كشفت دراسة تعد الأولى من نوعها عن الجهاز الحكومي بمصر شارك في اعدادها أكاديمية البحث العلمي ومركز الدراسات بالأهرام ووزارة التنمية الإدارية أن مصر يوجد بها 5.5 ملايين موظف حكومي وأن الموظف يحصل على 157 يوما أجازة سنويا ويعمل ثلاث ساعات فقط يوميا، أي نصف وقت العمل الرسمي وأنه يوجد بالجهاز الحكومي حوالي 35% عمالة زائدة عن حاجة العمل مما يهدر على الدولة من أربعة إلى خمسة مليارات جنيه سنويا. ويقول الباحث الرئيسي في تلك الدراسة عبد الخالق فاروق أنه تم إجراء هذه الدراسة على عينة من الموظفين في 51 وحدة إدارية بأجهزة الدولة والإدارة المحلية وأن الدراسة إنتهجت أسلوب الملاحظة إلى جانب الاستمارات التي يملأها أفراد العينة لتحديد أسلوب تعاملاتهم مع رؤسائهم ومع بعضهم البعض وتقدير وقت العمل الضائع ومظاهر تبديد هذا الوقت وأن عينة البحث ضمت 329 من الذكور و290 من الإناث وأن توزيعاتهم العلمية شملت 53.3% من حاملي المؤهلات العليا و37.4% من حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والباقي من حملة مؤهلات أقل أو بدون من شاغلي وظائف الخدمة المعاونة (السعاة). كما تبين أن 21.9% من إجمالي أفراد العينة سبق لهم السفر والعمل بالخارج خاصة في دول الخليج والعراق وليبيا و40.7 كانوا يعملون في القطاع الخاص الاستثماري والعمل الحر وفضلوا ترك هذا العمل والتوجه إلى العمل في الحكومة. الحكومة بين عامي 50 ـ 98 ويشير الباحث إلى أن هيكل القطاع الحكومي شهد تطورا ملحوظا ما بين عامي 1950 و1998 يكشف عن التضخم الهائل في أعداد الموظفين حيث زاد عددهم من 441 ألفاً عام 1951 إلى 5.5 ملايين موظف عام 1998 كما جرى توسع هائل وغير مبرر في كثير من الأحيان في الوحدات الإدارية بالحكومة عن طريق إستحداث تقسيمات تنظيمية جديدة وترفيع مستوى بعض التقسيمات حيث بلغ عدد قرارات استحداث وإعادة تقييم الوظائف الصادر عن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة نحو 4105 ما بين عامي 1980 و1997 كلها اضافت وظائف جديدة. كما تعرضت الدراسة إلى هيكل المنظومة القانونية المشرعة وغير المشرعة مثل القوانين واللوائح والقرارات الجمهورية والوزارية التي شكل الإطار القانوني الذي تجرى في ظله العملية الإدارية في القطاع الحكومي ووفقا لما هو متاح من بيانات رسمية فإن عدد هذه القوانين والقرارات يزيد على 24 ألف تشريع وقرار أما بالنسبة لتكاليف تشغيل الجهاز سواء فيما يتعلق بالأجور والمرتبات المدفوعة للموظفين والعاملين داخل هذا القطاع أو فيما يتعلق بالنفقات الجارية الخاصة بتكاليف تشغيله من مستلزمات سلعية وخدمية أو فيما يتعلق بالنفقات الاستثمارية المخصصة لاقامة المباني والمنشآت الحكومية وتجهيزها بالمعدات والأجهزة والاثاث والسيارات.. الخ فقد زادت من 535.6 مليون جنيه عام 1963 إلى أكثر من 47 مليار جنيه عام 1997. الموارد والإمكانيات الحكومية وبالنسبة للموارد والإمكانيات الحكومية فإنها تنحصر في الموارد البشرية التي تبلغ حوالي 5.5 ملايين موظف والموارد العينية التي تتمثل في المباني الحكومية والموجودات المخزنية وبالنسبة للمباني الحكومية فقد بلغت وفقا لآخر إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 1996 أكثر من 272 ألف مبنى موزعة بين عمارات ومنازل وفيلات ومباني عمل ودكان وكشك هذا بخلاف مباني قطاع الأعمال العام التي زادت عن 54 ألف مبنى. أما الموجودات المخزنية فقد تبين أنها تزيد في عام 1999 على 20 مليار جنيه وهي تزيد بأربعة أضعاف على المعدل المطلوب والمتعارف عليه في علم المخازن كما تبين أن الكثير منها يعتبر من الأصناف الراكدة لسنوات برغم احتياج هذه الأصناف لدى وحدات حكومية أخرى بما يؤكد وجود تخبط في سياسات المشتريات الحكومية طوال السنوات العشر الماضية في معظم وحدات القطاع الحكومي. تكاليف الوقت الضائع وبالنسبة لتكلفة وقت العمل الضائع فتشير الدراسة إلى عدة حقائق من بينها أن أيام العمل الرسمية أي الأيام التي يعمل فيها الموظف الحكومي بعد إستبعاد أيام الأجازات الرسمية والقانونية التي يحظى بها الموظف الحكومي قبل إتباع نظام اليومين أجازة أسبوعية فقد بلغ 260 يوما بينما أصبحت بعد إتباع نظام اليومين تبلغ 208 أيام وبهذا فإن عدد أيام الأجازات الرسمية قد زاد من 115 يوما إلى 157 يوما وترتب على ذلك أيضا انخفاض عدد ساعات العمل الرسمية السنوية بحيث أضحى وقت العمل الحقيقي الفعلي بعد اختصام وقت المسموحات والتي تتمثل في الوقت الذي يستغرقه الموظف في قضاء حاجته والراحة لبعض الوقت والوقت الضائع الذي يحدث نتيجة للسلوك الغير إيجابي من جانب الموظفين مثل تبديد الوقت الرسمي في التأخير عن مواعيد العمل الرسمية صباحا أو الخروج المبكر عن مواعيد الإنصراف ظهرا أو الوقت المستغرق في قراءة الصحف وتناول المأكولات أثناء وقت العمل الرسمي أو الوقت المهدر في الأحاديث المتبادلة بين الزملاء في غير موضوعات العمل أو تبادل الزيارات بين الزملاء لغير أغراض العمل أو استغراق الوقت في عمليات البيع والشراء المنتشرة حاليا بالأجهزة والمصالح الحكومية أو في الصلاة وتلقي درس ديني أثناء وقت العمل الرسمي فإذا أخذنا بمفهوم وقت العمل الرسمي الصافي أي بعد خصم وقت المسموحات فإن عدد ساعات العمل تبلغ 1248 ساعة سنويا بدلا من 1456 ساعة وبحسبة أخرى فإن متوسط الوقت الضائع من موظفي الجهاز الحكومي يعادل ثلاث ساعات يوميا أي ما يوازي نصف ساعات العمل المقررة تقريبا وتتراوح تكاليفها ما بين أربعة إلى خمسة مليارات جنيه سنويا فإذا ترجمنا الوقت الضائع بما يوازيه من فائض العمالة في وحدات الجهاز الإداري للدولة فإن نسبة الموظفين والسعاة الزائدين عن حاجة العمل تبلغ ما بين 30 إلى 35% في الجهاز الإداري فقط فضلا عن اضعافهم من الموظفين والسعاة في الإدارات المحلية الزائدين عن حاجة العمل وتوضح هذه النتائج حجم ما يعانيه الجهاز الحكومي من حيث التضخم. الوظيفي والتنظيمي وما يترتب علي ذلك من إتباع أساليب وطرق عمل عتيقة وغير مرنة في ظل تضخم تشريعي ولائحي وسيادة ثقافة سلبية في المنظمات الحكومية المصرية وأخيرا ما ينجم عن ذلك من إهدار مالي واقتصادي حيث أصبح هذا الوضع يستنزف جزءا كبيرا من الموارد الاقتصادية دون أي عائد حقيقي ودون مبرر مقبول. تفاوت الأجور كما أظهرت الدراسة مدى التفاوت والتباين في الهياكل الأجرية (مرتب أساس ، حوافز مكافآت ، إضافي.. الخ) بين منظمات ووحدات القطاع الحكومي المختلفة بما اسميناه (سيرك الأجور الحكومية حيث يصل مدى التفاوت والتباين إلى درجة يمكن اعتبارها بمثابة تفاحة إبليس أو ثغرة إبليس فهي مصدر للفساد الإداري الكبير خاصة في وحدات الإدارة المحلية ذات الصلة بتقديم الخدمة للجمهور حيث تتدنى أجورهم وحوافزهم وغيرها بدرجة لايمكن سوى أن تكون بمثابة ثغرة إبليس كما أن هذا التفاوت بين أجور شاغلي وظائف الكادر الخاص وشاغلي وظائف الكادر العام يلعب دورا محبطا ولذلك لابد من إتخاذ خطوتين متكاملتين لاصلاح الاجور، الأولى تتمثل في فصل أساسي المرتب عن غيره من المتغيرات الأجرية مثل الحوافز والمكافآت والإضافي وهو المعمول به حاليا والتي تستخدم عادة كأداة للثواب والعقاب مع رفع الحد الأدنى للمرتب الأساسي بما يتناسب مع مستويات المعيشة وسلة السلع الضرورية بحيث يصبح للأجور المتغيرة فاعليتها في التنفيذ وحتى لا يختلطا بعذر احتياجات الحياة وعدم المساس بلقمة العيش مما يغل يد المديرين والمسئولين عن توقيع جزاء الخصم أو الحرمان من الحافز أو المكافآت أو غيرها من عناصر الاجور المتغيرة في حالات المخالفة أو الاهمال أو التكاسل مما أدى في المحصلة النهائية عمليا إلى مساواة المجدين والمجتهدين بالكسالى والمهملين ومن ثم تفشي حالات الإحباط بين العاملين المجتهدين وهم قاطرة أية منظمة إدارية أو إنتاجية أما الخطوة الثانية فتتمثل في تقريب الفوارق الكبيرة وغير المبررة إداريا أو اقتصاديا أو حتى تعليميا في معظم الحالات بين الدخول الأجرية للعاملين في المنظمات الحكومية المختلفة. تفاقم البطالة وفي النهاية تؤكد الدراسة أننا أمام مشكلة ذات أبعاد معقدة ومتشابكة فقد كان لخروج الدولة التدريجي من سوق العمل منذ منتصف الثمانينيات وبداية مرحلة الخصخصة الواسعة وبيع الأصول الإنتاجية المملوكة للدولة مع تصور وعجز الرأسمالية الفردية والقطاع الخاص عن استيعاب مئات الآلاف من الخريجين والراغبين في العمل أن تفاقم وضع مشكلة البطالة بصورة تهدد كامل البنيان الاقتصادي والاجتماعي في البلاد وزاد الأمر سوءا أن سوق العمل العربي النفطي لم يعد قادرا على تحمل المزيد بل أنه ومنذ نهاية عام 1991 قد تحول إلى سوق طاردة للعمالة المصرية وغيرها مما زاد من عبء أوضاع قلقة بطبيعتها في مصر ومع أوضاع قطاع حكومي يتسم بالفوضى والتسيب وعدم الكفاءة أصبح من المستحيل العودة إلى سياسات التسكين والتهدئة الاجتماعية بتوظيف عشرات الآلاف كل عام من الشباب في القطاع الحكومي الذي بات في حاجة إلى معالجة جذرية لتصحيح الأوضاع الكلية والبدء فورا في سياسات جادة للإصلاح الإداري وليس الوظيفي فقط لوضع الجهاز الحكومي على أولى عتبات الألفية الجديدة من حيث الكفاءة والرشاد. ولحل مشكلة البطالة بشكل جذري يجب أولا القيام بخطوتين متلازمتين ومتكاملتين الأولى تتمثل في نزول الحكومة مرة أخرى إلى سوق العمل في صوره إقامة مشروعات ومنشآت إنتاجية حقيقية وجادة ووقف عمليات الخصخصة للمشروعات الرابحة والبدء في إجراء عمليات التحديث والتوسيع في هذه المشروعات الإنتاجية الرابحة لخلق فرص عمل جديدة وحقيقية للشباب أما الخطوة الثانية فتتمثل في التدخل الفوري للحكومة لتنظيم سوق العمل في القطاعين الخاص والاستثماري اللذين تحت دعاوى عديدة شهدا تحرراً كاملاً من أية قيود على فصل العاملين أو توفير مظلة للتأمينات الاجتماعية والصحية ومعاشات التقاعد وإصابات العمل مما أدى في المحصلة النهائية إلى إعادة تصدير المشكلة إلى الحكومة والمجتمع برمته بخلق وإشاعة حالة من الشك والإرتباك وعدم الإطمئنان لدى الشباب والعاملين فيها مما أدى إلى العودة للإندفاع إلى الوظيفة الحكومية التي قد تكون أقل دخلاً ولكنها أكثر أمنا. محاور الإصلاح وتقترح الدراسة خمسة محاور للإصلاح تستدعى وجود مجلس أعلى للإصلاح الإداري القومي يمنح صلاحيات كافية. المحور الأول يدعو إلى مراجعة الهياكل التنظيمية للوحدات الإدارية في الحكومة وتقسيماتها الفرعية داخل كل وزارة أو مصلحة ولابد من التحذير هنا بأن تلك المراجعة سوف تواجه بمقاومة عنيفة من جانب كبار المسئولين وذلك في إطار ما يسميه أحد الخبراء العرب بصراع الإمبراطوريات البيروقراطية التي تسببت في كثير من مظاهر التوسع السرطاني أما المحور الثاني فيتعلق بحصر وتصفية 24 ألف قانون وقرار وفتوى تتحكم في سير عمل القطاع الحكومي والعاملين فيه وإدخال تشريعات تسمح بمرونة أكبر في افعال الثواب والعقاب بما فيها الفصل بعد أن وصلت الأوضاع الوظيفية إلى منتهى التراخي والتسيب ثم يأتي المحور الثالث الذي يتصل بالجانب الوظيفي والبشري حيث تنهار معدلات الأداء الوظيفي يوما بعد يوم بسبب تكدس الدواوين وفشل الرهان على قدرة القطاع الخاص على توليد أماكن عمل جديدة وفي المحور الرابع من الإصلاح تظهر الحاجة الماسة إلى تجديد الثقافة السائدة في المنظمات الحكومية حيث تراكمت عبر الزمن طبقات من الأفكار والشعارات والقيم السلبية بين الموظفين مثل (مال الحكومة السايب) أو (على قد فلوسهم) أو (من يعمل كثيرا يخطئ كثيرا) أما المحور الخامس فهو يغطي جانبا مهما بمنع الإهدار المالي فقد لاحظت الدراسة تلك الظاهرة التي إنتشرت بدرجة هائلة في السنوات الأخيرة وهي تأجير بعض الوزارات لصفحات أسبوعية كاملة في الصحف المصرية لنشر إنجازاتها الخضراء والزرقاء بتكاليف تتجاوز ملايين الجنيهات سنويا.