لا أحد ينكر أن الفنان عبد الرحمن أبو زهرة واحد من ألمع الممثلين أصحاب الأداء الرفيع وهو من المدرسة نفسها التي لا تهتم بمساحة الدور سواء كان كبيراً أو صغيراً ولكنه مثل غيره من النجوم الكبار يشغله فقط نوعية الشخصية التي يمثلها وهل تؤثر في البناء الدرامي للعمل ككل أم لا لزوم لها على الإطلاق. وعبد الرحمن أبو زهرة تاريخ طويل من العطاء في المسرح والتلفزيون والإذاعة بينما يرى أن السينما لم تغازله سوى مرات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة ومن هنا كانت نقطة إبداعه الدائم خشبة المسرح وكاميرات التلفزيون وميكروفون الإذاعة حيث حفل مشواره الفني بمئات المسلسلات والمسرحيات وتميز بأنه يجدد دائما في أدواره وبرع بشكل كبير في الأداء باللغة العربية الفصحى فقد كان متمكنا من أدواته في علم اللغة لدرجة أن النقاد لقبوه بفارس علوم النحو والصرف والحارس الأمين على مفرداتها حيث صال وجال بها في بيته الذي تربي فيه ـ المسرح القومي ـ فأصبح واحدا من أعمدته الشهيرة. ولكن فجأة ابتعد عبد الرحمن أبو زهرة عن بيته وترك القومي في هدوء خلال الفترة التي كان الفنان الراحل كرم مطاوع مسئولا عن إدارته والتزم من يومها الصمت حيث رفض أن يفصح عن أسباب تقديم إستقالته التي أحدثت زلزالا قويا اهتزت له جدران المسرح وفشلت معه كل جهود الزملاء والأصدقاء في إقناعه بالعدول عنها. وفي مسرحية الملك لير التي أعاد بها المسرح القومي عروض مسرحيات التراث العالمي سارع مخرجها أحمد عبد الحليم للإتصال بصديقه عبد الرحمن أبو زهرة لاعادته للبيت الذي سطر على جنباته تاريخه المشرف ولكن كانت المفاجأة أن أبو زهرة قال مرة أخرى لا لشكسبير ولا للملك لير ولا للقومي!! الدور مشهدان ـ في البداية سألناه عن أسباب رفضه العودة للمسرح القومي خاصة وأن العمل يتمتع بشهرة عالمية ومحلية كبيرة وهو فوق هذا وذاك من عشاق الكلاسيكيات الشكسبيرية التي صنعها ويليم شكسبير لتعيش صالحة للعرض في كل زمان ومكان ـ رفضت العودة للقومي مع إحترامي لشكسبير وللملك لير ولأصدقاء يحيى الفخراني والمخرج أحمد عبد الحليم لأن الشخصية التي عرضت علي لا تتناسب مع إمكاناتي كفنان مسرح متمكن ومتميز في تقديم مثل هذه العروض القوية ثم أن المساحة المتوفرة لأداء هذه الشخصية لا تتعدى مشهدين فقط فكيف لمثلى أن يعود بعد غياب لبيته ليمثل دورا لا يقدم ولا يأخر بالنسبة لي والأهم إنه لن يترك لدى الجمهور بصمة أداء فكان قراري بالاعتذار وأتصور أن زميلي يحيى الفخراني «الملك لير» ومعه صديقي المخرج أحمد عبد الحليم تفهما الموقف ولم يغضبا مني لأنهما يقدران وجهة نظري ويحرصان في الوقت نفسه على تاريخي واسمي في المسرح القومي ويكفي إنهما يقدمان حاليا أنجح عرض مسرحي في مصر خلال السنوات الأخيرة . ـ ولكنك مبتعد عن المسرح منذ سنوات طويلة وترفض المشاركة في عروض أخرى جيدة فما هي حجتك في ذلك؟ ـ جاءتني عروض كثيرة في مسارح الدولة ولكنني كنت أعتذر بسبب انشغالي بمسلسلات التلفزيون لأنني لا أمثل عملين في وقت واحد ثم أن بعض هذه الأعمال لم تصل إلى مستوى أعمالي السابقة فكنت أتردد في قبولها ولأنني بطبعي أبحث عن التميز فكان من الصعب أن أتوافق نفسيا وذهنياً مع بعض المسرحيات التي انتشرت في مسارحنا وأرى من وجهة نظري إنها دون المستوى في كل شيء فلا نص ولا ممثلين ولا إخراج ولا أيضا حركة نقدية تقول رأيها الصريح في تلك المسرحيات فقلت لنفسي لابد أن أتفرغ للتلفزيون فقط على أمل أن يسترد المسرح عافيته! النحلة والدبور ـ لماذا لم تتجه إلى القطاع الخاص مثل بقية زملائك من نجوم القومي؟ ـ قدمت عروضاً كثيرة ناجحة ولعل من اشهر تلك العروض كانت مسرحية النحلة والدبور ولكن التجربة لم تستمر طويلا وانشغلت بالتلفزيون وأصبحت أحد نجومه ثم بدأت فرق القطاع الخاص هي الأخرى تتجه إلى تقديم المسرحيات الاستهلاكية أو السياحية وأنا لست مع هذا الاتجاه وقررت ألا أمثل شيئا في هذا المولد واحترمت رصيدي كممثل تربى وتعلم في معهد التمثيل ثم أصبح عضوا في اعرق المسارح المصرية بعد ذلك وبصراحة شديدة أقول لم يعد هناك مسرح بعد فترة الستينيات. ـ قدمت سلسلة ناجحة من المسلسلات التلفزيونية جيدة الصنع ما هي أقرب هذه الأعمال إلى عقلك وقلبك؟ ـ معظم مسلسلاتي تمثل مراحل مختلفة من حياتي فعلى مدى 40 عاما مثلت سهرات ومسلسلات بعدد شعر رأسي بعضها إجتماعي أو كوميدي أو بالعربية الفصحى مثل الأعمال الدينية والتاريخية التي تعرض في شهر رمضان وأنا راض عنها جميعا ولكن هناك حلقات كان لها موعد مع الحظ والشهرة الجماهيرية مثل بريق في السحاب والسقوط في بئر سبع ولما التعلب فات ووان الورد عمر بن عبد العزيز وغيرها من عشرات الأعمال الأخرى التي ضربت أعلى نسبة في المشاهدة والتسويق مثل لن أعيش في جلباب أبي التي قدمت فيها شخصية المعلم سردينه تاجر حديد الخردة في وكالة البلح وأصبح الناس ينادوني بها في كل مكان أذهب إليه وأصبحت عبد الرحمن أبو زهرة الشهير بإبراهيم سردينه، وكأنني لم اقدم طيلة حياتي سوى هذه الشخصية المثيرة التي علقت مع الجماهير في مصر والعالم العربي وكلما أعيد عرض المسلسل تكرر النجاح نفسه وهكذا يتدخل الذوق والمزاج الشخصي في تحقيق الشهرة والنجومية. ـ أين أنت الآن من الأعمال التلفزيونية الجديدة؟ ـ أصور منذ أيام سهرة بأسم عدالة السماء تأليف سلوى طاهر وإخراج محمد العمري ويشترك معي في بطولتها وائل نور وزيزي البدراوي وأميره العايدي وخالد الصاوي ومجموعة كبيرة من الممثلين وتدور أحداثها حول طبيب مشهور يمتلك مستشفى ويساعده في إدارتها أحد أبنائه وهو طبيب ويواجه مشكلة خطيرة حيث يتسبب أحد الأطباء في وفاة طفل صغير اثناء إجراء جراحة ويقرر أهله الإنتقام والثأر لابنهم ثم تتطور الأحداث وتزداد تعقيدا عندما ينجح الطبيب الذي تسبب في وفاة الطفل أن يأتي بشهود زور يقررون أن الطفل المريض جاء إلى المستشفى وهو في حالة غيبوبة تامة ولم يمت بسبب إهمال الطبيب. ـ وماذا تضيف لك سهرة عدالة السماء كممثل صاحب تاريخ طويل؟ ـ السهرة تقدمني في شكل جديد تماما يمثل بالنسبة لي عملية غيار جلد في نوعية الشخصيات التي أمثلها خاصة وسيناريو العمل مكتوب بشكل جيد شدني إليه ولا أذيع سرا إذ أقول إنني فضلت هذه السهرة عن مسلسلين آخرين أتقاضى فيهما أضعاف أضعاف ما أتقاضاه في هذه السهرة ولكنني في النهاية ممثل محترف أبحث عن الجودة والأداء الرفيع فالمال إلى زوال ولكن عملك الجيد لا يزول أبدا.