الجندي المجهول هو المرادف الشائع لكل من يتفانى في خدمة وطنه بإخلاص وحب، ويبذل الغالي والنفيس من أجل رفعة بلده دون ان يلتفت الى أي مصلحة شخصية يرجوها مقابل هذا الاخلاص.. . وبالرغم من ان مصطلح الجندي المجهول ظهر لأول مرة في عام 1918 ومع اقتراب نهاية الحرب العالمية الاولى، عندما وجد الحلفاء اعداداً كبيرة من الجنود القتلى غير معروفي الهوية، فقرروا تكريم ذكرى هؤلاء الجنود الذين دافعوا باخلاص عن أوطانهم، فاختارت حكومات كل من بلجيكا وبريطانيا وايطاليا وفرنسا والولايات المتحدة جندي مجهول على سبيل الرمز، ودفنت رفاته في أهم مكان في عاصمة كل دولة، وأول ضريح للجندي المجهول ظهر في بلجيكا ووضع في مبنى البرلمان في بروكسل.. إلا انه وبعد ذلك التاريخ لم يعد لقب الجندي المجهول يمنح للجنود في ميادين القتال فقط، وانما تعدى ذلك ليصبح رمزاً لكل متفانٍ ومخلص في حب وطنه دون ان يسعى لابراز هويته وشخصه من وراء هذا الاخلاص.. وبمجرد ذكر لقب الجندي المجهول في دولة مثل الامارات يقفز الى الذهن دون منازع معالي احمد خليفة السويدي فهو خير مثال لشخص نذر نفسه وذاته لخدمة الدولة، وبذل جهوداً جبارة قد لا يعرفها عدد كبير من الناس، وهذا لا يهم لانه لا يريد من وراء جهده سمعة ولا مجداً شخصياً، فهو ابعد ما يكون عن ذلك بل ركّز عمله واخلاصه، وتفانى في عطائه بلا حدود لدولة الامارات، فهو بحق مثال حي للشمعة التي تحترق لتنير طريق الأجيال، وللجندي المخلص الذي يفتدي وطنه بماله ونفسه. ولمن لا يعرف احمد خليفة السويدي عن قرب فهو من مواليد 1937 وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1966، تولى عقب تخرجه مناصب عديدة، وهو أحد الأعمدة الرئيسية التي رفعت علم الاتحاد، فقد شارك في كافة التحضيرات والمفاوضات التي سبقت قيام الدولة، ومثّل ابوظبي في كافة الاجتماعات التي مهدت لاعلان الاتحاد، وله مواقف وآراء رسخت المفاهيم الاتحادية تولى في عام 1968 رئاسة الديوان الأميري في حكومة امارة ابوظبي، ثم تولى في الفترة من عام «71 ـ 1974» منصب وزير الدولة لشئون الرئاسة في حكومة امارة ابوظبي، وبعد قيام الاتحاد تولى منصب وزير الخارجية، في الفترة من عام «72 الى 1978»، ومنذ عام 1976 شغل منصب نائب رئيس جهاز ابوظبي للاستثمار في حكومة ابوظبي، وفي عام 1978 شغل منصب رئيس مجلس امناء المجمع الثقافي في حكومة أبوظبي، ومازال حتى الان يشغل هذين المنصبين اضافة الى كونه الممثل الشخصي لصاحب السمو رئيس الدولة منذ عام 1978 وحتى الان.. وتؤكد لنا المناصب التي شغلها السويدي أهمية هذا الرجل ودوره المتميز، وفي الوقت نفسه تعكس لنا أبرز سمة في هذا الرجل وهي التواضع الشديد ، فهو يفضل وبشدة العمل في الظل ، ولا يحب الظهور ابداً فهو بعيد عن الأضواء والاعلام، واللقاءات الصحفية او التلفزيونية، وأعتقد ان أصعب مهمة يمكن ان يكلف بها صحفي هي اجراء حوار مع احمد خليفة السويدي بالرغم من طيبته الشديدة وتواضعه الجمّ، وذلك لسبب واحد هو اخلاصه للوطن، حباً له وليس حباً في الظهور او الشهرة.. شخصية محبوبة، دمث الاخلاق، هاديء الطبع، تميز برزانته وطيب اخلاقه، ومن أهم سماته احترامه للآخر مهما كان هذا الآخر.. دبلوماسي بالفطرة، تجري في عروقه طباع البداوة الخالصة النقية الممزوجة بذكاء فطري، وبديهة سريعة هيأته ليكون اول وزير خارجية لدولة الامارات.. احمد خليفة السويدي كنز متحرك من المعلومات والارشفة التاريخية، فهو معاصر لكافة مراحل قيام الدولة وهو الممثل الشخصي لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، وعضو بارز في جميع الوفود الرسمية التي تشكلت برئاسة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان قبل وبعد قيام الدولة.. أحمد السويدي رمز للعطاء بلا حدود ذلك العطاء الذي جعله يحتلّ منزلة عالية وغالية في قلوب قادة وشعب هذا البلد.. منزلة لا يصلها الا من ملك خصاله.. ومن يبذل مثل هذا العطاء فانه يمتلك اغلى ما في الوجود .. صفاء النفس وحب الناس. ولا أروع للتدليل على مكانة السويدي من هذه الابيات التي خصه بها صاحب السمو رئيس الدولة حيث قال: يَعْرِفْ الْبَين ولي خافي وما يعرفه حد شروايه بومحمد مخلصٍ وافي في العسر ولي بدّت الحايه كم حِملْ جَزِلْ ينشا في قَربَهْ لو هوْ في نايه حَلّ صَعْبَاته وِ لاِخْلافي به كفاه وعنده درايه هذه الابيات جاراها الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ليثبت مكانة ومنزلة «بومحمد» عند الجميع فقال: كم حَلْ نْزَاع وخْلاَفي يوم دولتنا ـ ف ـ البداية وكم سَعَى في خير والْطافي بِحِكْمةٍ في لِطْف مسدايه وان سَمَحْ لي زايد آكافى بومحمد ذاك مَنْوايه له وشاح «دبي» يِنْضَافي للحكيم المخلص برايه بالفعل يستحق «بومحمد» أرفع أنواع «الأوشحة» فهو شخصية جديرة بالتكريم والاحترام والتقدير.. بل اكثر من ذلك فإننا نطالب المسئولين في التربية ان تطعّم المناهج التعليمية بذكر شخصيات من هذا النوع، حتى تتعرف الاجيال المقبلة على اولئك الرجال الذين ساهموا في صنع هذا المجد، وشاركوا في رقي وتطور الدولة بهذا الشكل الحديث الذي نفتخر به.