بيان الكتب: حرفة الكتابة تدفع الى الانتقاء والاختزال وعدم التكرار، اذ لا يجوز في اصول الكتابة الصحيحة ان تتكرر فقرة او ان تعيد طرح ذات الفكرة لان ذلك يعني تطويلاً من كلام، لا طائل منه وصرفاً لجهد قاريء لم يعد يملك الكثير من الوقت لاضاعته على كتابة لا تضيف الى منظومة معلوماته شيئاً جديداً. واساليب الكتابة الحديثة باتت تعتمد هذا النسق من تأليف الكتب بحيث لا يعود الكاتب الى فكرة طرحها، بل عليه ان يشبعها نقاشاً وتمحيصاً وتنقيباً وينهيها بشكل اكيد دون ترك فجوات فيها ليعود الى مناقشتها في موضع اخر من نصه لان ذلك يستدعي منه ان يطرح الفكرة ثانية ومن ثم ينقل نصه بافكار مكررة تنفر القاريء او تدفعه الى التقليل من شأن الكاتب الذي يعيد ذات الكتابة في الموضوع الواحد. ولا يعني تطويل النص نصراً في حقل الكتابة فكلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة حسبما قال النفري، وكتابة اليوم هي اعتماد على الذكاء وبناء اللغة هو نصير المعرفة، والثرثرة داخل النص تجعل النص ضعيفاً بعيداً عن التركيز، وهذه حالة الكتاب الاجنبي الذي نعرضه في «بيان الكتب» حيث نتبع ميزان الافادة في انتقاء الكتب الفرنسية او الانجليزية وهي كتب تحقق حضوراً جماهيرياً كبيراً في بلدانها لانها ذات صلة مباشرة بالوقائع والحياة دون استعلاء او استعراض وتذييل وتهميش وكأن الكتاب مصنوع من عصر غابر ومعظم تلك الكتب واضحة المقاصد والاهداف لانها تتبع الاسلوب المختزل في طرح الفكرة ومناقشتها وتحليلها دون ثرثرة او تطويل، فالوقت مدروس وقيمته كبيرة ولا يمكن هدرها فيما لا طائل منه. وعندما نشد من ازر مؤلف كتاب ينحى هذا المنحى فذلك سببه انه يحترم القاريء ولا يضيع وقته الثمين وتلك فروقات كبيرة بين الكتاب العربي والكتاب الاجنبي وفي اعتقادنا أن الكتاب الاجنبي يخضع لقواعد نشر صارمة قبل دفعه الى القاريء بحيث ان هناك جيشاً من العاملين في الظل حيث هناك مختص بالصياغات المختصرة وثان مختص بضبط اللغة ومراقبة توافقها المنهجي مع الفكرة وثالث يراقب الافكار المكررة ويعمل على دمجها في فقرة واحدة او تجميعها في باب واحد. ومن موقع ما نلمسه من نشر عاجل وكتاب متسرع نجد كماً من الاخطاء في عدد كبير من الكتب العربية لها علاقة بالاسلوبية وبطريقة التعامل مع الكتاب باعتباره صناعة وليس موهبة فقط فالموهبة حدودها عند لحظة الخلق ومن ثم يأتي دور الجيش الذي سيعمل في الظل لاظهار الكتاب بشكل انيق ومفيد لا اخطاء فيه. الكتابة الاسلوبية العربية تعاني اليوم من حالة اختناق سببها كثرة الشرح والتطويل وازمتها الحقيقية في انصراف القارئ العربي عن الكتاب العربي واستبداله بالكتاب المترجم لانه يجد فيه تعويضاً عن حالة الفوضى التي اصابت كتاب بني جلدته. حسين درويش