنافسة الاقتصادية وسهولة انتقال رؤوس الاموال، انما يتزامن مع تطور ازدهار مجموعة من المجالات ذات خصوصية تؤكد على خصوصياتها وليس على توحدها مع النمطية العالمية السائدة، كما يقول المؤلف ويضيف: لقد اصبح العالم اكثر تداخلاً ولكنه لم يصبح بالضرورة اكثر تشابهاً، ولا شك بأن التكنولوجيات الجديدة قد ساهمت في رفع وتيرة تداخل العلاقات على صعيد العالم اجمع، لكنها اذا الغت المسافات الجغرافية فانها بالمقابل لم تلغ المسافات الاجتماعية. ولاتزال هناك فروقات كبيرة على صعيد التمايزات بميدان البيئة ومنظومات الضبط الاجتماعية والثقافية ذات الدلالة الحاسمة، ويشير المؤلف في هذا السياق الى افتقار الادبيات الكثيرة والوفيرة حول العولمة لاي بعد تاريخي حقيقي ولأية دراسة عبر الاعتماد على توضيح التمايزات على اساس المجال والمكان. وفي معرض المقارنة بين العولمة، ومفاهيم اخرى مثل المحلية، والقومية يؤكد المؤلف على نسبية هذه المفاهيم والمقولات كلها وحيث ان جميع الخصوصيات فيها شيء من العالمية. وهذا ما ينطبق بشكل اكبر واسع على ميدان الادب حيث ان بعض الكتاب الذين تعرضوا لمواضيع ذات خصوصية كبيرة ومغرقة في محليتها مثل كتابات الروائي الالباني اسماعيل قدري الذي كتب بالالبانية، والروسي ايثماتوف، الذي كتب بالقرغيزية، لكن اعمالهما تمت ترجمتها الى اغلبية اللغات العالمية بسبب ما تتضمن من قيم كونية، الخصوصية اذن لا تلغي الكونية.. كما ان الكونية لا تلغي بالتالي الخصوصية.. وهذا ما يحاول مؤلف هذا الكتاب شرحه وتوضيحه في تحليلاته بهذا الكتاب. ويشرح المؤلف في سياق آخر علاقة الزمان بالمكان في اطار العولمة وحيث ان التكنولوجيات الجديدة قد خلقت بعداً جديداً لهذه العلاقة.. اذ اصبح العالم يعيش الاحداث التي تجري فيه بشكل مباشر تقريباً.. ان الاحداث قد غدت ذات طبيعة عالمية لكن التعامل مع هذه الاحداث يخضع لمستلزمات الخصوصية، واذا كان العالم كله قد احتفل، او شارك في الاحتفال، بقدوم الالفية الثالثة، فإن كل مجال جغرافي استوعب هذا الاحتفال على طريقته، إذ هناك مسألة التكدس التاريخي، التي تعود وفي بعض الاحيان الى الآلاف بل عشرات ومئات الآلاف من السنين، منذ تكون المجتمعات البشرية حسب السياق والاطار الذي ولدت وترعرعت فيها. ان العولمة بالصيغة المطروحة تعني، كما يرى المؤلف، الاندماج باسم القيم الكونية، تحت لواء رقابة المركز الغربي عامة والامريكي خاصة. لكن فكرة العولمة نفسها ليست جديدة على الفكر الانساني وعلى احلام البشر، اذ ان المؤلف يتحدث عن مرورها بمرحلتين اساسيتين تفصل بينهما الثورة الصناعية الاولى التي خلقت وسائل اتصال وتواصل جديدة مع المخترعات التي توصلت اليها والتي لم يكن المحرك الانفجاري والآلة البخارية والكهرباء اقلها اهمية وتأثيراً على المسيرة اللاحقة للانسانية. ولا شك في هذا السياق بأن ثورة المعلوماتية وشبكات الانترنت قد خلقت شروطاً جديدة قربت من المسافات.. ثم جاءت احداث بداية عقد التسعينيات الماضي وانهيار المنظومة الشيوعية لتحقق الاطار الموضوعي الملائم لقيام النظام العالمي الجديد.. الذي لم يكن في جوهره سوى نوع من التوجه نحو توحيد العالم حول المركز الامريكي وباسم قوانين السوق. ولكن ايضاً باسم السعي نحو تحقيق العولمة السياسية والثقافية. ويبقى السؤال الكبير الذي يطرحه المؤلف كما طرحه ويطرحه الجميع تقريباً، والذي صاغه كما جاء في عنوان احد فصول الكتاب: «هل تعني العولمة السياسية نهاية الدول ـ الامم؟». المسألة تتعلق بوضوح بمفهوم السيادة الذي ناقشه المفكرون والمحللون السياسيون تحت عناوين مختلفة وتطرق له قادة الدول الذين اجتمعوا في نيويورك خلال شهر سبتمبر من عام 2000 اثناء لقاء قمة القرن، حيث تم التساؤل عما اذا يمكن للعولمة السياسية ان تؤدي الى قيام حكومة عالمية، وبالتالي وجود نوع من المواطنة العالمية. اذ ان اجابة مؤلف هذا الكتاب تؤكد بالاحرى على وجود تقسيم بنيوي للعالم، ولا يمكن لأية حكومة عالمية ان تلغي الخصوصيات البنيوية، كما لا يمكن تجاهل التطلعات الجيو سياسية، للعديد من الامم الصاعدة، والتي في مقدمتها الصين والهند، من اجل ايجاد معادلة جديدة في العالم غير تلك القائمة اليوم حول هيمنة المركز الامريكي.. ولكن بالمقابل ربما يكون هناك نوع من آليات الضبط العالمية، اي عولمة قواعد التعامل وبحيث يتم تطبيق هذه القواعد على الصعيد الاقتصادي اساساً.. لكن عولمة الثقافات تبقى مسألة اخرى لا يمكن فصلها عن واقع المجال والمكان، الذي نشأت فيه هذه الثقافات. وهناك ايضاً مسألة اللغة حيث ان اللغة الانجليزية قد فرضت نفسها كلغة عولمية، انها اللغة المهيمنة في العالم المعاصر ، كما يقول مؤلف هذا الكتاب. هذا بعد ان كانت الامبراطورية البريطانية قد منحت اللغة الانجليزية بعض التفوق اثناء الحقبة الاستعمارية.. ومع ذلك تبقى مسألة الهيمنة اللغوية عاملاً مهماً ولكنه قد يكون مرحلياً خاصة في منظور مستقبلي آخر يحتل فيه بلد مثل الصين مكان الصدارة. ان العولمة الحالية تؤكد على بعد الزمان وتلغي بعد المكان.. وهي بذلك تحاول ان تلغي الجغرافيا.. لكن الجغرافيا هي احد ثوابت التاريخ