بيان الكتب: وسط موجة استشراء مناهج النقد الأدبي الغربية، من بنيوية وأسلوبية وتفكيكية وغيرها وفي ظل طغيان هذه المناهج واعتمادها من نقاد عرب كثيرين لفهم وتحليل وتوجيه النصوص الأدبية العربية، وسط هذه الموجة أراد الناقد الدكتور عبدالحميد ابراهيم، أن يختط لنفسه طريقا مختلفا أطلق عليه (الوسطية العربية) وبغض النظر عن انتشار منهجه وذيوعه فإن شرف المحاولة هو الذي دفعه للامساك بالنقاط المضيئة في التراث النقدي العربي وتأسيس بناء نقدي معاصر عليها.. وعلى مدار أكثر من 30 عاما استطاع عبدالحميد ابراهيم أن يلتقط عناصر منهجه ويطورها وأن يطبق هذا المنهج على أعمال ابداعية عربية كثيرة في الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح، وعبدالحميد ابراهيم شغل موقع استاذ الأدب العربي الحديث في جامعات مصرية وعربية وكان آخر موقع شغله هو رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة حلوان. وله حوالي 25 كتابا مطبوعا معظمها في النقد الأدبي وفي شرح منهجه في الوسطية العربية. وفي القاهرة أصدر د.سيد محمد قطب ود.عبدالمعطي صالح كتابا يتناول رحلة عبدالحميد ابراهيم ويحلل منهجه وحسب هذا الكتاب فإن الوسطية في النقد الأدبي تولي اهتماما خاصة بالمكونات الثقافية للمبدع وجذوره وروافده وثقافته والاتجاهات الفكرية التي يصدر عنها وتتعمق بها رؤيته، وجماع الافكار التي يطرحها في مجمل اعماله وتكوينه النفسي وعلاقاته الاجتماعية وسلوكه الذاتي ايضا، ومن منطلق الاهتمام بالقائل لمعرفة ماذا يقول، وهذا يتعارض تماما مع مانادت به الحداثة من موت المبدع باعتباره كيانا مرجعيا معروفا في السياق الاجتماعي والاكتفاء بالنص فقط، لأن مفهوم موت المبدع ينفى العلاقة القائمة بين النص ومرجعيته ومصداقيته ومصدره، وهذه أمور تقلص مساحة الذات المبدعة والمتلقية معا، لتفتح الطريق فقط للعملية التجريدية التي يصعب ممارستها على ظواهر انسانية في دلالاتها وجمالية في تكويناتها وغير محايدة في مقصديتها. ولعل هذا يقود لنمو الشكلية والبنائية في المنطقة العربية وبخاصة في بعض البيئات العربية التي يصعب الحديث فيها عن قضايا الانسان الحقيقية وازماته الاجتماعية والسياسية والنفسية اذا شاعت هذه الاتجاهات في بعض المناطق على خارطة النقد العربي. ويرى المؤلفان ان الوسطية التي قال بها عبدالحميد ابراهيم تنطلق من عناصر تكوين الذات العربية ليؤسس من خلالها رؤية فكرية جمالية شاملة مناقضة لمنطلقات الحداثة الغربية ذات السياق التاريخي المغاير للسياق العربي، فالقراءة الوسطية للنصوص الأدبية تركز في مدخلها الأول على ماوراء النص، وليس ماوراء النص هلاميا بل هو رؤية ابداعية لذات فردية تتحرك في دائرة حضارية ولهذا فالقراءة الحضارية للوسطية ترتكز على ابعاد ثلاث: البعد التاريخي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي. وحسب منهج الوسطية فإن المبدع يتحرك من جذر فكري يشغله إلى كلمة تضع في عقله بذرة تنمو وتشق لها طريقا وفضاء ومساحة في تكوينات ذهنية، وتاخذ هذه الكلمة في تكوين الشكل الذي تنصب فيه من خلال عمليات التخيل ومايصاحبه من تصوير ومن تنسيق لهذا التصوير في جسد لغوي متكامل ذي كيان حسي ناطق يستجمع كيانه من جدل مع امكانات اللغة وتقاليدها ليشكل ذاته عبر مجموعة من العوامل المتداعية والمتعارضة والتشكيلية. فخلف العمل كلمة يحاول المبدع تفريغها في تكوين والتكوين متصل بهذه الكلمة وقد يكون التكوين نفسه هو المقصد في ذاته باعتبار التقاليد الفنية بأشكالها التعبيرية المقصد الأساسي للمبدع المفكر، بل أن كل تكوين ابداعي هو قصد المبدع المهم لأنه عمله. فتحي عامر