بيان الكتب: يعرض الكاتب ظاهر الحسناوي على صفحات مؤلفه شكيب ارسلان مسيرة خمسين عاما لشخصية تعد أحد العناصر القومية الفاعلة على الساحة العربية في فترة كانت ملأى بالاحداث السياسية الكبرى، وهي شخصية وحياة شكيب ارسلان ونشاطه السياسي. ومع مقدمة بين فيها الباحث ما تناوله في فصوله الاربعة التي شكلت رسالة ماجستير أجيزت بدرجة جيد جدا من جامعة بغداد عام 1990، يوجز أسباب اقتصاره على تناول حياة ارسلان ونشاطه السياسي فقط دون الخوض في المجالات الاخرى. يمتد كما هو مقدم مسبقا نشاط ارسلان لمدة تزيد على نصف قرن وتنوعت تجربته بين السياسة والأدب والتاريخ والصحافة والنشاط الديني وشملت حركته أو لنقل نشاطه معظم أقطار الوطن العربي مشرقا ومغربا، ولذا بات صعبا على باحث واحد التشتت بين تنوع هذا النشاط مرة واحدة وفي بحث واحد. وبأسلوب سردي سلس ينتقل الكاتب بين حياة ارسلان وسيرته الذاتية بايجاز وبين مواقفه وانجازاته موثقا ذلك بالاستناد الى محاضر مجلس المبعوثات وغيرها، عدا عن رسائله التي تبادلها مع عدد من الشخصيات السياسية والفكرية ومنها رسائله الى محمد عبده كما يتأتى. يؤرخ الأول من رمضان عام 1286هـ ميلاد ارسلان الذي يصادف الخامس من ديسمبر 1869 في الشويفات بجبل لبنان، وينتسب الى أرسلان بن مالك الذي استوطن مع عشيرته مناطق معينة من جبل لبنان بناء على أمر من الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور. ويبرر الكاتب ذلك الحدث بأن الخليفة العباسي هدف لصد هجمات الروم على أطراف الدولة العباسية، إذ يتحدر الارسلانيون من سلالة النعمان بن المنذر بن ماء السماء اللخمي، وهو نسب ظل ارسلان يفتخر به طوال حياته وأثر بشكل كبير في تكوين شخصيته. وبين تنقلات الحدث في الساحة العربية تنقل ارسلان وأخذت شخصيته شكلا دفاعيا عكس احاسيسه القومية وطغت على مواقفه ونضاله السياسي، منها حجم الاطماع الاستعمارية للدول الغربية بدءا من العهد العثماني وما تلاه من فترة ما بين الحربين العالميتين، وهنا يشير الكاتب الى ان ارسلان حذر عشية الحرب العالمية الأولى من مغبة الانجرار وراء دعوات الانفصال عن الدولة العثمانية، وأشار الى ما ينتظر المنطقة العربية من مخاطر الاستعمار الاوروبي لها. ويضاف الى مسيرة ارسلان مهاجمته للشعوبيين، وشارك في حملة ضدها وكان يرى فيها خطراً يدهم العرب إذ انها كانت تتخذ من عورات العرب هدفا لها وتبالغ في اظهارها. ولا ينسى الكاتب ان يشير الى والد ارسلان الأمير حمود بن حسين الذي يجيد النثر وقرض الشعر، وقد قاده نشاطه السياسي الى الاعدام لولا شهادة عدد من المسلمين والمسيحيين الذي بفضلهم نجا وشكل ذلك انعطافة مهمة في حياة ارسلان وهو الثاني بين اخوته. وكان لتنقله بين دول اوروبا مع زوجته الشركسية الأصل أثر كبير على تشذيب شخصيته الفكرية والدينية خاصة وانه عاش في خضم الصراعات المذهبية بين الدروز والمارونيين والصراعات العشائرية نفسها. وعبر مسيرته الدراسية وحرص والده على تعليمه الحكمة واللغة الانجليزية والعلوم الاخرى كالشريعة وعلوم الدين والفقه اضافة للغتين الفرنسية والتركية، تنضج موهبة ارسلان الشعرية فيصدر «الباكورة» عام 1887 والتي أهداها للشيخ محمد عبده والتي بان فيها تأثره بالشيخ عبده بشكل كبير. ولي ارسلان ناحية الشويفات بعد والده فاستعان بالشيخ محمد عبده وارشاداته في تخطي الصعاب التي واجهته ومن هنا تأتي أهمية رسائله للشيخ عبده الذي شجعه على القدوم الى مصر بعد تأزم الوضع في لبنان، ومصر عالم أوسع قادر على استيعاب مطامحه التي انطلقت ولم تعرف لها لجاما. سيرة حياة ارسلان في الفصل الأول تتوقف عند محطات مهمة كانت مصر انطلاقتها وشكلت كل منها اثرا مهما حفر لنفسه في شخصية المفكر والكاتب والسياسي ارسلان وهي على تنوعها تكاد شخصية المفكر والكاتب والسياسي ارسلان وهي على تنوعها تكاد تصبح موسوعة انضجت فكره وقادته الى سبل القيادة العربية أو لتقل الطلائع القائدة العربية. عودة ارسلان الى وطنه عام 1946 كانت عودة للرقاد الأخير، وكانت حياته ذخرا من المواقف والمحطات واللقاءات السياسية المهمة التي شكلت في وجه التاريخ علامة مهمة، وقد خلف تراثا فكريا ضخما بين ضفتي الثقافة والسياسة وعزا فيه الرؤساء والملوك والوزراء والكتاب والمفكرون من انحاء العالم. تأسيساً على مسيرته تلك التي شكلت شخصيته، يدلف الكاتب في فصله الثاني الى دور ارسلان السياسي في العهد العثماني، وقد كان ارسلان مؤيداً للدولة العثمانية ومؤمنا بفكرة الجامعة الاسلامية التي نادى بها السلطان عبدالحميد الثاني (1867 ـ 1908)، رغم انتقاده فكرة التجسس على المواطنين العثمانيين. يتعدى دور شكيب ارسلان الدعم الى المشاركة السياسية وتقديم الاغاثة لبعض قطعان الجيش العثماني التي انتشر فيها وباء «الهيض» اثناء الحرب العالمية الاولى، الى انتقاد مواقف الدول الاوروبية الصامتة ازاء الفظائع التي حلت بمسلمي البلقان بعد انسحاب الجيش العثماني. ونجد ارسلان وفقاً للكاتب يتبادل الرأي مع القادة العسكريين والسياسيين لمآل الحرب وكانوا ينقسمون الى معسكرين، احدهما للصلح والاستجابة لشرو ط البلقانيين، والآخر لوجوب الدفاع عن البلاد واستمرار الحرب ورفض شروط الصلح وكان يؤيد الاخير. اخذ ارسلان دوراً عربياً قيادياً ضمن الطلاع العربية كان له الاثر في توجيه العقل السياسي العربي محاولاً جهده دعم الدولة العثمانية حتى فشلت مساعيه مع الكماليين في الحصول على اتفاقية تحدد حدود الاراضي العربية مع الاتراك وعدها نفسه نقطة الفراق النهائي. اخذت انشطة ارسلان بعداً اخر تمثل في مواقفه من سياسة الولاة على سوريا ولبنان، والقضايا القومية والعربية فتطوع للمشاركة في القتال ولكن دفاعاً عن الدستور العثماني الذي كانت تنتمي اليه فئة الحكام. ويبدو ان ولاءه للأتراك، رغم الفراق بينه وبين العثمانيين، كان يطغى على الكثير من مواقفه حتى عد بانضمامه للدستور معادياً لاخوانه واتهمه الكثيرون باثارة الفتن، بل ذهب كثيرون الى انه كان سبباً في حملات الاعدام التي طالت الاطراف الدرزية والمارونية المتصارعة حول الدستور. يدخل الفصل الثالث في معالجة دوره السياسي في القضية السورية ـ الفلسطينية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، اذ توزع نشاطه بين عصبة الامم المتحدة وبين تطورات الثورة السورية الكبرى عام 1925. وهنا تدخل شخصية ارسلان في طور الفكر السياسي اذ نراه يطرح القضايا وعللها، ومعالجاتها السياسية بناء على تجربة سياسية اصبحت في هذا الوقت ناضجة وغنية. ويأخذ ارسلان دوراً توفيقياً مثل دور داعية سلام بين طرفين متنازعين عزيزين عليه هما سوريا وفلسطين وفي فترة تقسيم الوطن العربي وانتداب مبعوث سامي في سوريا وفي فلسطين. ولاهمية دوره المؤثر في السياسة العربية فقد حاول زعماء الحركة الصهيونية التقرب اليه والتباحث معه بشأن القضية الفلسطينية، وتذكر الوثائق انه اجتمع مع بن جوريون لثلاث ساعات في جنيف الذي عرض له مخطط الصهاينة في الاستيلاء على فلسطين وشرق الاردن مقدماً القروض والعروض وهو ما رفضه ارسلان. في فصله الرابع والاخير ينتقل الكاتب الى دور ارسلان في اقطار المغرب العربي (تونس، الجزائر، والمغرب) اذ وثق علاقته مع قادة الفكر والاصلاح فيه، ويذكر الكاتب ان مواقف ارسلان في هذه الاقطار تميزت بخصوصية معينة اختلفت من واحدة الى اخرى، عدا عن تأثيره في اقطاب الحركة الوطنية في الاقطار المغاربية. ويشير الكاتب الى انه تقصى بعض المواقف المهمة وقنوات الاتصال التي كان يمارس من خلالها تأثيره السياسي، كما تم التركيز على بعض الاحداث المهمة مثل موقفة من الظهير البديري عام 1930، والجمعية الاسلامية الاسبانية ومفاوضاته مع موسوليني بشأن قضية ليبيا. وبالتأكيد يركز الكاتب على اهمية الرسائل المتبادلة بين شكيب ارسلان ومنها، رسائله كما اشرنا الى محمد عبده والتي نشرها الدكتور احمد الشرباصي، اضافة لرسائله الى رشيد رضا، واحتلت الرسائل المتبادلة بينه وبين عبدالسلام بتونه مكانة خاصة في هذا البحث. في النهاية يخلص الكاتب الى ان ارسلان عاش حياة حافلة بالنشاط السياسي من خلال مشاركته الفعالة في الاحداث السياسية التي شهدها الوطن العربي سواء في العهد العثماني وما تلاه، مع التأكيد على ان دوره السياسي كان في معظمه توجيهياً يستخدم القلم اكثر من اي شيء اخر، وقد استحوذ الجانب الفكري على الجانب الكبير من نشاطه السياسي. لهيب عبدالخالق