كتبت السطر الأول في هذا الحديث عشر مرات على الأقل، ومزقته خفت أن يتهمني أحد أنني ضد الديمقراطية، وبالتأكيد أنا لست هكذا، وليس لي مبرر لأن أكون هكذا فلست في مركز سلطة ولم أكن في يوم من الأيام، ولا أظن أن كاتبا لا يقاتل من أجل الديمقراطية فهي المناخ الصحيح لكي ينتج أعماله ولو أنك صبرت معي إلى نهاية هذا الحديث لعرفت ما أقصد، ولقدرت أيضا خوفي من أن أتهم بما ليس في. وكان من بدايات الأعمال التي كتبتها برنامج عن (بركيز) حاكم أثينا الذي أرسى قواعد الديمقراطية فيها، ودافع عنها دفاعا جعله رمزا للديمقراطية الأثينية التي تعتبر قاعدة فكرة الديمقراطية لدى البشر جميعا. ولن أستمر في الدفاع عن نفسي طويلا فمن يرغب في إتهامي سيفعل بغض النظر عما سأقوله. ولقد أخذت من بين أصدقائي دكتور جيكل،وبالطبع هذا ليس اسمه ولن أستطيع أن أذكر اسمه لأنه شهيد، ولأنه أيضا من قراء (البيان)، ودكتور جيكل ان كنت لا تعلم هو بطل قصة معروفة تحولت إلى أفلام أثارت ضجة منذ سنوات طويلة فالدكتور جيكل رجل طيب القلب، وعالم كبير، ومحب لأهل بلدته الذين يبادلونه حبا بحب ولقد اخترع الرجل دواء يظهر الأعماق المتوحشة في الإنسان وجربه على نفسه، فكان يتحول إلى شرير قاتل تحت اسم مستر هايد وهكذا عاش في البلد رجلان أحدهما طيب يساعدها والثاني شرير ويفسد فيها. ونتيجة نجاح الفيلم راجعت فكرة إزدواج الشخصية التي قدمها علم النفس قبل ذلك. كما صار عنوان القصة تلخيصا لمن يمتلكون وجها طيبا وسلوكا شريرا. ولا أريد أن تعتقد أن صديقي بهذه الصورة البشعة، فهو لم يقتل أحدا بالتأكيد والفكرة تروعه لو أنها خطرت على باله ولا أظنه قادرا على أن يكون مستر هايد في يوم من الأيام لكنه مع ذلك مزدوج في شخصيته مثل الكثيرين حولنا يقول كلاما، ثم يفعل ما يناقضه، فإذا واجهناه بهذا لم يرتبك، وله في كل مرة رد، يقول ضاحكا: لكل مقام مقال. ويقول في مرة أخرى هذا هو الجانب الآخر للموضوع وهكذا. وصديقي مثل الملايين العرب في السنوات الأخيرة يرجعون مشاكلهم إلى غياب الديمقراطية فقضية فلسطين والاستعمار والتخلف، والحدود، والمخدرات وغيرها سببها غياب الديمقراطية، وأحيانا يصل الأمر إلى مالا يخطر لك على بال، فلقد سألني أحدهم بلوم ظاهر: ألا تمارسون الديمقراطية في عمل مسلسل تلفزيوني؟ وصححت فيه: يخرب بيتك: كيف تريدنا أن نمارس الديمقراطية؟ يدخل الكومبارس فيطلب البطولة، فنطلب أخذ الأصوات. لقد كان أفضل المخرجين طغاة حقيقية هكذا كان كرم مطاوع، وجلال الشرقاوي، والمنصف السويس وصقر الرشود وفؤاد الشطي ولا تصدقوا أن قاسم محمد ودود، هذا في الحياة العامة أما في عمله فهو بالتأكيد طاغية أنا لم أره يعمل لكنه بالتأكيد هذا والا لما أنتج هذه الروائع. ونعود إلى صديقي دكتور جيكل الذي شغلته قضية الديمقراطية السنوات العشر الأخيرة فلم يعد يتكلم في شئ آخر. وأصبح يرشح نفسه في جميع الجمعيات الأدبية، بل رشح نفسه في مجلس إتحاد اعلان في العمارة التي يسكنها، وأخذ يشرف على المصاعد والسباكة. وفي جلسة صفاء قلت له: كيف تتخيل الديمقراطية ؟ وسرح ببصره عبر المجهول ثم قال: أولا قاعدة من القيم ثانيا أحزاب لابد من أحزاب يارجل، أحزاب حقيقية وليست ورقية شئ مثل أمريكا: الجمهورية والديمقراطية أو مثل بريطانيا: العمال والمحافظون والأحرار وثالثا برلمان يأتي بإنتخابات حرة،ولأننا لا يمكن أن نقوم بإنتخابات حرة فلا بد من مراقبين أجانب بعد ذلك أتكل على الله وترى هذه البلاد وقد أصبحت أعظم بلاد الدنيا. هكذا تحدث صديقي دكتور جيكل. وبالطبع تحدث طويلا في التفاصيل وحكى عن صحف تهاجم أي مسئول بحرية كاملة ومسارح تعرض أدق القضايا. بل أخذ يؤلف المسرحيات التي ستعرض ويؤكد على ما فيها من شجاعة. وأنتقل الآن إلى الجزء الثاني من شخصية صديقي وهي شخصية مستر هايد وكيف رأي الديمقراطية وبالطبع سترى إجابته غريبة وستسأل كيف حصلت عليها فكرة أن أقول لك أنني استعنت بمنوم مغناطيسي أو إنني لجأت إلى طبيب خدره وتحدث تحت تأثير المخدر ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ومع ذلك أكاد أقسم أن صديقي مستر هايد تكلم هكذا. الديمقراطية الحقيقية هي في برلمان أنا لن أرشح نفسي لأنني سأترك الفرصة للآخرين ثم أنا من الذين يرشحهم الآخرون، ولا يرشحون أنفسهم مثلا لو رشحوني وزيرا لن أعترض لكني لن أعرض نفسي أبدا لأصوات الدهماء. المهم أنه قد ترشح (فلان) و(علان). و(فلان) لا أعرفه ولم أسمع عنه، أما علان فلقد طلبت منه خدمة صغيرة، فاعتذر بأنها غير قانونية ولذلك قررت تأييد فلان. ولم أستخرج بطاقة إنتخاب، فالمكان هناك مزدحم، ثم أنا شخص كسول بطبعي، ولا أحب الذهاب إلى هذه الأماكن لكنني مع ذلك لي رأيي! وفي صباح يوم الإنتخابات استيقظت غاضبا فلقد أصدر الأولاد ضجة حرمتني النوم، فضربتهم جميعا وأتت لي زوجتي بالشاي باردا فالقيت بالفنجان في وجهها كنت عصبيا فأنا حريص على تجربة الديمقراطية وأردت أن أخفف عن نفسي، فطلبت سوطا وجلدت بعض الخدم، وترحمت على أيام العبيد. وذهبت إلى المقهى أدخن الشيشة حتى تمر الساعات. وفي المساء أتت اللحظة الحاسمة: اعلان النتائج وكان ذلك أمام كاميرات التلفزيون اجتمعنا أمام جهاز التلفزيون - ومازال الحديث لمستر هايد - أنا والأولاد والأقارب والجيران والأصدقاء، جمعتهم ليروا بأنفسهم ووقف مندوب من الأمم المتحدة يعلن النتيجة وأعلن أن الفائز هو فلان ودوى التصفيق سواء أمام الكاميرا أو أمام الجهاز ليس أحلى من أن يفوز الشخص الذي يرضى عنه الناس وأنا في غاية الرضا عن فلان أما علان فلم يحصل على صوت واحد ولقد أثار هذا بلبلة، فكيف لم يحصل على صوته وصوت زوجته وأصوات أولاده وأقاربه ؟ لكن كل هذا طبيعي لأنه رفض مساعدتي لسبب واه. وصرخت في الجميع ليصمتوا فلقد قدم المذيع الميكرفون إلى فلان ليتحدث وتحدث فلان فشكر الذين إنتخبوه والذين لم ينتخبوه ويبدو أنها صيغة من صيغ الشكر، فالجميع قد انتخبوه والحمد لله. ثم قال: وأنا أهدي فوزي هذا إلى مستر هايد. فلولا نصائحه الذهبية ما فهمت شيئا، ولولا رضاه عني ما رضي عني أهل دائرتي. وتيقنت آنئذ أن العمل الصالح يبقى، وإنتابتني حالة صوفية حتى أنني نسيت أن أضرب الخادمة الجديدة بمناسبة بلوغها عامها الثاني عشر هكذا تحدث دكتور جيكل، وهكذا تحدث مستر هايد. ومن هذا يلاحظ الخبثاء أمثالنا أن أصحابنا يتحدثون عن الديمقراطية ليل نهار ويرونها مفتاح كل قضية لكنهم إذا انصرفوا إلى أنفسهم مارسوا الطغيان مع زوجاتهم وأولادهم وخدمهم ومرؤوسيهم. قال صديقي النكدي: قبل أن يطالبوا بالديمقراطية عليهم أن يمارسوها في بيوتهم ومكاتبهم. قلت له: يا رجل قل خيرا أو فاصمت ألا تؤمن بخصوصيات التجارب الإنسانية، نحن ديمقراطيتنا هكذا كلام في الصحف والإذاعة والتلفزيون وعلى المقاهي، وطغيان في البيوت والمعامل والمكاتب هكذا نحن.. الا نعجبكم ؟!