بيان الكتب: في كتابه الجديد «ثورة المعرفة والتكنولوجيا ـ التعليم بوابة مجتمع المعلومات» للباحث بشار عباس يرى فيه أن من أهم التحديات التي تواجه التعليم في مجتمع المعلومات القدرة، على استكشاف الطرق الجديدة للتعليم واستنباط حلول تستند الى معرفة ممتازة للوسائل التكنولوجية والأوساط الحديثة المستخدمة في التعليم وكيفية استخدام وتصميم بيئة التعليم التفاعلي وفهم نقاط الضعف والقوة في التطبيقات التكنولوجية الحديثة وإدراك مدى قوتها وحدود نهايات قدرتها، حيث من السهل تقديم وصف للتطبيقات والوسائط والوسائل التكنولوجية الحديثة لكن الأهم من ذلك هو إعادة اكتشاف هذه الطرق والإبداع في استخدامها واستثمارها وإخضاعها لحاجات المتعلمين في القرن الجديد. فنظم التعليم القديمة لا تتناسب مع حاجات مجتمع المعلومات فهي لا تتيح للأغلبية العظمى من الشعب ان تتعلم وتفكر بشكل خلاق ومستقل، لذلك فهذه النظم القديمة محكوم عليها سلفاً بالتنحي وإتاحة الفرص أمام مجموعة كبيرة ومتنوعة ومتطورة باستمرار للاستفادة من الأساليب والتطبيقات الجديدة وقيمة التكنولوجيا الحديثة في التعليم هي قابليتها وقدرتها على الوصول الى المتعلمين الذين حرمتهم ظروفهم الشخصية او الاجتماعية من متابعة تعليمهم في مؤسسات التعليم التقليدي، كما أن التكنولوجيا ترفع من سوية ونوعية التعليم وتستجيب لحاجات مجتمع المعلومات. ويرى الباحث في كتابه الجديد أن التعليم في البلدان العربية يعاني من مشكلات بنيوية قديمة ناهيك عن التحديات التي تواجهه للعبور الى مجتمع المعلومات، فلم تعد البلدان العربية مناطق بعيدة عن التطور العالمي بل هي في قلبه وهي تستخدم أحدث التطبيقات والوسائل التكنولوجية الحديثة بعد أشهر قليلة من الإعلان عنها في مناطق انتاجها، بل إن شركات ضخمة مثل مايكروسوفت تصدر النسخة العربية من أحدث تطبيقاتها بفارق زمني لا يزيد على ستة أشهر من النسخة الأجنبية «الانجليزية» فما الفائدة إذن من تعليم يفرض على طلابه معلومات تعود الى عشرين او أربعين عاماً. والأسوء من ذلك كله هو التحدي العلمي والتعليمي الذي تواجهه البلدان العربية بسبب التقدم الذي يحققه الكيان الصهيوني في هذا المجال وهو تحد خطير يهدد أمن البلدان العربية واستقرارها وتطورها بشكل متواصل حيث يزداد خطره عاماً بعد عام مستفيداً من حالة المراوحة في المكان التي تسيطر على المؤسسات التعليمية العربية. وقد وضعت الثورة الصناعية أسس التقدم التكنولوجي والبحث العلمي إلا أن ثورة المعلومات حققت قفزة نوعية حولت المعرفة بحد ذاتها الى مورد أساسي من الموارد الاقتصادية والى قوة حقيقية في الإدارة ولا عجب ان تقاس القوة السياسية الاقتصادية اليوم لإحدى الدول بمقدار مساهمتها في الاكتشافات التكنولوجية الحديثة وليس فقط بقوة الجيش أو بعدد السكان او عوامل اخرى. فمن المعروف ان الاقتصاديين اليوم يعملون على ادخال عامل المعرفة بشكل مباشر وواضح في نظريات التنمية مثل «نظرية النمو الجديدة» فالعلاقة بين التنمية وبين توليد المعلومات واستخدامها اصبحت واضحة حيث تدل الاحصاءات على أن اكثر من 50% من الناتج الاجمالي في الدول المتقدمة مبني على المعرفة. من جهة اخرى يؤكد الباحث السوري في كتابه الجديد أن منظومة التعليم الأساسي والمتوسط والعالي تؤدي دوراً حيوياً في المجتمع حيث يعتبر التعليم بوابة مجتمع المعلومات لذلك تسعى الدول المتطورة الى اجراء تعديلات جذرية في نظمها الوطنية للتعليم وذلك على مستوى التكنولوجيا او المضمون، لذلك حطم مجتمع المعلومات الحواجز التي كانت تحدياً جوهرياً من نفاذ معظم الناس الى المعلومات والمعرفة والثقافة وتمهد أمام إبداعات جديدة في مجال العلوم والمعرفة، لذلك تولي الدول المتقدمة اهتماماً واسعاً لدعم برامج وطنية تهتم بتوفير بيئة مناسبة تتيح لجميع المواطنين فرصاً متساوية قدر الإمكان في الإطلاع على التطورات الحديثة في العلوم والمعرفة من خلال حق الاستخدام المجاني لجميع المواطنين لأحدث وسائل التكنولوجيا الحديثة المتقدمة ولهذا السبب تعمل معظم الدول المتقدمة على إنجاز تعديلات جذرية على النظام الوطني للتعليم، ضمن برنامج طويل الأمد يستهدف بصورة أساسية رفع سوية الأساتذة وتزويدهم بمهارات عالية سواء في مجال استخدام التكنولوجيا ام في مجال تدريس المضمون العلمي الحديث كي يتمكنوا من التركيز على إنجاز اهداف واضحة محددة في البرنامج الوطني. حيث يشكل تعليم الرياضيات والعلوم قاعدة التقدم التكنولوجي الذي يغذي المعرفة مما يشكل بوابات ضرورية للمهن ذات الأجور العليا في المجالات العلمية والهندسية والتقنية ومما يشكل تحدياً لنظام التعليم القديم وللخبرات التقليدية التي أصبح تجاوزها ضرورياً للوصول الى تنفيذ برامج طموحة تدعم التنمية الشاملة في المستقبل، فتقنيات المعلومات وصناعات الاتصالات المتقدمة هي أساس اقتصاد المعرفة، حيث يجب على العمال ان يكونوا قادرين على تجميع ومعالجة وتفسير المعطيات والمعلومات وتطلب المؤسسات مهارات في الإدارة الذاتية والاتصالات والتحليل والقدرة على المحاكمة اضافة الى المعرفة الأكاديمية الأساسية والمهارات التقنية المتخصصة لذلك فان تفاوتاً واضحاً في الدخل بين الأشخاص الذين يستجيبون لهذه المتطلبات وبين الخريجين التقليديين سيزداد وهذا هو دور المؤسسات التعليمية الحديثة التي تهييء خريجيها للاندماج فوراً بالمؤسسات العصرية، بل وان العاملين الذين سيرغبون بالاستمرار في عملهم بالمستوى نفسه سيكونون مضطرين الى انفسهم باستمرار وان يواجهوا كل عام تحديات جديدة لقدراتهم على مسايرة تطورات احدث. وعن البحث العلمي والابداع في مجتمع المعلومات يؤكد الباحث بشار عباس في كتابه الجديد «ثورة المعرفة والتكنولوجيا ـ التعليم بوابة مجتمع المعلومات» أن البحث العلمي داخل وخارج المؤسسات التعليمية يؤدي دوراً مهماً في هذا المجتمع فهو أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي في الوقت الذي فشلت فيه البلدان العربية في ايجاد نظام عربي للمعلومات العلمية على المستوى القومي، كما فشلت في تأسيس نظم معلومات عربية على المستوى الوطني في كل دولة ولذلك تأخرت مخططات نقل وتوطين التكنولوجيا مع أن البلدان العربية تمتلك ارضية كافية ومناسبة للانطلاق بمشروع علمي قومي لبناء نظم المعلومات العلمية العربية، فمن بين مجموع العاملين العرب البالغ عددهم «84» مليوناً، ثمة أكثر من «10» ملايين من خريجي الجامعات «اي ما نسبته 12% من القوة العاملة العربية». في الوقت الذي يشهد فيه العالم على مشارف القرن الحادي والعشرين تطوراً مماثلاً في مجال الصناعة، فقد انتهت في الدول المتقدمة المهن الصناعية الخطرة والشاقة وتم استبدالها بآلات مبرمجة وعدد قليل من العمال يراقبون عمل هذه الآلات ولذلك نلاحظ توجهاً ثابتاً في صناعات الدول المتقدمة للاعتماد المتزايد على العاملين في قطاع المعلومات وتراجع الاعتماد على العمل العضلي الشاق. وهكذا فإن قضية البطالة تأخذ مفهوماً مختلفاً تماماً كان سائداً في منتصف القرن الماضي، حيث كان حل مشكلة البطالة يستند الى بناء المجتمعات الصناعية الضخمة اما القضاء على البطالة اليوم فيعتمد على برامج إعادة التأهيل وهي برامج لا تظهر أهميتها فقط في الفترة الانتقالية التي تفصل مجتمع المعلومات عن المجتمع الصناعي، بل هي عنصر أساسي في تكوين مجتمع التغيرات السريعة وهو بحاجة دائماً الى تأهيل العاملين لاستيعاب هذه التطورات المستمرة. وفي هذا الاطار يؤكد مؤلف الكتاب أنه يجري اليوم البحث عن حلول لمشكلة البطالة في حدود مختلفة عما كان سائداً حتى اليوم، اذ أن البطالة في مجتمع المعلومات هي مشكلة نوعية وليست كمية، يعتمد فيها على رفع المستوى المعرفي والمهني للعامل، في حين ان الثورة الصناعية لم تكن تواجه المشكلة بهذه النظرة فقد خلقت سوقاً واسعاً للأيدي العاملة تنتقي منها ما تشاء، لذلك تسعى الادارات الحكومية في البلدان المتقدمة اليوم الى تقديم نظم إعادة التشغيل للعاطلين عن العمل وهي نظم لا تستند الى «البحث» عن وظائف جديدة وإنما تستند بالدرجة الاولى الى تدريب العاملين والعاطلين عن العمل وتأهيلهم في مهن اخرى مطلوبة حيث لا تشمل برامج التأهيل الوطنية العاطلين عن العمل فقط، بل يتوجب أيضاً على العاملين في المؤسسات الانخراط في دورات تدريبية كي يكونوا قادرين على مسايرة التطورات التكنولوجية. من جهة اخرى لا يتصف التعليم اليوم بالانفتاح والمرونة والاعتماد على التكنولوجيا والتعليم عن بعد فقط بل انه يتصف ايضا بأنه أصبح تعليماً عالمياً شاملاً، حيث يدور النقاش اليوم في أنحاء مختلفة من جامعات العالم حول فوائد عولمة التعليم، ذلك أن هناك اسباباً عديدة اقتصادية وسياسية واجتماعية سببت عموماً نفوراً كبيراً من مصطلح العولمة. وعن أسس ظاهرة عولمة التعليم يشير الكاتب بشار عباس في كتابه الجديد الى أن الانترنت واندماج نظم الوسائط المتعددة في الشبكة وإمكانية وصول أي طالب او مدرس اينما كان في العالم وفي أي وقت الى هذه الشبكة.. كل ذلك جعل من الانترنت الأساس التكنولوجي لعولمة التعليم وتقدم المشروعات الجديدة لتطوير الانترنت اليوم أساس توسع هذه الركيزة التكنولوجية وأساس استمرار وتوسع ظاهرة عولمة التعليم في المستقبل حيث تقدم هذه الأوساط مدمجة بشكل كامل في نظم الوسائط المتعددة عبر الانترنت وتتعهد بإيصال هذا النظام المندمج الى أبعد نقطة من الارض وبالتالي فان عولمة التعليم لم تعد مجرد مخطط أو هدف مستقبلي بل ان الانترنت ونظم الوسائط المتعددة فما لهذه الفكرة مكان حقيقي فعلي على أرض الواقع. وقد برزت اليوم مؤسسات تعليمية تأسست بالمشاركة بين عدة بلدان وبتمويل من عدة مؤسسات تمويلية او رجال اعمال حيث تستخدم هذه المؤسسات كوادر من بلدان عديدة كي تصل الى منتج تعليمي مناسب لتوزيعه في جميع أنحاء العالم، لذلك نجد ان ظاهرة عولمة التطور التكنولوجي تطرح تحديات كبيرة امام التعليم في البلدان التي تستهلك العتاد التكنولوجي وتفرض على التعليم في أي بلد من العالم ان يرتقي الى مستوى التكنولوجيا التي يستخدمها مواطنوه، فالتطور التكنولوجي السريع يفرض تطوراً موازياً في التعليم ولكي يحصل ذلك لابد للمؤسسات التعليمية في البلدان النامية من ان تكون على علاقات تعاونية متينة مع مؤسسات تعليمية متقدمة في البلدان المصدرة للتكنولوجيا فهذه الروابط تقود مباشرة الى عولمة التعليم. ورغم ان المتحمسين لظاهرة عولمة التعليم هم الأكثر ظهوراً وشهرة في وسائل الاعلام فان عددهم هو أقل من الأصوات التي تصرخ مطالبة بإيقاف التوسع المتهور لعولمة التعليم في طرق المعلومات السريعة. حيث يرتكز النقاش المعرفي على أن الآلية الحديثة لتوزيع معظم التعليم العالمي تعتمد على الوسائل الالكترونية وترتبط الى بعيد بالاتجاه نحو الرقمية ونحو حوسبة المعرفة، فثمة عدد كبير من المدرسين يشجبون التأثيرات المعرفية للتعلم من الحاسوب اكثر من المواد التعليمية التقليدية المعتمدة على النص المطبوع ملاحظين انهيار البنى الخطية المعتمدة على الكتاب والتي نتج عنها تشظي وسطحية بنى النص الممهل في شبكة الانترنت ونظم المالتي ميديا في الأقراص الحاسوبية. ويؤكد الباحث بشار عباس ان النقاش الثقافي ضد عولمة التعليم يؤكد ان هذا الاتجاه يشكل عودة الى الهيمنة الثقافية الاستعمارية وفرض القيم الغربية على المتعلمين من البلدان النامية، في الوقت الذي ينظر فيه المعارضون لعولمة التعليم الى المدرسين في هذا النظام العالمي التعليمي الجديد كنظراتهم الى المستعمرين الكولونياليين في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الذين كانوا ينشرون ثقافتهم ورؤيتهم للعالم ويفرضوها على المتعلمين في المستعمرات معتقدين فعلاً انهم يساعدونهم. ورغم كل الخبرات المتراكمة في ترجمة الدورات وتكييفها والعمل مع شركاء آخرين لانتاج المواد التعليمية ورغم التعاون في مجال الكتابة المشتركة، فان درجة التحول التربوي في دورات الجامعة المفتوحة ou في السوق العالمية لاتزال ضئيلة، ذلك ان انتاج الدورات يستغرق وقتاً طويلاً حيث السيرورة البيروقراطية تزداد بدلاً من أن تنقص ويزداد تشابك الكادر الاداري مع الكادر الاكاديمي وطريقة فريق العمل المسئول عن الدورة التي طبقتها الجامعة بشكل جيد على مدى خمسة وعشرين عاماً، تحتاج الى اعادة نظر في ضوء تغير متطلبات جدول الدروس الجامعي. ومع ذلك نجحت تجربة الجامعة المفتوحة في تغيير سيرورة المؤسسة الى مؤسسة تعليمية ضخمة وناجحة بشكل ممتاز، خاصة وأن مقاومتها للتغيير حالياً هي أقل من مثيلاتها من الجامعات القديمة. هذا ويتناول الفصل الأخير من كتاب «ثورة المعرفة والتكنولوجيا ـ التعليم بوابة مجتمع المعلومات» لمؤلفه بشار عباس اتجاهات التعليم لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات حيث يبدو التحدي المطروح اليوم هو ان ننجح في الوصول الى الاستثمار الأمثل للتكنولوجيا بهدف الارتفاع بنوعية التعليم وتوسيع انتشاره وتحقيق تعميم المعرفة وديمقراطية التعليم دون ان يكون ذلك على حساب النوعية العالية والمعمقة للتعليم او على حساب دعم مجموعات تعليمية خاصة ذات اهداف جديدة. غزوان عمر