كشف مهرجان فن الحلي الأول الذي نظمه مركز الجزيرة للفنون بالزمالك، عن فن ظل يعاني لفترات طويلة من النسيان، وربما الاهمال، سواء على العمل باعتباره فنا يجمع بين الجمالي والنفعي، أو على المستوى الاعلامي، لذلك جاء المعرض الذي اقيم لأكثر من خمسين فنانا، وفنانة، ليدفع بهذا الفن القديم الجديد الى دائرة الضوء، وأيضا وضعه على بساط البحث العلمي الجاد، حيث تزامن مع أيام المعرض اقامة مؤتمر تحت عنوان «الفنان التشكيلي ودعم القدرات الابداعية، ومهارات الابتكار، في مجال فن وصناعة الحلي في مصر»، ولو تم تفعيل توصيات هذا المؤتمر، لأصبح لهذا الفن شأنا جديدا، خاصة في ظل تمتعه بميزة نسبية تنافسية، استمدها من تاريخ وتراث طويل يرجع إلى عصر الأسر في مصر القديمة. يجمع فن الحلي بين السعي لابراز قيم جمالية خالصة تعبر عن الذوق السائد، وكونه فنا تطبيقيا يلبي احتياجات الناس في الاستخدام اليومي، التي تعكس عادات وتقاليد المجتمع وأيا كانت أسباب اقبال الناس العادي أو الفطري على الجواهر والحلي قد جاء تلبية لأسباب نفسية أو اعتقادية فقد أصبحت الحلي مرآة ينعكس عليها بحق المفهوم الجمالي ومظهر من مظاهر التذوق الفني، وترصد مراحل متطورة وليس من قبيل التكرار، أن المصريين القدماء من اصحاب الريادة في هذا المجال فالشواهد التاريخية تؤكد على انهم برعوا في صناعة الحلي الجميلة منذ أكثر ستة آلاف عام بفضل ماعثر عليه من ذهب في الصحراء الشرقية أو ماكتشفوه من الأحجار الكريمة في سيناء كالفيروز مثلا، وليس أدل على ذلك من زيارة الى المتحف المصري لنرى مدى البراعة والذوق الفني الرفيع والاتقان والدقة التي وصل اليها الفنان المصري القديم في اثار توت عنخ آمون التي لا يوجد نظير لها في العالم من عقود وأساور وقلائد ذهبية مرصعة بالأحجار النفيسة وأقنعة وتيجان وغيرها من الأدوات. بلغ المصريون القدامى من الاسرة الأولى مستوى رفيعا من النقش على الأحجار الكريمة وكلما تقدمت الحضارة في وادي النيل، شغف الرجال والنساء على السواء بالحلي والزينة فكانوا يزينون بالأحجار الكريمة أعناقهم وصدورهم وأذرعهم ومعاصمهم، ثم مع زيادة الرخاء وثراء المصريين بما تحقق لهم من أرباح التجارة مع بلدان البحر المتوسط، ومن عوائد أملاك مصر في اسيا، اصبح التزين بالجواهر هواية المصريين جميعا لا تخص الطبقات الميسرة وحدها، فكان لكل كاتب أو تاجر خاتمة المصنوع من الفضة او الذهب ولكل رجل خاتم في اصبعه ولكل امرأة قلادة تزين عنقها. كما أن المصريين لهم فضل الاسهام في تطور صناعة الحلي في العصور الحديثة وكان الصناع المهرة لهم فضل الاسهام في تطور صناعة الحلي في العصور الحديثة حيث أن الصناع المهرة من المصريين كان قد تم ترحيلهم الى الاستانة بواسطة السلطات العثمانية فتتلمذ الأترك على أيديهم ثم تتلمذ «الأرمن» الذين صاروا فيما بعد روادا لهذه الصناعة على أيدي الأتراك حيث أجادوا وبرعوا في صناعة الحلي بعد أن رحلوا الى مصر فارين من بلادهم أبان الثورة الأرمنية وهي الفترة التي تعد بداية اشراق فجر جديد لهذه الصناعة الفنية في عهدها الحديث. وإذا كانت وكالات الانباء قد طيرت أخبار فوز بعض مصممي الحلي المصريين في الآونة الاخيرة فذلك يرجع لأسباب واجتهادات فردية، لذلك يأتي مهرجان الحلي بمثابة بداية حقيقية لوضع هذه الفن في دائرة الضوء والاهتمام، حيث تباري أكثر من خمسين مصمما في ابراز قدراتهم الابتكارية الابداعية فقد لجأ د.حامد البذرة الى اطلاق الكوافي التعبيرية في خامة النحاس بألوانه الأحمر والأصفر، اعتمادا على فكر الفنان المصمم واصراره على ألا يخلو فنه من التعبير والصدق والشعور، وليس استسلاما بأن صغر حجم المشغولة نسبيا أو عدم طواعية الخامة المعدنية بالقدر المناسب يمكن أن يقلل من طلاقة ومرونة الفنان التعبيرية أو نظرا لأن طبيعة التشكيل المعدني تتطلب المرور بمراحل متتالية فإن الفنان يكون محدود الخيال مقيدا بقيود الصفة التي يمكن ان تتحكم في تحديد الصياغة المناسبة للتعبير الفني بالقدر الذي يقلل من قيمته، بل يذهب الفنان «البذرة» الى أن فن الحلي يجب أن يتجاوز الجانب الوظيفي للمشغولة باعتباره وسيلة من وسائل التزين والتحلي أو مكملا من مكملات الزينة. ذهبت «د.زينب منصور» الى أن مفهوم الشكل في صياغات الحلي لابد أن يعتمد على قيم جمالية كهدف أساسي يسعى المصمم لتحقيقه في أعماله الفنية نظرا لاعتبارات هامة منها العوامل الوظيفية لقطعة الحلي والعوامل الإنسانية والتكنيكية والاقتصادية وعلى هذا الأساس فإن طبيعة القيمة الجمالية التي سعى المصمم لتحقيقها في أعمالها لا ترتبط بالشكل الخارجي للحلي بل تكمن في طبيعة العلاقة بيننا كمتذوقين وبين أشكال الحلي التي تستحوذ على اعجابنا، وان كانت الفنانة زينب منصور اعتمدت في أعمالها التي عرضتها في المهرجان على القيم التراثية التي تحمل دلالات رمزية وأيضا تعبيرية. فقد جاءت التصميمات والاعمال المعروضة لتعكس اتجاهات فكرية وفنية مختلفة تمثلت في الآتي: ـ التنقيب في مناجم التراث.. سواء الاسلامي أو القبطي أو الشعبي وأيضا الفرعوني. ـ الارتكاز على مدارس أوروبية كالباوهاس التي كانت تسعى لوحدة الفنون عبر فلسفة تهدف الى رفع جدار الكبرياء بين الحرفي والفنان وأيضا ظهور شطحات سريالية واتجاهات تجريدية. ـ البحث عن صيغة مصرية من حيث الشكل والخامة. ـ الاتجاه القوى للفطرية سواء من حيث الشكل أو المعالجة. تمثل الاتجاه الأول في أعمال كل من الفنانة «عزة فهمي» التي اتجهت الى التنقيب في التاريخ الفني والثقافي لتصميمات الحلي الاسلامي والشعبي فاتخذت من الحرف العربي عنصرا جماليا وتراثيا يحمل طاقة جمالية تعبيرية وأيضا روحية لتضعه في صدارة عناصر تصميماتها فجاءت تشبه الاعمال الفنية النحتية، بينما جمعت الفنانة «احسان ندا» بين الفضة والاحجار الكريمة ممثلة في الفيروز في تشكيل رقيق يعتمد على التوريق، وهو نفس المنحنى الذي ذهبت اليه الفنانة الشابة سارة عبدالعظيم وتشترك معهن هبة الله مسعد سليم 1976 وهاد سمير حافظ فيما ذهبت نهلة محمد قناوي 1971 الى شكل الايقونة في الفن القبطي بعد أن لجأت الى الصورة الفوتوغرافية الشخصية لتتصدر التصميم الذي احاطته باطار بدائي. في الوقت الذي جاءت تصميمات واعمال جرمين فوزي متأثرة بالفن الفرعوني، وخاصة زهرة اللوتس، واتجاه ابراهيم غريب 1979 الى الشفتشي والشكل البيضاوي الذي يذكرنا بفترات ازدهار هذا الطراز في العصور الاسلامية أبان القرن الثالث عشر الميلادي، بينما اعتمدت زينب حمدي حافظ 1977 على شكل النورة الاسلامية في التصميم، وعلام محمود علام 1971 على التوريق الاسلامي. أما الاتجاه الذي تمثل في البحث عن صيغ مصرية أصيلة من حيث الشكل والخامة فظهر في اعمال كل من الفنانة عايدة عبدالكريم 1926 فقد تجاوزت اعمالها محاولات طرح قيم جمالية خالدة الى البحث عن خامات محلية اصيلة تقبل التناول والمعالجة وبالفعل صارت من العجائن المصرية الخزفية قلائدها الفرعونية، ويشترك مع «عايدة عبدالكريم» في نفس المنحنى ليلى السنيوني 1935 والتي اختارت التوريق الاسلامي لكن نفذت أفكارها بالطين الاسواني سواء ظهر بلونه الطبيعي أو ببريق معدني جليز ويشترك معهما في نفس التوجه الفنانة فاطمة الطناني لكنها لجأت الى الزجاج، وعالجته بالطلاء المعدني ايضا وأطرت الشكل بالفضة في تجانس لا يقبل القسمة يضيف بذلك خامة جديدة لعناصر صناعة فن الحلي، بينما لونت ايمان أحمد أبوالنور الخزف فيما اتخذت اسماء يوسف أحمد من عظام الحيوانات خامة للتشكيل ثم صنفرت معها النحاس والخرز. برز اتجاه يدعمه الأكاديميون في المهرجان وهو الارتكاز على اتجاهات ومدارس أوروبية مختلفة، عندما غزا الفنان د.حامد البذرة 1948 من وحي خطوط وتصميمات مدرسة الباوهاوس تلك المدرسة التي اعلن غرو بيوس بيان تأسيسها في فيمار ألمانيا عام 1919 وسعت الى وحدة الفنون عبر فلسفة تسعى الى رفع جدار الكبرياء بين الحرفي والفنان، والهدم من أجل البناء، عندما زاوج بين الخطوط البسيطة للنحاس الأحمر والأصفر، ويشترك معه في ذلك الفنانة الشابة هند خلف 1976 والتي رأت في اعمال فيكتور فازاريللي 1908 الخادعة للبصر أسلوبا اتخذته في الوقت الذي ذهب كل من الفنان اسلام السيد غريب 1981 والسيد محمد مزروع 1971 الى السريالية تلك المدرسة التي اعتمدت على العقل الباطن وكتابات فرويد في تفسير الاحلام بينما لجأت نسرين نبيل 1971 الى التجريد، ونهال حلمي علام 1972 الى الفن الاغريقي، وصاغ الفنان عبدالعال محمد اعماله في لوحات فنية شكلا ومضمونا خاصة عندما قدم رؤي جمالية سريالية وتجريدية بخامته المينا. لكن الغريب حقا.. هو لجوء عدد كبير من الفنانين الى استلهام الفن الفطري والبدائي، خاصة وان أغلب المشاركين من الدارسين للفن أو على الأقل داخل الدائرة الثقافية، وهو كما يتناقض مع سمات الفن البدائي سواء تاريخيا باعتباره نتاج سنين غابرة أو شكلا، حيث اتسمت الأعمال بالخشونة ويشترك في ذلك كل من ايمان أحمد محمود 1974 وسوزان مصري وأحمد فايز الشناوي 1977 وسام أنسى 1974 ورانا مقداش 1973 نهى حسين 1974 سلوى أحمد رشدي 1942. أما أحمد ابراهيم جاد 1949 فقد جمع بين سمات الفن البدائي والخطوط البسيطة للحديث في الوقت الذي اعتمد فيه سامي محروس 1963 على التراث الشعبي، وكذلك زينب منصور 1961. وفي مبادرة جديرة بالاشادة شارك محبي فن الحلي في عروض المهرجان بمجموعات من مقتنياتهم الخاصة حيث تقدم رجال الأعمال «أيمن الغرباوي» مجموعة فريدة تنتمي الى تراث سيوة تجمع بين الفضة والأحجار الكريمة، كما عرضت الفنانة زينب خليفة «اعمال تراثية ذات طابع مصري أصيل تعتمد على الوحدات وأشكال الشعبية أما الدكتورة وفاء سالم عميد كلية الفنون الجميلة - جامعة المنيا فأعارت المهرجان مجموعة من الحلي، قام بتصميمها فنانين عالميين أمثا «سلفادور دالي»، والفنان المكسيكي «سباستيان». جاءت محاور المؤتمر الثقافي الموازي لمهرجان فن الحلي في دورته الأولى والذي اتخذ عنوانا «الفنان التشكيلي ودعم القدرات الابداعية ومهارات الابتكار في مجال فن وصناعة الحلي في مصر» ، وفن الحلي ليس باعتباره فنا فقط بل تعرضت إلى كونه صناعة وأيضا تجارة، ففي الجلسة الثانية تم مناقشة بحث د.أحمد بدوي عن جماليات الحلي كأحد أسباب نجاح هذه الصناعة، فيما تحدث د.سامي محروس عن جماليات الحلي في مصر، وبينت د.سهام عفيفي اتجاهات التصميم في حلي القرن العشرين. أما المحور الثالث فتحدث د.أحمد وحيد عن التقنيات الحديثة واثرها في دعم اقتصاديات الحلي وتوقف شريف السرجاني عند اقتصاديات تصميم الحلي، وذهبت الفنانة زينب خليفة الى أن الصانع الماهر عصب صناعة الحلي في مصر. ونادت التوصيات في ختام المؤتمر باضافة الأعمال الابداعية المتميزة من فن الحلي الى متحف الفن الحديث، ووبحث دعم وتحديث المعامل والتجهيزات الخاصة بقسم المنتجات المعدنية والحلي في كليات الفنون، وحث الهيئات الدولية على دعم أنشطة فن الحلي ودعم المصانع الصغيرة والجمعيات الفنية، واعداد الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع فن الحلي وانشاء حاويات متخصصة للحلي