كان ذلك اليوم يوما كئيبا ومعتما من ايام شهر يوليو. فقد غطت سحب ممطرة كثيفة سماء القطب الشمالي، وكانت هناك رطوبة دائمة في الجو. واتخذت سفينة بحرية روسية صغيرة موقعها في بحر البارنتز. وكان لويس فريدمان، وهو الراكب الامريكي الوحيد، يشق طريقه لاتخاذ موقع له على ظهر السفينة. وفي هذه الوضعية غير المتوقعة، كان يأمل بفتح تخوم جديدة عن طريق محاولة اطلاع العالم على طريقة جديدة تماما للسفر عبر الفضاء. يقول فريدمان عن تلك التجربة: «كان ذلك شعورا خاصا جدا. فالجميع من حولي كانوا جزءا من البحرية الروسية، ولم يحظوا أبدا من قبل بزائر امريكي على متن سفينتهم. والشعور السائد كان يتمثل في انني احطم جميع انواع الافكار السائدة بالتقنية التي كنت آمل بأن اعرضها، وهي الشراع الشمسي». ربما يكون الامر الاكثر اثارة للمفاجأة هو ان الاختبار التحليقي لم يكن ممولا من جانب الحكومة. ففريدمان رجل ينتمي للقطاع الخاص نجح في تكوين شراكة بين مؤسسته الخاصة المهتمة بشئون الفضاء، وهي الجمعية الكوكبية، والشركة الروسية الرئيسية المنتجة للمركبات الفضائية، وهي مركز باباكان الفضائي، واستديو تلفزيوني مستعد لتقديم المال لتصنيع المركبة مقابل تصوير عملية التطوير والاطلاق. تبدو مواصفات الشراع الشمسي وكأنها تفاصيل خيالية مشوشة. فهو عبارة عن مركبة فضائية لا تحتاج الى وقود وليست لها محركات، ومع ذلك، فإنها قادرة على المناورة التي لا تخطر على البال مع المركبات التقليدية. وباختصار، تعتبر تلك الطريقة احدى الوسائل الارخص والاحدث وربما الاكثر فاعلية لاستكشاف الفضاء. وتعتبر السباحة في الفضاء والحوم في المكان خارج المركبة ميزتان اضافيتان يتيحهما الشراع الشمسي. وعلى متن السفينة، انتظر فريدمان لكي يقوم شركاؤه في البحرية الروسية باطلاق شراعه الاختباري، الذي اطلق عليه اسم «كوزموس 1» على متن صاروخ بالسيتي عابر للقارات جرى تحويله لهذا الغرض، وذلك من احدى غواصاتهم النووية. ارتفعت وتيرة التوتر مع اقتراب موعد الاطلاق. ثم انتهى كل شيء على نحو مفاجيء. ففي غضون اجزاء من الثانية، انطلق الصاروخ، وابتعد عن مجال الرؤية. ومع ان عملية الاطلاق كانت سريعة، الا انها كانت مثيرة بالنسبة لفريدمان. ويقول فريدمان بهذا الخصوص: «كانت مشاهدته وهو يبرز من تحت الماء اثارة كبيرة. فقد كان الصاروخ عبارة عن كرة من اللهب، ولكنه اخترق على الفور احدى السحب واختفى عن الانظار. ثم في اللحظة التي اعتقدت ان الامر قد انتهى، سمعنا ضجة كبيرة فوق رؤوسنا. وفجأة احسست بهذا الشعور العظيم بأن شيئا عملت عليه يتجه الى الفضاء». وللأسف، تحطمت آمال فريدمان بعد مرور ساعة على الاطلاق بتحطم الشراع الشمسي في مكان ما من شبه جزيرة كامتشاتكا شرقي روسيا. فالمرحلة العلوية من الصاروخ اصيبت بعطب، مما تسبب في عودة المركبة الفضائية للاصطدام بالأرض. غير ان فريدمان وشركاءه، الذين لم يحطبهم الفشل، يعتزمون تكرار المحاولة من جديد. لم يتوان الآخرون عن دراسة الامكانيات التي تقدمها فكرة الاشرعة الشمسية. ومن هؤلاء توني بيكوك، الذي يتولى رئاسة قسم تقنية الحمولات العلمية في مركز البحث العلمي والتقني التابع لوكالة الفضاء الاوروبية في هولندا. ويقول بيكوك حول هذا الامر: «يعتبر استكشاف الفضاء في الوقت الحاضر امرا خاصا. فمن المثير الذهاب الى المريخ والبحث عن الحياة هناك. ولهذا، فإننا جميعا نتمنى الذهاب الى المريخ اعتقد ان هذا سيخمد بهدوء ليتحول الى نوع من الواقعية العلمية واعتقد ان تقنية الشراع الشمسي تنسجم بشكل رائع مع هذا الاعتقاد». تتمثل الميزة الايجابية للشراع الشمسي في الحقيقة القائلة انه يتيح المجال للقيام برحلات يمكن اعتبارها إما مستحيلة او صعبة جدا باستخدام اساليب الدفع التقليدية والمشكلة مع الصواريخ هي انها تستخدم تقنية التصويب والاطلاق. فعندما ينهي الصاروخ احتراقه، لا يملك المهندسون سوى تشبيك اياديهم والامل بأن تكون حساباتهم صحيحة. وبالمقابل، فإن الشراع الشمسي يتلقى دفعة صغيرة مستمرة من اشعة الشمس الساقطة على شراعه. وبدلا من الدفعة المفاجئة في بداية الرحلة ثم لا يتبعها شيء بعد ذلك، فإن الشراع يتم دفعه بشكل دائم الى الامام بفعل اشعة الشمس. ويمكن لمخططي الرحلة على الارض ان يوجهوا الشراع بأي اتجاه يرغبون لكي يتم توجيه المركبة الى الاتجاه المطلوب. كل هذا دفع العلماء الى التفكير بما يمكنهم تحقيقه بمثل هذه المركبات الفضائية. وكخطوة اولى في هذه العملية، قامت وكالة الفضاء الأوروبية بتكليف خبير الملاحة بواسطة الطاقة الشمسية كولن ماكينيز من جامعة جلاسجو لاعداد دراسة حول امكانيات الرحلات باستخدام الاشرعة الشمسية. وقد حدد على الفور رحلتين لوكالة الفضاء الاوروبية يمكنهما ان تستفيدا من استخدام التقنية هذه. الاولى هي رحلة ميركوري التي تحمل اسم بيبي ـ كولمبو والثانية هي رحلة «سولر اوربيتر» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. وبالاضافة الى هاتين الرحلتين ورحلات اخرى قصيرة الاجل، حد ماكينيز عددا من الاستخدامات طويلة الاجل التي تسيل لعاب رواد الفضاء. ويوضح بيكول الامر بقوله: «لم يعد من قبيل الجنون التفكير حول الخروج الى الفضاء مرورا بكوكب بلوتو وعبور سحابة اورت مستودع نيزكي يحيط بالنظام الشمسي والذهاب الى ما وراء ذلك». ليس مفاجئا اذن ان تعمل وكالة الفضاء الاوروبية على تطوير مركبتها الفضائية الخاصة ذات الاشرعة الشمسية. وفي الواقع انها تفعل ذلك بالتعاون مع وكالة الفضاء الالمانية التي يبدي مهندسوها اهتماما راسخا بهذه التقنية. وتقتضي الخطط الحالية اجراء عملية اطلاق تجريبية في غضون عام من الآن. الى الجانب الاكثر تحديا في الشراع الشمسي هو نشره في مدار حول الارض. فنظرا لان قوة الدفع المنبعثة من فوتون واحد تعتبر ضئيلة جدا، فان الشراع ينبغي ان تكون مساحته اكثر من كيلومتر مربع من اجل توليد قوة دفع مقبولة. ويتعين ان يتم لف هذا الشراع في رزمة صغيرة من اجل اطلاقه في الفضاء وفتحه عن بعد لكي يبدأ بالتحرك الى وجهته. وهذه هي المشكلة الحقيقية التي يسعى العلماء الى ايجاد حل لها في المستقبل لكي ترى هذه التقنية المفيدة النور. ضرار عمير