رافقت اعمال كاتب السيناريو المخضرم عبدالحي اديب مراحل مختلفة من حياة السينما المصرية على مدى نصف قرن وقدم خلال هذه الفترة عددا كبيرا من السيناريوهات المختلفة، وعمل مع اجيال من المخرجين اللامعين مثل: نيازي مصطفى، يوسف شاهين، عاطف سالم، محمود ذو الفقار، كمال الشيخ، هنري بركات، اشرف فهمي ، ايناس الدغيدي، ولاتزال اعماله الجديدة تصور للسينما والتلفزيون في مصر. يحرص عبدالحي اديب على رسم شخصياته بوضوح، ويحلل طبيعة هذه الشخصيات وظروفها وله تجربة خاصة مع كل من نيازي مصطفى وفريد شوقي انتجت ستة وثلاثين فيلما، كان عبدالحي اديب مكرما عن كل اعماله في مهرجان دمشق السينمائي الاخير. وكان لنا معه هذا اللقاء: ـ مرت السينما المصرية منذ الخمسينيات حتى الآن بمنعطفات حادة، وفي التسعينيات ظهرت بوادر موجة جديدة فأين موقعك من هذه الموجة؟ ـ اعتبر نفسي من جيل الخمسينيات، اول فيلم لي «باب الحديد» كان سنة 1958، كتبت خلال عمري الفني والذي قدره خمسة واربعون عاما ما يقارب المئة والعشرة سيناريوهات من مختلف الانواع (تراجيديا، كوميديا، دراما اجتماعية، دراما نفسية) ومازلت مستمرا في الكتابة حتى الآن وبنفس هذا التنوع. المعايير السينمائية ـ دخلت السياسة الى السينما المصرية كموضوع اساسي مثير للجدل، فما هي المعايير التي تجعل السياسة لاتطغى على الفن؟ ـ عندما تطغى السياسة على الفن يكون اعلانا، والفن باعتقادي سياسة غير مباشرة ان تعرض ازمات الناس بغياب حقوقهم وجوعهم وفقرهم كل ذلك سياسة موجودة في حياتنا اليومية وواقعنا المعاش. ـ الا ترى ان بعض الافلام السينمائية تلعب احيانا دورا في توجيه الجمهور سياسيا؟ ـ التوجيه يعني اعلانا. السينما لا توجه وانما تثير القضايا دون طرح الحلول، وهذا خطأ يقع فيه النقاد احيانا اعتقادا منهم ان فيلما حل مشكلة ما، السينما تنبه من بيده الحل وتلقي الضوء على المشكلة فلو كانت قادرة على حلها لن يبقى وجود لاي منها في المجتمع. ـ تبدو نسبة الاقتباس في السينما المصرية واضحة منذ البدايات حتى اليوم، فما هي المخاطر التي تثيرها عملية الاقتباس عن الادب العالمي او السينما الاجنبية؟ ـ الاقتباس وارد ومشروع دون اغفال المصدر، وهو حق طبيعي ويعتبر مصدرا من مصادر الدراما كما الخبر الصحفي والمسرحية والتاريخ والتراث حتى الخيال العلمي والرؤى المستقبلية جميعها مصادر للابداع الفني. ـ تناول اشكاليات المجتمع العربي العديدة وطرحها، الا تراه اجدى واقرب لجمهورنا من الاقتباس من الغرب؟ ـ كلاهما مشروع فالعالم اصبح قرية صغيرة بوجود الفضائيات مما يؤدي الى تداخل الثقافات ببعضها لا نستطيع القول ان ثقافة اخذت من اخرى جميع الحضارات تتواصل، المهم هو المحافظة على الهوية بان تجعل ثقافتنا تقف في وجه اي ثقافة اخرى، وبشكل عام الفن لا وطن له. انعاش السينما المصرية ـ صدرت منذ سنوات قليلة قوانين ناظمة لانعاش السينما المصرية في مجال الانتاج والتوزيع وبناء الصالات فما هي النتائج التي تمخضت عنها هذه القوانين، وماهي ملاحظاتك حولها؟ ـ الفائدة الحقيقية كانت من القوانين التي نظمت دور العرض مما ادى الى وجود خمسة واربعين دار عرض جديدة وحديثة، الازمة تكمن في عدم وجود انتاج كاف، يملأ هذه الدور انها حالة كساد عالمي وليس في مصر فقط باستثناء امريكا فهي صناعة جبارة وقوية، تدر على الولايات المتحدة عائدا ماديا يأتي بالمرتبة الثانية بعد عائدات مصانع السلاح. ـ تتحرر الكلمات من الورق لتتجسد على الشاشة فهل يصل ما تريد قوله دائما؟ ولاي حد تسمح بتدخل المخرج واجرائه تعديلا على ما كتبت؟ ـ انها مسألة اراء وعملية اقناع لابد من وجود اسباب للتغير لا تتبع للحالة المزاجية فقط كما ان للمخرج رؤيته الخاصة في اظهار ما كتبت اعطيه تمثالا اصم بملامح فيبعث الحياة فيه لينطق السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، يعزفها اكثر من مايسترو، فنرى فارقا بين الواحدة والاخرى، ولكنها تبقى السيمفونية الخامسة، انها الروح والمختلف هو احساس المخرج. ـ دخلت عالم السينما من ابوابه الاكاديمية بدراستك للتمثيل ثم تنبأ المخرج الايطالي «فرنتشو» بكونك مخرجا على الورق، فهل ترى المشهد اثناء كتابتك له. ـ تعتبر دراستي للتمثيل وجه العملة الثاني للتأليف، تعلمنا تقمص الشخصية وتخيل جميع ابعادها مما ساعد في كتابة الدراما التي تتطلب تحديد الشخصية والدخول لعمقها وليس فقط شكلها الخارجي ورؤيتها ضمن بيئتها وثقافتها. لابد لي من تخيل المشهد لاكمله واشكله من جميع الزوايا. باب الحديد ـ تمردت في فيلم «باب الحديد» على ادوات الصنعة التي تحد من الابداع وكسرت قوانين السوق التجارية «الجمهور عايز كده» ما الذي انطلقت منه اذا؟ ـ تصنع السينما للجمهور فهو المستهلك لهذه الصناعة، ليس عيبا كون الفيلم «جماهيريا» واحجام الناس عن الحضور سيؤدي الى انهيار هذه الصناعة، ان السينما فن، وصناعة وتجارة ان يكون بالمستوى المطلوب فهذه مسألة نسبية. «باب الحديد» لم ينجح في البداية جماهيريا ولكنه حظي بمرتبة مشرفة في السينما العالمية. ـ يعتبر هذا الفيلم من اهم الافلام عالميا، ما السبب في رأيك في عدم نجاحه جماهيريا في البداية؟ ـ كان خروجا عن المألوف في الوقت الذي تدار فيه موضوعات محددة (فتاة فقيرة، شاب غني، الكازينوهات) ونهايات سعيدة فلا يخرج المتلقي عنها، «في باب الحديد» كسرت هذه الموضوعات متأثرا بوحدة الزمان والمكان والتي شكلت صعوبة في التلقي لدى المتفرج المعتاد على القصة التقليدية اضافة الى عدم وجود بطل معروف آنذاك اثناء العرض ما لفت النظر هو وجود رأيين وثقافتين في نفس الوقت بالتالي تحدد نوع جمهور هذا الفيلم. ـ يصعب على المبدع تحديد نوع جمهوره بالمطلق فهل تكتب لجمهور يحمل ذائفة فنية معينة ام للجميع؟ ـ لكل ستار جمهوره، لكن عند الكتابة اتوجه لكل الناس بتناول العواطف الانسانية الموجودة في جميع الطبقات والشعوب، منها فيلم «ام العروسة» اخذه الاتراك والهنود واندونسيا فكان النجاح حليفا له، وقد رشح لاخذ جائزة الاوسكار كأفضل فيلم عربي. الكتابة بلا قيود ـ ذكرت في احد اللقاءات الصحفية انك تلوثت بالاحتراف بعد فيلم «باب الحديد» ماذا عنيت بذلك؟ ـ يكتب الهاوي بلا قيود كما يحلو له، بمعنى آخر، «الفن للفن» دون اي حساب (للرقابة او الابطال...) كل ذلك قبل دخوله السوق والاصطدام بالواقع اذ يجد المبدع نفسه امام التزامات ومحظورات توقف اليد عن الكتابة هنا لا يكون الابداع كما الهواية تماما وهذا ما عنيته بتلوث الاحتراف والاحتراف ليس عيبا بل مزيدا من الممارسة وامتلاك المهنة. ـ تحولت بعد الصدمة التي تلقيتها بعدم نجاح «باب الحديد» جماهيريا من مبدع حقيقي الى منفذ لطلبات مسبقة ترضي الجمهور بصراعاتها وابطالها فهل كنت راضيا عن ذلك؟ ـ اشعر بالرضا عن كل فيلم قمت به لكن المقياس هو مدى استحسان الجمهور له لا افعل شيئا لارضي نفسي، رضاي اثناء عملية الابداع وقدرتي على ايصال ما اريد قوله ونجاح الفيلم جماهيريا هو الرضا الحقيقي بالنسبة لي. ـ هل كانت هذه الافلام برأيك على نفس سوية وعمق «باب الحديد» مثلا او «ام العروسة»؟ ـ لا يملك الفنان هذا الابداع دائما انها لحظات تأتيه ضمن ظروف ومناخ معين فيتوهج ذهنه لينتج اعمالا تكون وليدة الصدفة. والانسان خلال حياته يفرز الكثير من الاعمال، جميعها تحسب عليه بجيدها وقبيحها، ولا يستطيع التنصل من فيلم لم يحرز اعجابا جماهيريا. ـ تنشط الكوميديا دائما عند مرور الشعوب بمنعطف حاد وحالة تدهور، هل كان ذلك سببا في اتجاهك للكوميديا بعد نكسة يونيو 1967؟ ـ طبعا، اخذت ذلك عن السينما الامريكية التي قدمت اهم افلام الاستعراض والكوميديا خلال الحرب العالمية الثانية يتعلق الامر بالمزاج السيء للجمهور آنذاك مما يستدعي تخفيف مأساة الحرب عن الناس والترفيه عنهم بتقديم البسمة التي اعتبرها اهم رسالة للفيلم السينمائي، مهما حاولنا تقديم الحرب اثناء حدوثها لن يكون الخيال اصدق من الواقع المرير ربما رسم ابتسامة ضمن هذه الظروف اصعب لكنه الاجدى ليست عملية هروب نعيش الواقع يوميا فما المانع من لحظات تسلية تقدمها السينما فان خرجت السينما من حيز التسلية الى الشعارات ستكون اعلاما وليست فنا. ـ تنبع اهمية الكتابة في نقلها للواقع كما يشعر المبدع به، بلغة بسيطة وقريبة فما هو الواقع الذي تحاول عكسه في كتاباتك؟ ـ هو واقع الحياة اليومية، اعيش نبض الناس مشاكلهم، احلامهم، همومهم، طفولتهم) المبدع بشر يبني بيئته ويعبر عن احاسيسه والمهم هو طريقة ابرازه لها بصدق وشفافية، فما يخرج من القلب يصل الى القلب. النظام السياسي ـ قمت بتعرية المجتمع وكشف سلبياته وادانة النظام السياسي والاتحاد الاشتراكي، الى اي مدى نجحت في ذلك؟ ـ كتبت في ذلك كثيرا ووضعت شعار «الحرب يكسبها الشجعان ويجني ثمارها الجبناء» بعد حرب اكتوبر من حارب من اجل الوطن والحرية عاد ليحارب واقعه المرير، انتصر على العدو في الخارج ليواجه صناع الفقر في الداخل فكان فيلم «بيت القاضي» «الذي يعرض الفارق بين الطبقات والانفتاح الاستهلاكي وليس الانتاجي الذي افرز فقرا دفع الشباب الى التطرف والحقد على الاخرين بافكار الدين منها براء. ـ تناولت السينما المصرية ظاهرة الارهاب والتطرف الاسلامي، فهل استندت هذه الافلام برأيك الى دراسة معمقة لهذه الظاهرة ام عرضت باستخفاف آخذة طابع الفكاهة في اغلبها؟ ـ هذا صحيح الى حد ما لا ينتج الارهاب الا في واقع اجتماعي مختل سببه الاقتصاد لذا نحمل النظام مسئولية هذا التطرف فالمواطن مسئول من الدولة، حاولت الى حد ما تناول هذه الظاهرة في فيلم «في البدرون» بشكل جدي بعيد عن الفكاهة فقد كانت تراجيديا اسرة دفعت ثمن الظلم الاجتماعي. ـ تناول مثل هذه المواضيع الحساسة وتعرية الواقع الا يصطدم بجدار الرقابة احيانا؟ ـ شخصيا لم اواجه اي مشكلة فيما كتبت ادخل في حوار دائم مع الرقابة لنصل في النهاية الى حلول مرضية طبعا هناك حدود لايمكن اختراقها ورغم ذلك اعتقد بوجود مساحة كبيرة لحرية التعبير في مصر حاليا. القاهرة ـ ليلاس حتاحت