بيان الكتب: ولد كنجي ناكاجامي في حي «شنجو» (احد الاحياء البائسة التي يقطنها ابناء طائفة «البوراكومين او المنبوذين اليابانية) في سنة 1946. وبغض النظر عن وجود هذه الشريحة من الناس في المجتمع الياباني فقد ظل موضوعها واحداً من الموضوعات المحرم الاقتراب منها في المجتمع الا ان تناول ناكاجامي الصريح له يمكن النظر اليه باعتباره احد الاستثناءات القليلة. تشكل ظاهرة الكاتب والروائي الياباني ناكاجامي حالة الكاتب المشاكس في الادب الياباني المعاصر ومن جانبه فهو يعبر عن ذلك بقوله: «انني كابن الحرام»، وللوهلة فإن الصورة التي يقدمها عن نفسه من خلال موسيقى الجاز ونزعته الايديولوجية الصارمة ومقتنياته الشخصية (بينما يهم بمغادرة مطار طوكيو) هذه الاشياء كلها على الرغم من انها لا تشجعك على تصنيفه ككاتب متميز. الا ان ناكاجامي كلما زادك تشويشاً كلما اعلن عن نفسه كإنسان منبوذ. وفي كل اعماله الروائية والقصصية يستحضر بشكل نابض بالحياة صورة شديدة الواقعية لحياة افراد طائفة البوراكومين سواء أكان ذلك قد ورد في الاعمال القصصية والروائية التي نشرت له وترجمة او الاعمال التي يعتزم القيام بنشرها. ومن الاعمال الصادرة له مجموعة «الف عام من النشوة» المترجمة الى اللغة الفرنسية. و«الرأس البحرية» الجزء الاول من سلسلة اعمال روائية كانت قد حصلت على جائزة «اكوتاجاوا» للابداع الادبي في سنة 1975، وهي من اعماله المترجمة. والجزء الثاني من هذه السلسلة الذي يحمل عنوان «بحر الاشجار الميتة» والرواية ملحمة عائلية تؤرخ لحياة البوراكومين. وعبر تاريخ عائلي استثنائى طويل ومعقد وفي بيئة مملوءة بفوضى الزواج والتبني نشأ ناكاجامي ثم التحق للعمل في شركة صغيرة وظل يقيم بين افراد اسرته المكونة من امه وزوجها وعدد كبير لا يحصى من الابناء، لكن مازالت تطارده صورة ابيه، واولاده الثلاثة من امهات اخريات دون ان يتمكن من التعرف على اي منهم. وربما كانت تلك هي الاجواء نفسها التي مهدت لظهور ما يعرف بالتراجيدياً الاغريقية المؤلفة من عناصر ثقيلة من البغض المتسلسل تاريخياً والسعي الى كشف الوقائع المثيرة لتنتهي كل الاشياء الى انتهاك حرمتها. ـ وجود البوراكومين في المجتمع الياباني لم يتطرق اليه احد بشكل عملي على الاطلاق. ومع ذلك فأنت مجبر بالقوة على ان تكون الكاتب الوحيد الذي يعلن عن نفسه بهذا الشكل؟ ـ بين الكتاب انا الوحيد الذي تحدث عن هذا الشيء. في اليابان، هناك ميل لأن لا يتحدث الناس بصراحة عن اي شيء. وكثيراً ما يقوم الناس بتجميل الحقائق بشيء من التهذيب. وعندما يعطيك احدهم هوية تقول له: «لم كل هذا العناء؟» وعندما يتحدث الانسان عن عائلته، يقول «ابني الغبي» انا بوراكوميني، انني اشبه ابن الحرام، وقد كان هناك كتاب اخرون مثلي لكنهم لم يجاهروا بأصلهم الحقيقي على الاطلاق. ولديك «كاواباتا» على سبيل المثال، او ميشيما». ـ وكيف صرت كاتباً، في مثل هذه الظروف؟ ـ لقد اصبحت كاتباً عندما صار لدي الوعي بوضعي الاجتماعي المختلف، عندما تسنى لي ان اغادر «البوراكو» او «الحارة» لقد تعلمت القراءة والكتابة خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لان الامريكيين وضعوا الاساس للتعليم الاجباري لكل افراد المجتمع الياباني، وكانت امي تمنعني من القراءة لان القراءة كما كانت تقول ستصيبني بالجنون. لكن عندما اتذكر هذا النظام التعليمي، اتذكر انه كان يشكل نوعاً من اسباب الترف بالنسبة لك ككاتب ومما لا شك فيه ان الادب الياباني، في حقيقته كان ادباً قصصياً وانه كان مبنياً على الموروث الشفاهي الحكائي. واشياء مثل «الكابوكي» و«النو» أتت من هناك، من هذا الموروث الذي استطعت ان انهل منه. ـ هل يفرض وضعك اشكالية تتصل بالتكامل او التساوق في الوسط الادبي الياباني؟ ـ ان الوسط الادبي يسعى جاهداً في العمل الى استيعاب معضلة البوراكومين. والواقع ان المشكلات التي صادفتها هي في اغلبها ذات طابع شخصي. وعندما يقدمني احد للعالم الخارجي بوصفي كاتباً يمثل اليابان، اجد انه من الصعب علي بمكان ان احتمل هذا. ففي الوقت الذي تسعى اليابان الى تعريف الاخرين في الخارج بأشياء جميلة مثل مسرحي النو والكابوكي، فإنها تنسى ان هذه الاشياء كلها تأتي من «البوراكو». الحقيقة ان اليابان قد استفادت من هذه الاشياء التي خصصتها لهذا الغرض دون ان توضح شيئاً عن جذورها الاصلية، تماماً كما الحال بالنسبة لأوكيناوا، او «اينوس» يخامرني الشعور بأنهم يستغلونني احياناً. ـ الا يبدو لك ان الاوضاع قد تفاقمت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟ ـ التمييز العرقي مازال قائماً على اشده، وعلى وجه التحديد في حالات الزواج والحصول على الوظيفة. فعلى سبيل المثال لا يوجد لديك بوراكوميني واحد يعمل في شركة كبرى لانهم ممنوعون حسب اللوائح التي تحتوي على اسماء افراد الطائفة في اليابان، وبالمناسبة فإن هذه القوائم لم يعرف احد بوجودها قبل 12 عاماً من الان. وبعد هذه الفضيحة تقرر ان تمنع هذه الممارسات. لكن المفارقة هي انه قبل ثلاثة اشهر فقط كشف النقاب عن ادخالها في اجهزة الكمبيوتر. ـ الناقد الياباني «يوموتا انوهيكو» كتب عن ظهورك القوي على الساحة الادبية الذي تزامن مع حادث انتحار «ميشيما» يقول ان اعمالك الروائية والقصصية تبدو وكأنها قد ظهرت لتعبر بطريقتها الخاصة عن اشكالية موروثة مباشرة عن «ميشيما».؟ ـ لا اعتقد بأنني قد تأثرت بميشيما، على الرغم من انني اشعر بالحميمية تجاهه، ويعجبني ما يكتبه. كما انني اعي. جيداً اصوله البوراكومينية من ناحية جده لأبيه وككاتب، لا تربط بيننا اشياء مشتركة اكثر من الاهمية الخاصة التي نعطيها للامبراطور. وفيما هو معجب به فإنني لا ابالي بوجوده. تستطيع القول انني الصورة التي تظهر في المرآة فقط لهذا الكاتب. ـ هل تأثرت بكتاب اخرين؟ ـ تأثرت بفولكنر، جينيه الى حد الصدمة واذا تحدثت عن فولكنر وجينيه فهما فوق كل شيء كاتبان ثوريان. اما جينيه فقد قدم في اعماله المهمشين في حين قدم فوكنر العالم الثالث، الجنوب. وكاتبي الياباني المفضل هو «تانيزاكي»، لكن هذا لا يثير قلقي، فعندما اصل الى سنه، اتمنى ان اكون قد وصلت ايضاً الى نفس المستوى الذي وصل اليه وتجاوزته. صحيح انه رحل وهو كبير، وهذا ما يحملني على الشعور بشيء من الهامشية. مريم جمعة فرج