بيان 2 : لقد كان الأدب على الدوام انعكاساً لصورة الواقع ومرآة من خلالها ينسج الكتاب والأدباء رؤيتهم الخاصة عن ذلك الواقع والمجتمع الذين يعيشون فيه. فلغة الأدب النثرية والشعرية والخطابية، بما فيها الأجناس الأدبية المتنوعة كالرواية والقصة والقصيدة والمقالة، قد طرقت كافة أبواب المجتمع وقضاياه وطموحاته وآلامه وصراعاته منذ فجر التاريخ لأن من يكتب الأدب هو المبدع الأكثر التصاقاً ومعرفة بما يدور في ثنايا ذلك المجتمع من خلال تجاربه الخاصة أو تجارب الآخرين التي يشاطرهم إياها. وكان أدب المقاومة بكل ألوانه صورة خالدة لم تتجسد بمعاناة أفراد أو مجموعات فحسب، بل تعدت ذلك لتستوعب شعوباً ودولاً وربما امتدادات كبيرة من قارات برمتها. فشرع ذلك الأدب يصور المعاناة والظلم والقسوة والوحشية على يد المستعمر من جانب، والأمل والطموح والتطلع لمستقبل زاهر مستقل متحرر لتلك الشعوب من جانب آخر. وهكذا أثمرت تلك المعاناة عن خروج أدب كان له الدور الطليعي وربما الأول في التصدي للمستعمر كضرب من المقاومة التي لها أكبر الأثر في حث الشعب على رص الصفوف وبذل التضحيات والصبر على الشدائد، حتى يتم تحقيق النجاح النهائي ضد المحتل المغتصب، بصرف النظر عن التضحيات التي لابد منها. والذي يطالع سيرة كتاب أدب المقاومة وأعمالهم ودورهم الاجتماعي سيعثر على الكثير من الأمثلة لأفراد ضحوا بحياتهم في سبيل القضية والمبدأ والهدف التي يؤمنون بها ويطمحون لبلوغها. هذا الكتاب الذي نناقشه هنا دراسة دقيقة وشمولية لأدب المقاومة التي حصلت في معظم أرجاء العالم التي كانت أو ربما مازالت رازحة تحت الاستعمار. وقد بذلت المؤلفة كل جهد للخروج به على هذه الصورة الجميلة الشمولية بحيث استوعبت الكثير من الكتاب والأعمال على حد سواء. تشير المؤلفة إلى أن مصطلح «المقاومة» قد استخدم أول مرة في وصف الأدب الفلسطيني عام 1966، من جانب الكاتب والناقد الفلسطيني غسان كنفاني في دراسته بعنوان «الأدب والمقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966» والتي كتبها قبل حرب يونيو عام 1967، وكانت تلك الدراسة كما تذكر المؤلفة مهمة للتمييز بين الأدب الذي كتب تحت الاحتلال وبين أدب المنفى. فهذا التمييز يفترض وجود علاقة جماعية للناس صوب أرض مشتركة وهوية واحدة. وكانت كتابات كنفاني التي تشير إلى «أدب المقاومة» ضمن سياق محدد اصطبغت به حركات التحرر العالمية الأخرى والصراعات القومية المعاصرة من أجل التحرر من نير الهيمنة الإمبريالية الغربية على أفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية والشرقين الأوسط والأدنى. وما يكشف عن خصوصية السياق التاريخي هو الدور الأكبر الذي يمارسه أدب المقاومة، خاصة في ظل ما بات يعرف بـ «أدب العالم الثالث». لذلك كان الصراع التاريخي ضد الاستعمار والإمبريالية الذي شنته حركات التحرر القومية - مثل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة التحرر القومية في فيتنام وماو ماو في كينيا وبريليمو في موزمبيق وغيرها من حركات التحرر في أنجولا وجنوب أفريقيا والسلفادور - هو بالأساس صراع حول السجل التاريخي والثقافي لهذه الشعوب والذي سعى المستعمر أبداً لسلبه أو طمسه أو مصادرته أو تغييبه. كما حصل في الأمثلة التي تضربها لنا المؤلفة ويتعلق أحدها بمصادرة الجيش الإسرائيلي للسجلات الثقافية والتاريخية الموجودة في مركز البحوث الفلسطيني في بيروت إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والثاني ما أقدمت عليه فرق شرطة الولايات المتحدة عام 1985 باعتقالها في سان جوان في بورتوريكو، العديد من الناشطين السياسيين ومصادرتها للمصادر الأرشيفية لصحيفة «بينزامينتو كريتيكو» وجهاز النسخ والطابعة. الشعر والمقاومة تقول المؤلفة إن الشعر ليس بقادر على العمل كوسيلة للتعبير عن الهوية الشخصية أو العاطفة القومية فحسب، بل في وسعه أن يكون بنفسه ساحة نضال طالما أنه شطر من المؤسسات الثقافية والوجود التاريخي للشعوب. ومثل هذا النضال الثقافي والسياسي والتاريخي يطرأ في الوقت الحالي في معظم أرجاء دول العالم الثالث بدءاً من شرقي آسيا إلى السلفادور في وسط أمريكا بفعل التاريخ المعاصر للاستعمار والمشروع الإمبريالي للغرب المتمثل بأوروبا والولايات المتحدة. وكان من النتائج المهمة التي ترتبت بفعل تدخل العالم الأول (أوروبا والولايات المتحدة) في الشئون العسكرية والاقتصادية والسياسية للعالم الثالث في الـ 150 سنة الأخيرة أن تنفجر التقاليد الثقافية والأدبية بشكل كارثي لشعوب العالم الثالث. ومثل هذه التقاليد - كما تشير المؤلفة - تمثل أسلوباً مهماً لتعريف الشعراء بأنفسهم كمجموعات وشعوب ليست بأقل من دولة ذات تاريخ ولها كل الحق في التمتع بالحكم الذاتي أو الاستقلال في العالم المعاصر. وهنا تطرح الكاتبة مقارنة جميلة في هذا المضمار، وتقول إن الشعراء كشأن قادة العصابات (رجال حرب) وحركات المقاومة يرون أن من الضروري إظهار تاريخهم المُصادر بقوة ليعيدوا ملاءمته مع أنفسهم مما يسهم في إعادة صياغة نظام العالم التاريخي الجديد. وتضرب لنا بربارة هارلو بعضاً من مقتطفات الشعر المتعلقة بذلك. وكان أحدها للشاعر التشيلي بابلو نيرودا الذي يمجد في قصيدته «الملحمة» اغتيال القائد الشعبي النيكاراجوي أوجسطو ساندينو عام 1934 على يد قوات سوموزا التي كان يساندها أفراد من المخابرات المركزية السي آي أيه التابعة للولايات المتحدة. وكانت السمة المشتركة والسياق الثابت لقصائد المقاومة أن من كتبها شعراء من دول العالم الثالث، من أفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية وآسيا والشرق الأوسط، حيث عانى معظم أولئك الشعراء مثل توماس بورج من نيكاراجوا ودينيس بروتس من جنوب أفريقيا ومحمود درويش من فلسطين من فترات طويلة من الاعتقال والتعذيب في سجون المحتلين. وحمل شعراء آخرون السلاح، كما فعل بلاش خان من باكستان، في جبهات القتال كمناصر فعال ضمن حركات التحرر القومية. أما الشعراء الآخرون من قادة رجال المقاومة (الذين تنقل المؤلفة بعض أشعارهم المعبرة عن الرغبة بالتحرر وتحقيق الاستقلال) كالشاعر إرنستو كاردينال من نيكاراجوا وأجوستينهو نيتو من أنجولا قد أصبحوا وزراء في الحكومات الجديدة التي تشكلت في أعقاب نجاح الصراع في الإطاحة بالقوة المستعمرة وبالنظام الذي كان متحكماً بتلك الشعوب. وعلى الرغم من أن دور الشعر كعامل للمقاومة بات محدوداً أو ربما طرح معضلات أمام الشعراء الذين تحررت بلادهم، فانه يظل يلعب الدور الأكبر في البلدان الخاضعة للاستعمار باعتباره جزءاً لا يتجزأ من حركات المقاومة المسلحة، كما تنقل المؤلفة عن الشاعر روكيو دالتون من السلفادور الذي يتطرق في احدى قصائده إلى دور الشعر ويمنحه أهمية تفوق مجرد الكلمات. وهكذا تخلص المؤلفة وبعد طرحها للعديد من النماذج الشعرية والقصائد الحماسية الوطنية إلى أن الشعر قد ظل على الدوام شطراً في النضال من أجل التحرر وعاملاً حاسماً كقوة لتعبئة رد جماعي للاحتلال والسيطرة وكخزين للذكريات والضمير الشعبي. ومن بين الأمثلة البارزة واللافتة للنظر على الشعراء العديدين الذين تتطرق المؤلفة إليهم وإلى قصائدهم الكاتبة في فصل الشعر هو الشاعر الكوبي نيكولاس جولين باعتباره أهم الشعراء الكوبيين المعاصرين ومدير الهيئة القومية لرابطة الكتاب الكوبيين. وساهم هذا الشاعر في المراحل الأولى من عملية تحرر كوبا في هذا القرن ومن ثم في الثورة الكوبية ولم ينقطع عن ذلك لأن نشاطه قد تواصل في مجالس وحكومة كوبا ما بعد الثورة. وبصفته شاعراً فقد أتحف القراء على الدوام بتحدٍ تمثل بديمومة ثقافة كوبا وأمريكا اللاتينية وماضيهما التاريخي. وفي قصيدته الموسومة «مشكلات التخلف»- التي تقتبس المؤلفة شطراً منها- يطرح جولين منذ البداية علاقة ضرورية بين السياسة والاقتصاد والثقافة. ومن ناحية أخرى تظهر استراتيجية فكرية في القصيدة من خلال تتفيه الشاعر وتسخيفه لصانعي ورموز أحداث الثقافة السياسية الأوروبية والأمريكية، كما يظهر في بعض الأبيات الشعرية من القصيدة : فكتور هيجو والثورة الفرنسية، بسمارك ومؤتمر برلين عام 1885 الذي قسمت فيه أوروبا أفريقيا بين دولها المختلفة، وأخيراً شيل والمؤسسات متعددة القوميات للإمبريالية الأمريكية. وفي المقابل فان الرموز أعلاه وكما تقترح بربارة من خلال القصيدة تضمحل وتختفي بالمقارنة مع رموز تمثل في نظر الشاعر دقائق الحياة في أمريكا اللاتينية. فكلمة «كاكاراجيكا» ذات اللفظ الأفريقي هي مكان في كوبا وتستخدم أيضاً كإيماءة للتعجب المقرون بالموافقة. أما كلمة «أكونجاوا» فهي جزء من الأنديز في الأرجنتين وأعلى قمة جبل في الأمريكيتين. وبالإضافة إلى ذلك يمجد الشاعر أيضاً عدة شخصيات في أمريكا اللاتينية التي كان لها باع طويل في مجابهة الاستعمار، أنتونيو جوزيه سوكري قائد استقلال فنزويلا ومحرر الاكوادور وبيرو الذي تم اغتياله في عام 1930 وجوزيه مارتي الشاعر والثوري الكوبي في القرن التاسع عشر والذي قضى نحبه بعد سنوات من النفي في الولايات المتحدة وأمريكا الإسبانية عام 1895. وأخيراً تشير المؤلفة وبعد عرضها لقصائد أخرى تعبر عن هواجس وتطلعات الناس في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وفلسطين إلى أن معظم الشعراء المناصرين أو المساهمين في معظم حركات التحرر والنضال يفصحون في قصائدهم عن وعي لساحة أكبر يحيون فيها. فالشاعر التشيلي نيرودا، شأن الكوبي جولين، يؤلف قصائده تمجيداً لأجوسطو ساندينو من نيكاراجوا. ويمجد الشاعر أنجولان فيرياتو في قصيدته «أم سوداء» صراع القارات الثلاث، بينما ألهم سجن نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا جوزيف كرافيرنها ليكتب قصيدة تتحدث عن رحيل مانديلا صوب جزيرة روبين. نثر المقاومة أيضا وترى المؤلفة ان النثر، على عكس الشعر، يوفر تحليلاً تاريخياً أكثر تطوراً لظروف الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية. ومثل هذا الاختلاف يسهم على نحو واضح في تركيب الروايات والأعمال النثرية الأخرى كالذكريات من جانب كتاب العالم الثالث ضمن أدب المقاومة. وفي الوقت الذي تسعى القصيدة والشعر الخاص بنضال حركات المقاومة إلى الحفاظ أو التعريف مرة أخرى بالصور الثقافية للعمل الجماعي العسكري أو الفكري على حد سواء للناس الذين يسعون للتحرر من نير قوى القمع، فإن الأدب السردي يتميز بتحليل الماضي بما فيه التراث الرمزي لكي يفتح أمامه إمكانيات المستقبل. ومن الأمثلة على ذلك الكاتب الكيني نجوجي واثيونجو، الذي تقول عنه بربارة إنه يستخدم رمزية ماو ماو وشعر جيكويي في بناء روايته «شيطان على الصليب» التي كتبها عام 1979 وهو في السجن. وفي هذه الرواية المتعلقة بكينيا الواقعة تحت نير الكولونيالية الجديدة يعيد الروائي بناء صراع الماضي بأسلوب يعيد ممارسة دور في بناء كينيا جديدة. وعلى الصعيد البنائي تبحث روايات المقاومة عن نهايات تاريخية مختلفة واضحة لا لبس فيها ومحتواه ضمن التحليل والتركيب السردي لظروف ومعضلات الموقف التاريخي ذاته. وكل الروايات التي تناقشها المؤلفة في معرض حديثها عن نثر المقاومة تؤكد على خصوصيتها التاريخية المميزة وأهمية الأحداث التي تصفها، كأحداث الشغب في سوويتو عام 1976 أو الحرب الأهلية اللبنانية أو الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 أو فرق الإعدام في السلفادور أو صراع التحرر في نيكاراجوا لمدة خمسين عاماً. وكانت معظم روايات المقاومة والتحرر، كما تنوه المؤلفة، متوفرة بشكل يصعب على القراء الحصول عليها أو يتعذر اقتناؤها لأن من الممكن لهكذا قراء التعرف إلى السيناريو التي تمثله. وعندما منعت روايات كنفاني في الأراضي التي تحتلها إسرائيل لقيت المصير ذاته أعمال روائية كثيرة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية كرواية «أن ندفن آباءنا» و«يوم من الحياة» و«جولة في الزوبعة» في بلدان مؤلفي تلك الأعمال. وبالنسبة للرمزية فإن قصص أو روايات المقاومة تعرض السياق التاريخي والاجتماعي، الذي أنجب الرموز أو الصور التي يعرضها الشعر من دون أن يخوض في تفاصيلها. (وبعبارة أخرى تود الكاتبة القول إن الأدب السردي أعمق تصويراً لرمزية الواقع من الشعر طالما بوسعه أن يغوص في أعماق تاريخ المجتمع) لذا فإن تحليل الأدب السردي وتوثيقه للظروف الثقافية والفكرية المحيطة بالحبكة والشخصيات والموقع الذي تدور فيه الأحداث يمثل تحدياً لتقاليد أدبية معينة انحدرت من خلال تاريخ الرواية التقليدي. فكتاب نثر المقاومة، شأن الروائيين الغربيين في عصر الحداثة وما بعدها، يخوضون تجاربهم من خلال هيكلية زمنية تتعدى كونها مجرد براعة فنية رسمية. فهو شطر من تحديهم التاريخي ومطالبة للولوج في تاريخ يفرض ضرورة إعادة جذرية لكتابة التاريخ الماضي، بحيث يسمح لتلك الدول أن تحتل موقعاً ضمن التقويم الغربي للأحداث. وتخلص المؤلفة إلى القول إن الأحداث التاريخية والسياسية قد تمت إعادة قولبتها بشكل أدبي ضمن الأعمال السردية لأدب المقاومة بحيث جمعت بين هياكل الحبكة والشخصية وموقع الحدث ضمن بنى اجتماعية تمثل في الواقع الحقيقي حركات المقاومة نفسها في المقام الأول والمطالب الجماعية والشعبية في المقام الثاني والتي تجيب مثل هذه الأعمال عنها. وهكذا اتسمت روايات المقاومة التي تستعرضها المؤلفة مثل «الرجال والسلاح» لغسان كنفاني، و«أن ندفن آباءنا لسيرجيو راميرز، و«يوم من حياة» لمانليو آرجيتو بأنها تزاوج بين الخيال والتوثيق وتعالج أمور العرق والجنس البشري والطبقة الاجتماعية بشكل متباين. ومن بين الأعمال الروائية التي تعالجها المؤلفة وتثير اهتمام القارئ رواية «يوم من حياة» التي كتبها مانليو آرجيتو. فهذه الرواية كما تشير المؤلفة تجسد معاناة جيل كامل ودولة كاملة هي السلفادور وربما أفريقيا على الشاكلة نفسها، في الوقت الذي تتكرر الكثير من صور الألم والمأساة والمعاناة التي تتناولها بعض الأعمال الروائية الأخرى. وفيما يخص الأسلوب الروائي فإن كاتب الرواية يسلك نموذجاً مميزاً في سرده للأحداث. فبعد أن قضى سنين عديدة في المنفى يقدم عمله بشكل قصة امرأة تحتجزها فرق الإعدام بعد الإقدام على قتل زوجها. وشأن أعمال كنفاني أو كتاب أمريكا اللاتينية تعيد الرواية العمل بزمن الأحداث والتصميم على نحو ينتقد النظام الإجتماعي والرعب والقمع الذي أخذ يدب ويهيمن على الدولة. فكانت قصة لوب (المرأة) قصة شعب فنزويلا وأفريقيا أيضاً ومن خلال سردها للأحداث تتناهى إلى مسامع القاريء أصوات الأفراد والأطفال والزوجات وحتى السلطات ومن ثم تظهر الجمل والتعابير التي تفصح عن الأطراف المتناحرة والصراع المتفشي في ما بينها. وتهدف الآفاق المتعددة للرواية إلى تقويض أساليب السلطة والحكم من جانب وإلى منح أصوات للكثير من أبناء الشعب الذين حرموا منذ أمد طويل من حقهم في الحديث والجهر بما يعتمل في دواخلهم. وقد نجحت بطلة الرواية- المرأة لوب الموغلة في السن- وفقاً لرأي بربارة هارلو في أن تقوم بهذا الدور المتعدد المعقد. فزوج ابنتها قد اختفى على يد السلطات السلفادورية بينما قام زوجها بالالتحاق باتحاد الفلاحين ومن ثم ساند المتمردين الذين كانوا يقاتلون الحكومة القمعية. وقد اعتاد هذا الزوج على التخفي بين التلال بعيداً عن أعين قوات الشرطة والأجهزة القمعية التي كانت تبحث بشكل مهووس بين القرى والأرياف والحقول عن المتمردين والمتعاطفين معهم. وعندما تداهم قوات الأمن منزل لوب للتعرف على الجثث التي قامت تلك السلطات بتحويلها من أحياء إلى أشلاء تنفي لوب معرفتها بجثة زوجها المدماة وتنفي إنها شاهدته أبداً. لذلك فإن الروائي باختياره لشخصية لوب يعبر عن مساهمتها هي وسائر الشخصيات الأخرى في العملية التاريخية. فالرواية تشير بين فصل وآخر، كما هي الحال عليه في معظم الأعمال الروائية في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا أو فلسطين أو لبنان، إلى دلالات تاريخية عديدة للواقع السياسي المعاصر في السلفادور وإلى ظروف مادية وفكرية تقرر خيار لوب في نفي معرفتها بجثة زوجها أمام جنود فصيل الإعدام. أما الأصوات المتناقضة التي تظهر بين ثنايا الرواية كصوت لوب وصوت السلطات والجنود الذين تم تجنيدهم من بين شرائح المجتمع المختلفة فتصور الاستخدام المتهكم والاستبدادي لتناقضات الطبقة الواحدة في الحياة السياسية والاجتماعية داخل السلفادور. وأخيراً، وليس آخرا تنتهي المؤلفة إلى خلاصة مفادها ان قصص المقاومة وحتى إذا ما اختفت بين الظروف المادية والتاريخية تبعث بالمصداقية على نضال التحرر طالما إنها لا تظهر بين الإحصاءات غير الدقيقة لتغطية الأوساط الإعلامية الغربية أو تقارير الحكومة الرسمية. وتدحض الأصوات المتعددة التي تفوه بها روايات المقاومة في معظم الدول الخاضعة لنير الاحتلال دور هذه الروايات كمجرد وثائق تاريخية أو تحليلات فكرية أو رؤى عن إمكانيات المستقبل الذي تنجبه حركات النضال المعاصرة ضد القمع. زد على ذلك ان هذه الأعمال تتحدى بالذات المسعى الذي يهدف إلى عزل الأدب والأعمال الأدبية عن «مناطق التأثير» الأخرى التي اتسم بها الكثير من النقد والممارسة الأدبية الغربية. لذا فإن قصص المقاومة ليست مجرد وثائق، بل هي تهمة يمكن من خلالها تجريم المحتل. السجن في مرآة الأدب تولي المؤلفة أهمية كبيرة للدور الذي يلعبه السجن في بلورة الأفكار والخروج بصور أدبية أكثر دقة وتفصيلاً للواقع السياسي الذي يعيشه هؤلاء الأدباء هم وشعبهم في ظل ظروف الاستعمار والقمع. فالتجربة التي تحصل بين السجناء السياسيين عادة تتخطى مجرد مشاطرة أغاني الاحتجاج أو القصائد العاطفية، بل تمتد لتكون مقاومة منظمة لسلطات السجن وأجهزة الدولة القمعية التي تمثلها. والسجناء السياسيون محجوزون من جانب الدولة لأسباب تتعلق بدورهم الجماعي في المعارضة ضمن المجتمعات التي يحيون فيها. ومن الأمثلة التي تستهل بربارة هارلو حديثها عن دور السجن بها الموسيقي والمغني التشيلي فكتور جارا الذي ألف آخر قصيدة له في إستاد سانتياجو القومي حيث تم احتجازه هناك هو والألوف من التشيليين الآخرين خلال الانقلاب الذي أطاح في سبتمبر عام 1973 بحكومة سلفادور الليندي الشعبية. وتم نقل القصيدة (التي تعبر عن ظروف الحرمان والمجاعة والقهر،كما يظهر النص المترجم لمقتطفات منها) على نحو شفوي ليحفظها السجناء عن ظهر قلب وليتم تهريبها بعدئذ عندما تم الإفراج عن هؤلاء السجناء ولما يلق جارا مصير القتل على يد السلطات داخل الإستاد القومي. ومثل هذا المصير المتمثل بأقصى درجات الوحشية النفسية والجسدية التي يتعرض لها الأدباء قد تكرر مع آخرين كثيرين مثل موليفو فيتو مدرس الدراما والأدب في جنوب أفريقيا الذي تم احتجازه لمده تسعة أشهر في عام 1977 وتوماس بورج من نيكاراجوا بينما تم إلقاء القبض على دومليتا باريوس دي شنجارا مرتين من جانب السلطات البوليفية لمساهمتها في تأسيس لجنة زوجات عمال المناجم البوليفيين. ومن ناحية أخرى تشير المؤلفة الى ان الكتابة ضمن سياق نضال التحرر أو حركات المقاومة غالباً ما تنطوي على نتائج خطيرة لحياة الكتاب وأشخاصهم بالذات. وهذه العواقب تتخطى مجرد قضايا وعقوبات النشر والطباعة. فبعض الكتاب كما في الأمثلة المضروبة مثل غسان كنفاني وأميلكار كابرال قد تم قتلهم بوحشية على أيدي قتلة السلطات المحتلة أو الحاكمة (قتل كابرال في 20 يناير عام 1973 بزعم إن عملية تصفيته قد تمت على يد منشقين من حركته يساندهم النظام البرتغالي، بينما تم تفخيخ سيارة كنفاني في بيروت في 8 يوليو عام 1972). وسلخ معظم الآخرين سنين في السجن حيث تمت إدانتهم لأسباب تتعلق بكتاباتهم أكثر من مشاركاتهم السياسية. وعلى صعيد قوة الكتابة وتأثيرها فان ذكريات السجن التي يصورها الكتاب المسجونون، بما فيها كل أشكال الاتصال الكتابية والشفوية بين السجناء، تتخطى في نظر المؤلفة حجم السيطرة التي تفرضها سلطات السجن والمتمثلة في الأغلب بأساليب المراقبة والاختبار والتفتيش والحبس الانفرادي. فكانت الكتابة الروائية بالذات من العوامل التي شكلت حافزاً منظماً لبعض الكتاب، كما فعل نجوجي في روايته «احتجاز» التي تبدأ أحداثها داخل السجن وهو يكتب روايته، وليس عند إلقاء القبض عليه في منتصف الليل على يد الشرطة التي كانت تبحث بشكل عنيف بين رفوف مكتبته أملاً في الحصول على مادة أدبية لتجريمه. لذلك تمثل رواية نجوجي التي كتب مسودتها وهو في السجن هيكلاً لإطار قصة عن ذكرياته داخل الزنزانة. وباتت تلك التجربة وكما تستشف بربارة هارلو جزءاً أساسياً من ممارسته الكتابية واستراتيجية المقاومة التي تسهم الكتابة في بلورتها. وكان السجن في نظره «إبعاداً جسدياً للوطنيين عن حلبة صراع شعبهم المنظم». وحتى داخل السجن لم يتحدد أو يتقوقع دوره النضالي ككاتب حيث قامت قوات الشرطة بمداهمة منزله ومصادرة كتب لينين وماركس وأنجلز وقائمة أخرى تضم كيم شي ها. والجانب الأخير الذي تود المؤلفة الإفصاح عنه هو إن كتابات السجن سواء كانت الأعمال الأدبية التي ألفها الكتاب المسجونون في فترة الحبس أو الأعمال التي تم بسببها إلقاء القبض عليهم تعمل كحلقة وصل خطيرة ودائمة بين المعتقلين في الداخل وأولئك الذين يناضلون خارج أسوار السجن. ولا تغفل الكاتبة عن طرح الأدب النسوي وأثره في المقاومة جنباً إلى جنب مع الرجل. وبعد أن تتحدث عن الكثير من النماذج النسوية، خاصة في روايات غسان كنفاني، تقول المؤلفة إن السير الذاتية لنساء العالم الثالث عامة والمساهمات في حركات التحرر خاصة توفر تناقضاً بارزاً للعيان مع أسلوب السير الذاتية النسائي الغربي المتسم بتقليديته. فهذه السير الذاتية وكما ترى بربارة هارلو لا تؤكد كثيراً على جوانب الحياة العامة أو أعمالهم اليومية وشئون العائلة. فحتى الاهتمام والتركيز الذي ينصب على الأصدقاء والمقربين منهن يعاد صياغته عند كتابة السير لتحتل موقعاً آخر ضمن سياق النضال الشعبي والتاريخي لمجتمعهم ودولهم.