بيان الكتب: المؤلفة ميشيل ارين برودني هي فيلسوفة ومختصة بشكل أساسي في فلسفة الفكر السياسي البريطاني والامريكي. وهي استاذة في معهد الدراسات السياسية بجامعة ليل شمال فرنسا، قدمت العديد من الابحاث، والدراسات حول كتابات «حنّة ارنت» و«كارل بوبر» وغيرهما. في هذا الكتاب «كارل بوبر.. فيلسوف سعيد» تقدم المؤلفة سيرة حياة أحد أكبر الفلاسفة الألمانيين في القرن العشرين، الفيلسوف الذي استقطب حول افكاره تيارا عريضا وجد مؤيدين، بل و«مريدين» من جميع انحاء العالم وخاصة في الولايات المتحدة الامريكية. كارل بوبر من مواليد عام 1902 في فيينا لأسرة ذات أصول يهودية لكنها اعتنقت البروتستانتية، هذا فضلا عن انها كانت ماسونية وتهتم بالموسيقى. وكان «بوبر» قد شهد في مطلع شبابه انهيار الامبراطورية النمساوية ـ الهنجارية عند نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي شهدت ايضا انهيار الامبراطورية العثمانية، كما شارك بوبر الشاب في العديد من الحلقات الدراسية ذات التوجه الاشتراكي وساهم في النقاشات حول «اصلاح المناهج الدراسية» في «فيينا الحمراء». إن محصلة السياق الأسري، واطلاع الشاب على نظريات اينشتاين والتيارات الفلسفية الاخرى التي كانت سائدة في عصره وكذلك مشاركته في النقاشات المعلقة بميدان التحليل النفسي، وكذلك الاحداث التي شهدها، كان لها، كما تؤكد المؤلفة وتقدم البراهين على ذلك أثرها الكبير في صياغة السمات الشخصية والفكرية والفلسفية لما أصبح عليه فيما بعد الفيلسوف الكبير «كارل بوبر». بدأ كارل بوبر مسيرة حياته الفاعلة كأحد أعضاء الحزب الشيوعي، لكنه لم يستمر في التزامه هذا الا لفترة قصيرة من الزمن ليمضي عمليا بقية حياته «مشتغلا» في نقد الماركسية وداحضا بشكل منهجي مزاعمها في «معرفتها» لقوانين التاريخ، كما كانت قد أكدت نظريتها الخاصة بـ «المادية التاريخية». ويمكن ضمن هذا السياق القول بأن كارل بوبر كان من أكثر المفكرين والفلاسفة الذين كان لـ «معاولهم» الفكرية تأثير كبير في هذا الصرح الفكري والفلسفي للاطروحات الماركسية الخاصة بالتطور التاريخي للسيرة الانسانية. وفي عام 1934 نشر كارل بوبر كتابه المعروف الذي نال فيما بعد شهرة كبيرة «منطق الاستكشاف العلمي»، وقد أثار هذا الكتاب اهتمام «اينشتاين» الذي كان آنذاك في الولايات المتحدة الامريكية فكتب الى المؤلف بوبر يعرب له عن اعجابه بالافكار التي طرحها، وهكذا قامت علاقة صداقة بينهما استمرت طويلا، كذلك حافظ بوبر على صلات كان قد نسجها مع رجال العلم في شتى الميادين. غادر كارل بوبر النمسا الى «نيوزيلاند» حيث مارس مهنة التعليم الجامعي. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية تم تعيينه في مدرسة لندن للاقتصاد ذات الشهرة العالمية، لتبدأ بالتالي شهرته الشخصية بأحد أهم المفكرين آنذاك. لقد تابع بوبر أعماله في ميدان «فلسفة العلوم والمنطق»، لكنه اكتسب في الوقت نفسه لقب «مفكر المجتمع الليبرالي» مما كان يشكل بصيغة ما تناقضا مع اهتماماته العلمية، وفي عام 1965 حصل على جائزة نوبل. عندما توفي الدكتور سيمون بوبر والد كارل بوبر عام 1932 اكتشف الابن بأن أباه رجل القانون والثقافة، كان بصدد ترجمة بعض النصوص التي تعود لفترة ما قبل سقراط، لقد أثارت هذه المسألة لديه حافزين هما: الاهتمام بالفلسفة وحب العمل. حول هذا الحافز الثاني كان بوبر قد كتب عام 1982 برسالة كان قد بعث بها للفيلسوف الفرنسي الكبير الراحل ريمون آرون وقال فيها: «ان عمري 80 سنة، وصحتي هي أبعد عن ان تكون جيدة، لكنني لا أحس في الوقت نفسه انني طاعن في السن، الا في بعض المرات التي تخونني بها ذاكرتي.. لدي ثلاثة كتب قيد الطبع باللغة الانجليزية بالاضافة الى الالمانية والكثير من الافكار التي اعتقد بأنها لن ترى النور أبداً». ومنذ ذلك التاريخ وحتى وفاته عام 1994 اشتغل بوبر بدراسة النصوص «ما قبل السقراطية»، لقد كان «ابن أبيه» وعندما كان كارل بوبر في السادسة والثمانين من عمره، كان يذهب في الخفاء ـ عن مساعدته وصديقته ميليشا ليو ـ الى نادي الطيران المجاور كي يحلق بالاجواء برفقة طيار كان يشرح له عمل مختلف الآلات. وعندما وضع بوبر قدميه على الأرض بعد العودة قال وهو يترنح قليلا ووجه يغمره فرح طفولي ما مفاده: «الطيران هو الحلم بحرية جديدة» كان هذا يمثل بعض فلسفته في الحياة مما دعا لتسميته بـ «الفيلسوف السعيد» والذي كان يردد باستمرار: «دعو النظريات تموت وليس الانسان». لقد كان دائما بصدد البحث عن عالم أفضل. لقد كان بوبر فيلسوفا عالميا، لكنه كان في الوقت نفسه شديد التعلق بمدينة «فيينا» مسقط رأسه، وكان يرى بأن «عبقرية» هذه المدينة تكمن في «انفتاحها» على الثقافات الأخرى. وقد كان يردد «سيسألونني دائماً عن سر القدرة الخلاّقة التي تمتلكها مدينة فيينا، أو بالاحرى سر ابداع سكانها خلال القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك أقدم الاجابة نفسها القائلة بأن السر يكمن في تلاقي الثقافات. إن الاهتمام الذي تثيره في داخلي هذه الظاهرة مرتبط تحديدا بمسألة التنافس في الانتاجية الثقافية، ولم يكن اهتمام كارل بوبر بمدينة فيينا منفصلا ايضا عن اهتمامه بالموسيقى وخاصة «بيتهوفن الذي يصفه الفيلسوف بالقول انه «أهم مخلوق عرفته مدينة فيينا». إن كاتبة هذه السيرة، ترى بأن الظروف التي عاشها بطلها في مطلع عقد العشرينيات هي التي دفعته كي يقوم بـ «ثورته الشخصية» في سياق فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1919 كان بوبر قد أصبح شيوعيا لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر. ومع نهاية تلك الحرب وسقوط الامبراطورية النمساوية ـ الهنجارية واعلان الجمهورية دبت الاضطرابات الاجتماعية على قاعدة المجاعة ثم محاولات الانقلاب المتكررة التي قام بها الشيوعيون، وهذه أمورا لعبت كلها دورا في توجيه المسار الفكري اللاحق لكارل بوبر. لقد نشر كارل بوبر عشرات الأعمال والدراسات التي عرض فيها افكاره، وقد نال بعضها شهرة كبيرة مثل «بؤس النزعة التاريخية» و«المجتمع المفتوح وأعداؤه» و«المنطق». ولكنه كان يرى باستمرار انه «لا يمكن لأي كتاب ان يكتمل، إذ في الوقت الذي نكون بصدد العمل فيه، ندرك ونحن ندير وجهنا عنه بأنه غير مكتمل». وبكل الحالات ترى مؤلفة هذا الكتاب بأن الفترة التي أمضاها كارل بوبر استاذا في «مدرسة لندن للاقتصاد» كانت الأكثر ازدهارا في مسيرة بوبر الفكرية: وكان قد وصل الى لندن في الفترة التي أعقبت مباشرة الهزيمة الانتخابية التي مني بها ونستون تشرشل، وكان بوبر شديد الاعجاب بهذه الشخصية السياسية الفذة منذ نهاية سنوات العشرينيات، وكان ذلك الاعجاب قائما على قاعدة ادراك تشرشل مبكرا مدى خطورة المشروع النازي، لكنه كان قائما ايضا على اعجابه «الفكري» به حيث كان قد استشهد به أكثر من مرة وخاصة فيما يتعلق بقبول تحدي «السباحة ضد التيار السائد». تجدر الاشارة هنا الى ان الحديث عن الفترة التي عمل فيها بوبر استاذا في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، شكلت مناسبة لمؤلفة هذا الكتاب كي تقدم على مدى صحفات عديدة تاريخ هذه المدرسة ذاتها وحيث ان «بنيتها» و«تفردها» استجابا تماما لما كان بوبر يتطلع اليه لعرض توجهاته الفكرية. لكن هذا الاطار المشجع لم يمنع كارل بوبر من ان يندهش كثيرا من نقص الجدية ولاواقعية الفلاسفة الانجليز». هذا مع استثناء واحد كبير يخص برتراند روسل».. لقد كان بوبر يحس بأنه متقدم عليهم، لكن هذا لم يمنعه من ان يقيم عددا من العلاقات الوثيقة التي استمرت حتى نهاية حياته وان يقوم بعرض أفكاره وحتى الاكثر جرأة منها في العديد من المحاضرات والندوات والتي كانت أكبر المعاهد والجامعات البريطانية توجهها له. وكانت الرحلة الفلسفية الاولى لكارل بوبر للولايات المتحدة الامريكية بناء على دعوة من جامعة هارفارد حيث ألقى عدة محاضرات عام 1950 كرسها لما أسماه «دراسة المجتمع والطبيعة» و«نظرية المعرفة القائمة على أساس التكدس» هذا الى جانب العديد من المواضيع الأخرى حول الفلسفة كما يراها. كما جاء في عنوان احدى الدراسات الشهيرة له أما المسائل السياسية والاجتماعية فقد بحثها في كتابيه اللذين نشرهما في تلك الفترة سنوات الخمسينيات تحت عنوان «بؤس النزعة التاريخية» والمجتمع المفتوح واعداؤه، وأجاب فيهما على سؤالين جوهريين هما «كيف ينبغي ان نحكم؟» و«من ينبغي ان يحكم؟». تجدر الاشارة أخيرا الى ان هذا الكتاب يشكل «سيرة الحياة الأولى التي يتم نشرها باللغة الفرنسية للفيلسوف كارل بوبر والذي بدا لسنوات طويلة بمثابة فيلسوف «غير مرغوب فيه» من قبل «التيار الفلسفي الشيوعي» حسب تعبير الفيلسوف ريمون آرون. وإذا لم يكن كارل بوبر معروفا الا بدرجة قليلة لدى القاريء العربي فإنه مع ذلك يشكل احدى المرجعيات الأساسية للكثير من المثقفين ذوي النفوذ». «كارل بوبر» الفيلسوف السعيد الذي ختم آخر مداخلة له في حياته خلال شهر مايو عام 1994 بكلمة «الموت»