هل بدأت فترة ما بعد الديمقراطية؟ وهذا على غرار الحديث عن «ما بعد الحداثة». تنبغي الملاحظة أولاً الى ان عنوان «ما بعد الديمقراطية» يملك بحد ذاته قدراً كبيراً من «الاثارة». الفكرة الأولى التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب تخص ما يسميه «الديمقراطية المصادرة». وهنا أيضاً يدفع بقارئه الى مرجعية أخرى تتمثل في الكتاب الذي كانت قد قدمته الباحثة الفرنسية هيلين مارير دانكوس، عضوة الاكاديمية الفرنسية، وأحد أهم الاخصائيين الدوليين في الشئون الروسية، الذي هو من أوائل، بل ربما أول من تنبأ بسقوط الاتحاد السوفييتي السابق. الكتاب المقصود للمؤلفة يحمل عنوان «السلطة المصادرة». ولا شك ان مثل هذه المقولة كانت في صلب تفكير اريك ريرنر عندما تحدث عن «الديمقراطية المصادرة». إن مؤلف هذا الكتاب يتحدث أيضاً عن معارك مدمرة في البلدان الغربية خاصة والديمقراطية عامة بين «اليمين المخجل.. واليسار الذي فقد يساريته وبحيث ان الخلاف بين الطرفين لم يعد يطال سوى بعض التفاصيل». كما يرى ان اليمين واليسار يقودهما نوع من الأجهزة المتواطئة والمختبئة عامة وراء لافتة الدفاع عن حقوق الانسان» التي يرفعها الجميع وكأنها «معتقد جديد». ويبدو في محصلة التحليلات التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب انه لم يبق فعلياً من الديمقراطية في البلدان الغربية سوى بعض الاشكال التي لم تعد تمتلك على أي مضمون حقيقي. انه يتحدث عن نوع من «الديمقراطية الشمولية». والتي تحد من تطبيق المبادئ الأساسية للديمقراطية مثل «حرية التعبير». ذلك ان بعض القوانين المطبقة مثل قانون «جيسو» يعاقب باسم القانون كل من يسمح لنفسه في فرنسا ان يتعرض، من قريب أو من بعيد، لمسألة اضطهاد اليهود من قبل النظام النازي اثناء الحرب العالمية الثانية.. اذ ان اي حديث لا يتفق تماماً مع الخطاب الرسمي السائد يمكن اعتباره «مناهضاً للسامية».. اي ان هناك «خطوطا حمراء» لا يمكن تخطيها. ويتعرض المؤلف ايضاً للبحث في الدور الذي تمثله وسائل الاعلام التي تقوم عملياً بنوع من «غربلة» ما تنشره وفقاً لـ «جدول مواصفات» تحدده السلطات السياسية والمسئولة.. ويتم التأكيد في هذا السياق بشكل خاص على الدور المركزي الذي يلعبه التلفزيون كأداة اعلامية تساهم بشكل كبير في «صياغة الرأي العام» لدى جمهور المشاهدين. وضمن هذا السياق ايضاً يتحدث المؤلف عما يسميه بـ «المكيافيللية التربوية». وفي جميع الحالات يرى اريك ورنر ان الخاسر الكبير هو «الثقافة الأصلية للديمقراطية» لصالح ثقافات «دنيا» تجد تعبيراتها في مجتمع المجالات مثل موسيقى «الراب» و«الروك» و«التكنو». وكتاب عن «ما بعد الديمقراطية» كان يمكن أن يحمل عنوان «العولمة.. والديمقراطية»