في ظل القيادة السياسية لبركليس، وصلت أثينا خلال عصرها الذهبي الى أقصى قوتها، حيث تحولت لامبراطورية تمتد على جانبي بحر ايجة. وفي أثينا كانت تتعدد مشاهد التطور تلك، فمن فيدياس الذي كان يشرف على أعمال النحاتين الذين ينحتون أعمدة البارثينون الى بوليكليتوس الذي كان يصوغ الأبعاد والنسب المثالية للجسم البشري في تماثيله للأبطال الرياضيين الى رواد الدراما، مثل يوربيديس وسوفوكليس اللذين مضيا يستعدان لتسلم الجوائز عن اعمالهما، مروراً بهيرودوت الذي حمل بجدارة لقب أبي التاريخ وتوسيديدس افضل المؤرخين اللذين رسما لنا ملامح صورة ذلك المجتمع. وبجانب كل هؤلاء كان هناك، بالطبع، سقراط يثير سخط الجموع من العامة والشباب، وهو يتساءل أمامهم عما اذا كانوا يدركون ما يفعلون ويقولون حقاً. لكن كل ذلك ما كان يقدر له ان يحدث لولا سفن أثينا. فما كانت تستطيع تلك المدينة ـ الدولة ان تطعم اهلها الخبز المتخذ من القمح المستورد بحراً، وما كان لها ان تبني صرح قوة عسكرية نشأت أصلا كقوة دفاعية في وجه الفرس، واعتمدت على أسطولها البحري والتجاري. وقيادة بيركليس السياسية تلك ما كانت تتبنى الفنون فحسب، بل وقبل كل شيء المشروعات التجارية التي جلبت لدولته الثروة والرخاء ليتمكن أهلها من الالتفات للفنون. منذ خمس سنوات عثرت سفينة تقل باحثين اختصاصيين بالآثار البحرية على حطام سفينة اغريقية تعود الى القرن الخامس قبل الميلاد على سواحل ايجة التركية تعلوها 140 قدماً من المياه، وتتناثر على القاع اعداد من الجرار الفخارية التي كانت السفن تحملها ممتلئة بالزيت والمشروبات. وقبل البدء بانتشال بقاياها، واعتماداً على الصور حدد خبير الآثار البحرية مارك لاوول عمرها بالربع الثالث من القرن الخامس قبل الميلاد، أي في ذروة العصر الذهبي لأثينا والحضارة الاغريقية الكلاسيكية. وعلى امتداد صخري على الشاطيء التركي، أقام المنقبون معسكرهم صيف عام 2000 للبدء في عمليات التنقيب تحت الماء لانتشال بقايا السفينة الغارقة. ومن تلك الصخرة كان بالإمكان رؤية جزيرتي ساموس وكيوس اليونانيتين بالعين المجردة. وكانت الاثنتان جزءا من الامبراطورية الاغريقية. وفي عام 440 قبل الميلاد أبحر بركليس الى جزيرة ساموس على رأس اسطول مؤلف من 60 سفينة لاخماد تمرد على حكمه هناك. وفي العام التالي ارسل صديقه وجنرال جيشه والكاتب المسرحي الشهير سوفوكليس في مهمة دبلوماسية الى كيوس لإنهاء تمرد آخر. فهل تأتى لبحارة السفينة الغارقة تلك ان يروا اياً من الرجلين؟ لقد ابحر الاثنان في هذا الطريق البحري نفسه الذي سلكته هذه السفينة. مثل هذه التساؤلات تجعل المرء وهو يقلب بقايا تلك السفينة بيده يشعر بأنه امام شخصيات شهيرة تاريخية. كانت المصنوعات الفخارية الاغريقية بسيطة التصاميم جدا، مقارنة بنظيراتها في الحضارات الشرقية، حيث لم تتغير كثيراً في الشكل طوال قرون. وأكثر هذه المصنوعات شيوعاً هي الجرار ذات الاذنين الاثنتين المتقابلتين والتي كانت تستخدم لتخزين الزيت والماء والمشروبات. وهذه الجرار عثر على الكثير منها في قاع ساحل ايجة، حيث استلقت السفينة المنكوبة ليتفكك الخشب نهائياً، وتبقى الجرار فحسب. وبمقارنتها مع المعطيات التاريخية المتوفرة يبدو أن معظم هذه الجرار قد صنعت في كيوس القريبة حيث شحنت منها قبل أن تلاقي مصيرها على مرمى البصر. أيام الغوص في اول يوم من أيام الغوص عثر أحد المنقبين على قرص رخامي قطره حوالي ست بوصات. وفوراً تعرف الخبراء عليه: انه عين السفينة! لقد اعتاد الاغريق على وضع عيون لسفنهم لتصبح احد بصراً خلال الامواج المتلاطمة. وهذا الأمر كان شائعاً في الكثير من الحضارات من البرتغال غرباً وحتى الهند شرقاً. وكان معروفاً لدى الخبراء منذ زمن طويل اعتماداً على المزهريات الاغريقية الملونة ان سفن هؤلاء القوم كانت تحمل عيوناً. وسفن التجار كانت عيونها احياناً مجرد الوان على الجانبين. أما السفن الأخرى وخصوصاً الحربية فكانت عيونها أقراص من الرخام تثبت بمسمار من البرونز في مركزها على خشب السفينة حيث عثر على مثل هذه الأقراص حين اكتشاف حوض اغريقي لبناء السفن والتنقيب فيه. كان القرص ملوناً على هيئة بؤبؤ وقزحية وعند مقارنته بالأقراص المكتشفة قديماً والتي يعرضها متحف بيرياوس في أثينا تبين انه يطابقها. لكن هل نجا بحارة السفينة الغارقة الذين وضعوا ثقتهم في هذه العيون من الغرق؟ على الرغم من افتراض البعض انهم غرقوا معها فمن الممكن انهم ظلوا احياء بعد غرقها. كما أن مشاهد الغرق منذ الأدب الاغريقي وحتى التيتانيك تصف ركاب السفن الغارقة وهم يتراكضون نحو قوارب النجاة. غير أن القرب من الشاطيء ووجود قوارب نجاة ليس أبداً ضمانة للبقاء على قيد الحياة. حتى لو تمكن بعض البحارة من السباحة الى الشاطيء الصخري القريب، لنا ان نتخيلهم وهم يحاولون تسلق تلك الصخور فيما الأمواج العاتية التي أغرقت السفينة وهي تلطمها بقوة جبارة كافية لسحق السفن نفسها وليس البشر. ويكفي ان نذكر ان احد المولدات الكهربائية الضخمة التي أحضرت للمعسكر على الشاطيء والتي احتاج الامر ستة رجال لحمل غطائه فقط قذفت به الامواج العاتية الشتاء التالي الى البحر وكأنه قشة. كما ان الغواصين احتاجوا لبناء رصيف خشبي يمتد عميقاً فوق البحر وبعيداً عن الصخور ليتمكنوا من الصعود اليه على سلالم من الحبال مشدودة بقوة لقاع البحر. ولولاها لما كان احدهم يستطيع مغادرة الماء الى اليابسة نتيجة قوة الموج حتى في الصيف. ومن بين المكتشفات المهمة التي عثر عليها المنقبون القطعة الرصاصية الباقية من المرساة، بعد ان اكلت كائنات البحر الدقيقة جزأها الخشبي. ويعتبر هذا التصميم للمرساة تطوراً مهماً في تاريخ السفن التي كانت تعتمد سابقاً على المراسي الحجرية الأقل وزناً والأضعف تشبثاً بقاع البحر. وكانت احدى الجرار تحتوي على بقايا عظام صدر عجل ربما كان من منشأ محلي اخذ زادا للرحلة. وتكثر الادبيات الاغريقية الحديث عن «الملح واضلاع البقر» التي كانت تتخذ مؤونة للسفر.