تؤدي التغذية دورا اساسيا في تكوين الامراض الوعائية ـ القلبية، وقد اكدت دراسات حديثة عديدة الرابط القائم بين الاصابات القلبية التاجية والنظم الغذائية. وكانت دراسة اوروبية انجزت في الخمسينيات، قد اشارت بدقة لاول مرة الى اهمية هذه العلاقة، واثبتت العلاقة بين تناول الشحوم المشبعة (اي ذات المنشأ الحيواني، الحليب، والزبدة، والقشدة، ولحم الثور) وفرط كولستيرول الدم ومعدل الوفيات بالاحتشاء. كانت هذه الدراسة قد اكتشفت، عقب خمس عشرة سنة من الملاحظة، ان معدل الوفيات بنتيجة الاصابات القلبية التاجية عند الفنلنديين هو اعلى عمليا بعشر مرات من مثيله عند سكان جزيرة كريت المتوسطية. واستنبطت من مختلف هذه المعطيات انماط نظم غذائية عديدة هدفها الوقاية من المخاطر القلبية، وكرست بشكل خاص لمن تعرضوا لحادث قلبي لاول مرة، بل ايضا لمجمل السكان انطلاقا من غايات وقائية. وهكذا، نصح الاختصاصيون، على اساس من الادلة العلمية، بتقليل تناول الشحوم المشبعة، والتخفيف من استهلاك الزبدة، والاجبان، والقشدة، واللحم الاحمر، والصلصات، والسكريات السريعة، والمعجنات، والكحول. فوائد النظام الغذائي الكريتي اثبته بعد ذلك الباحث الفرنسي «سيرج رونو»، الذي نجح في تخفيض معدل انتكاس الامراض القلبية من خلال تغذية غنية بالامساك، والخضر الخضراء والمجففة، والحبوب، وزيت الزيتون، والفقيرة باللحوم والزبدة. واليوم، تكمن المشكلة كلها في العثور ليس على النظام الغذائي الافضل تكيفا مع الوقاية، بل على الوسيلة التي تدفع السكان الى اتباعه بانتظام. تقوم الفكرة منذ وقت مضى على وصفات الحمية الغذائية التي يمكن الالتزام بها على الامد الطويل،اي بالنتيجة التي تأخذ بالحسبان العادات الثقافية لكل شخص، مع التنويه بشكل خاص الى ضرورة تناول الفواكه، والخضار، والحبوب، وتفضيل الزيوت النباتية في الطبخ. الا ان التحول في العادات الغذائية هو مسألة تربية ايضا. وضمن هذا الهدف يجري منذ سنوات في فرنسا تنفيذ برنامج مخصص للاطفال، حيث يتلقى هؤلاء، منذ المرحلة الابتدائية، تعليما تغذويا وحميويا اوروبيا موحدا. عدا ذلك، تقوم الفكرة ايضا على نقل المعلومات التي يتلقاها الاطفال في المدرسة الى اسرهم. النظام الغذائي المتوسطي فوائد نظام جزيرة كريت الغذائي (النظام الغذائي لسكان حوض البحر الابيض المتوسط عموما) ليست اسطورية. كانت قد اثبتتها تماما دراسات دقيقة، بعد متابعتها لدى السكان بابعاد حقيقية، مع ذلك، هذا النظام الغذائي، الذي ترسخ لدى سكان بلدان جنوب اوروبا المشمسة بشكل طبيعي عبر القرون، ليس سهل النقل الى المناطق الشمالية التي فرضت ضرورات البرد فيها ثقافة غذائية مختلفة كليا. فكرة ان نظام غذاء حوض البحر المتوسط مفيد للقلب كانت قد جاءت من خلال دراسة عالمية واسعة انجزت في الستينيات وسميت «دراسة البلدان السبعة». كانت هذه الدراسة قد قارنت المخاطر القلبية عبر دول العالم، واوضحت بشكل خاص ان معدل الوفيات الاعلى بالامراض الوعائية القلبية هو من نصيب الفنلنديين وان معدل الوفيات الادنى بهذه الامراض هو للكريتيين. استهلاك الشحوم هو نفسه تقريبا على الصعيد الكمي لدى هؤلاء وأولئك (نحو 40% من التغذية)، غير انه مختلف على الصعيد النوعي: 8% من الشحوم التي يستهلكها الكريتيون هي مشبعة (اي حيوانية، مصدرها الحليب، والزبدة وبعض اللحوم) مقابل 20% للفنلنديين. وقد جرت محاولات عديدة للوقاية من الاحتشاء الناجم عن التغذية من خلال التقليل من تناول الشحوم المشبعة ذات المنشأ الحيواني واستبدالها بالشحوم غير المشبعة ذات المنشأ النباتي، غير ان النتائج كانت معتدلة. الغذاء يحمي القلب وفي عام 1994، اثبت فريق الدكتور «سيرج رونو» (وحدة المعهد الوطني للصحة والدراسات والبحوث الطبية، ليون/ فرنسا) بأن مجمل النظام الغذائي المتوسطي يؤدي دورا حاميا على صعيد القلب والاوعية. واظهر هذا العمل المرجعي، المنشور في مجلة «ذا لانست»، ان بالامكان التقليل من معدل انتكاس الاحتشاء عند المرضى اذا مافرض عليهم النظام الغذائي الكريتي. ولكن، ماذا يأكل الكريتيون كي يحتفظوا بقلب على هذا القدر من المقاومة؟ يأكلون الحبوب بشكل رئيسي، والخضار المجففة (الحمص، والفول) والخضراء، والقليل جدا من اللحوم، والقليل من الاسماك، والقليل من جبن الشاة، وزيت الزيتون (الغني بحمض الاولئيك). وما يميزهم اكثر عن بقية بلدان حوض المتوسط هو تناولهم للنبتة المسماة «الحمقاء» (بقلة السلطة) والجوز الغنيين بحمض اللينولئيك. من جانب آخر، يقول طبيب القلب وعالم الاوبئة البروفيسور «جان فريير» ان من الافضل التكيف مع اسلوب الحياة المحلية بدلا من فرض «فرمانات» استبدادية لاتتبع لوقت طويل، بالمقابل، نوصي بزيادة الاهتمام بالخضار والفواكه الطازجة. ذلك دون اهمال الخضار الجافة، والنشويات، والخبز والمعجنات، الغنية بالالياف والفيتامينات من المجموعة «ب»، والزيوت النباتية والزيتون والجوز. ويوصي خبراء التغذية بتنويع الطعام والاعتدال في الأكل، وتناول بين 700 الى 800 جرام من الفواكه والخضار في اليوم، نيئة ومطبوخة بقدر متساو، مع تفضيل الطبخ على البخار، وينصحون بالابتعاد عن الفواكه المعلبة لفرط سكرها وفقدان فيتاميناتها وعن الخضار المحفوظة لملوحتها الزائدة وافتقارها الى الفيتامينات. اخيرا، بعد التعرض لحادث احتشاء، يوصى باستئناف النشاط البدني المنتظم والمعتدل (ركوب الدراجة، والمشي العادي/ 5كم الساعة/)، والسباحة الهادئة لمدة عشرين دقيقة في كل مرة، ثلاث مرات في الاسبوع، وهو ما يوفر حماية قلبية وعائية واستقلالية جيدة، ويخفف سكر الدم والتوتر الشرياني وشحوم الدم. محمد الدنيا