اكثر امراض التغذية شيوعاً هي السمنة البسيطة الناتجة عن طريقة تناول خاطئة للطعام كما وكيفا، بالاضافة الى اخطاء شائعة في طريقة تناول الطعام والاسراع ببلعه دون مضغ كاف وبتوقيت خاطيء كما هو في توقيت العشاء المتأخر، وكذلك ادخال طعام على طعام لا يتلاءمان في الهضم كما هو الحال في الفاكهة عقب الطعام مباشرة، ومزج البروتينات والنشويات في الوجبة نفسها وكثير من الطعام اذا مزج اصبح هضمه وتحويله الغذائي بطيئا وصعبا. والسمنة البسيطة انواع، فالنوع (أ) يخلق مع الطفل بخلايا دهنية تزيد في عددها على الطبيعي وليس هناك الكثير الذي يمكن عمله، اما النوع المسمى (ب1) فهي حالة من السمنة الشبيهة في زبادة عدد الخلايا الدهنية للنوع (أ) الا انها ليست خلقية ولكن مكتسبة لافراط الاهل في اطعام الطفل وتسمينه في السنة الاولى من عمره وفي السنة التي تسبق البلوغ، في هذه المرحلة من العمر تزيد عدد الخلايا الدهنية على الطبيعي تماما كما هو الحال في النوع (أ) الا انه من صنع الأهل الذين يسعدون برؤية طفلهم يأكل جيداً فيسببون له مرضا لاشفاء له، اما النوع (ب2) فهو نوع حميد يزداد فيه حجم الخلايا الدهنية وليس عددها وبالتالي يمكن السيطرة عليه بالحميه الصحيحة والتمارين الرياضية. اليوم نحن لسنا بصدد الحديث عن السمنة وامراض التغذية ولكن موضوعنا يتركز على امراض الأكل او ما يسمى اضطرابات تناول الطعام او الشهية للطعام. قد تكون امراض الاكل من سمنة او هزال ليست اكثر من اعراض لأمراض نفسية فيها تعبير عن خوف او قلق، اكتئاب او غضب، حزن او ارق أو غيرة، وتصيب هذه الامراض النساء اكثر من الرجال بمعدل ثلاثة الى اثنين ولعل الفرق اكثر من ذلك، واكثر من يصاب بها الفتيات في سن العشرينيات فيصبح الأكل تعبيرا عن معاناة نفسية وليس وليد الاحساس الطبيعي بالجوع والشبع، فالتي تصاب بمرض القهم العصبي فتفقد شهيتها للطعام وقد تصاب بالهزال الشديد تفقد معه الكثير من الوظائف الطبيعية في جسمها مثل النوم والاحساس بالتمتع بنعم الله والقدرة على المرح ويصبح الطعام بالنسبة لها معاناة واكراهاً وتمرداً واقياء وقد تصاب الدورة الشهرية بالاضطراب وعدم الانتظام وقد تصل الى درجة الانقطاع الكامل. في الحالات الاخرى قد يصبح الامر مختلفا فقد تعبر المريضة عن قلقها بنهم لا ارادي وشراهة في الاكل لا يحدها الشعور بالامتلاء او الشبع ولايوقفها الا الاقياء ولذلك اطلق على هذه الظاهرة بالنهم الروماني ويميز هذه الظاهرة ان الشراهة والنهم الشبيه بالمرء الذي يدمن على الكحول او المخدرات فيفقد السيطرة على النفس الامارة بالسوء وينهي هذه الرغبة الجامحة باجبار النفس على الاقياء للمحافظة على الوزن، ومن الشخصيات المعروفة التي اصيبت بهذا المرض والتي ذكرت في الصحافة الاميرة الراحلة ديانا. هناك حالة اخرى لم تحصل على الاهتمام الطبي والنفسي الا حديثا رغم انها اكثر شيوعا من الحالتين السابقتين اذ يقدر ان 2 ـ 5 بالمئة في امريكا مصابون بها او ما يساوي عشرين مليونا وهي شبيهة بالحالة السابقة (النهم الروماني) غير ان الاقياء ليس احد ظواهرها، وكثيرا ما تكون المريضة متصفة بالسمنة فتزيدها حالة اليأس افراطا في تناول الطعام، و حالها كحال الذي يجد سفينته تغرق ولا يستطيع لها انقاذا فلا يكون منه الا ان يعطيها الرفسة القاضية، ولعل ذلك يكون تعبيرا عن عدم قدرته على السيطرة على زمام الامور فيفقد القدرة على السيطرة على نفسه وغضبه. ويتأرجح مسار حياة المريضة من سمنة سريعة مبالغ في سرعتها فهذه الحالة ليست مصحوبة باقياء او تناول المسهلات ومدرات البول وقد يزداد افراز الهرمون المضاد للادرار فيشح البول ويختزن الجسم الاملاح والسوائل مما يتورم معه الجسم، وتتأخر الدورة الشهرية كدليل آخر على الاضطرابات الهرمونية كما ان حركة الامعاء تتباطأ فيضيف الامساك وانتفاخ الامعاء الى الزيادة السريعة للوزن وبالتالي الشعور الاحباط الذي يرفع درجة الغضب الذاتي في النفس وبالتالي يزداد هذا التردي في المبالغة بتناول اطعمة عادة ما تكون ذات درجة عالية من الحريرات وتدخل المريضة في حلقة مفرغة فتناول الطعام بهذا النهم هو تعبير عن احباط وغضب واكتئاب من عدم القدرة على ضبط النفس مما يولد غضبا عارما واكتئاباً كثيرا ما يؤدي الى هوة اوسع بين ما تود المريضة ان يحصل لها في ساعات الوعي من تصميم على الخروج من هذه الحالة وبين تكرار الغرق في موجة اخرى من فقدان الوعي وضبط النفس وتسمى هذه الحالة النهام اللاواعي، وكثيرا ما تكون اضطرابات النوم من ارق وتقطع في استمراريته مصدر بؤس وارهاق، وغالبا ما تستطيع المريضة اخفاء الامر عن اعز الناس اليها خوفا من الاسئلة عن وزنها وشراهة تناولها للأكل فلذلك يكون اكثر ما تتناوله بعيدا عن الاعين وشبيه بالقطط عندما تسرق الطعام وتتناوله بعيدا، ثم تتصرف عكس ذلك امام من يعرفها، ولعل قلة معرفة الناس بهذه الامراض وعدم تفهم دوافعه وطبيعته وقدرة المريضة على السيطرة على رغباتها يدفع المريضة الى الانزواء والابتعاد خوفا من مداخلات من الاهل او الاصدقاء وتعليقاتهم على وزنها وتبدله وهذه العزلة والانزواء ومعرفتها بجهل وعدم قدرة المحيطين بها من تفهم وضعها يجعلها اكثر ضعفا واحباطا وبالتالي اكثر ضياعا وفقدانا للسيطرة على هذه الرغبة العمياء الجموح في زيادة قهر نفسها بمزيد من الطعام. علاج هذه الحالات يعتمد على فهم ووعي لحالة المريضة والتخلي عن التعلقيات غير المفيدة والنصائح التي كثيرا ما تكون ضارة وتدفع المريضة الى المزيد من الضياع، ويحتاج الامر الى طبيب باطني متفهم للحالة يستطيع ان يكسب ثقة مريضته ويشرح لها حالتها وان كثيرات من المرضى يعانين مثلها وقد وجد ان معرفة المريضة بأن هناك من يتفهم دوافع هذا النهم وان هناك العديد من الفتيات يعانين من حالتها يساعدها على التماسك والتخلص من شقائها بسرعة اكثر، بالاضافة الى اسداء النصح للأهل عن كيفية التعامل مع هذا المرض، وكذلك مشاركة طبيب نفساني او محلل نفسي فقد ثبت مؤخرا ان هناك دوراً مهماً للأدوية المضادة للاكتئاب في عالج وضبط هذه الرغبة الهدامة اللاارادية. ومما لاشك فيه ان تحضير طعام صحي لايثير شهية المريضة يساعد في الاقلال من ضعف الاغراء بتناول الاطعمة ذات الحريرات العالية، كما ان المساعدة في البحث عما يسبب التوتر النفسي الذي تمر فيه المريضة او الاكتئاب ومعالجته بالدواء اللازم بالاضافة الى الدعم النفسي والمعنوي وايجاد العمل او الهواية اللازمة التي تخفف من حالة التذمر والتوتر التي تعاني منها المريضة قد يخفف عنها ويساعدها على التغلب على هذا الصراع. «ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها» صدق الله العظيم. ان فهمنا لهذه النفس وما يطرأ عليها من تغيرات يصعب فهمها واسبابها يستحق الكثير من الوعي والمشاركة والتفهم لمشكلة نتصور ونحن في حالة الصحة ان الانسان دائما قادر على الامساك بزمام اموره ولكن فلنستعن بالله من نزغ الشياطين ولنسأله تعالى الشفاء لعباده. د. سليمان النيال زميل الكلية الملكية للامراض الباطنية زميل الكلية الامريكية للامراض الهضمية