وأنت في طريق العودة الى بيتك بعد انتهاء يوم عمل لايخلو في كثير من الاحيان اما من المتاعب الجسدية او الذهنية وربما من الاثنين معا فليس امامك في هذه الحالة سوى ان تمني النفس بفترة راحة واسترخاء بعيدا عن الضوضاء والمنغصات الحياتية، فاذا كنت ضمن اسرة هادئة بطبيعتها فأنت محظوظ لاشك، واما اذا كنت مغتربا وبعيدا عن العائلة وتسكن بمفردك في بيت يخصك وحدك فأنت اكثر حظا؟، فالانسان بفطرته يميل الى اوقات يستأنس فيها مع ذاته وافكاره، يتأمل تارة، وتارة اخرى يمارس هواياته، والاهم من ذلك حاجته الى تنظيم اوقاته حسب برنامج يومي يعتاد عليه، وبطبيعته فان أوقات النوم والاستيقاظ تدخل في صميم خارطة تحركات الانسان، ويمكن ان تؤثر سلبا او ايجابا على تركيزه الذهني اثناء تعاملاته مع الاخرين لذلك فان طبيعة المسكن تتحكم بشكل او بآخر بمزاجية الافراد، غير ان المسكن المشترك يضعنا امام معطيات لا شأن لها بما ذكرناه، ويفجر الكثير من الاسئلة والتساؤلات، ترى ما الذي يدفعنا لأن نقبل بشريك يقاسمنا هواء الغرفة ومصباحها؟ وماهو حجم الخلافات المترتبة على هذه الشراكة؟ وهل هي حتمية تفرضها الظروف ام انها تخضع لمعايير الاختيار؟ «دنيا الناس» طرحت الاسئلة وكان مايلي: في رأي اشرف عيد «موظف» ان المسكن المشترك هو نتيجة طبيعية تتعلق بانخفاض مستوى الدخل عند فئة معينة من العمال والحرفيين والموظفين من ذوي الاجور المتوسطة مما يدفعهم الى التفكير بمشاركة الآخرين والاقامة معهم في غرفة او بيت واحد، وهم بذلك يجنبون انفسهم تحمل قيمة الايجار كاملة بمفردهم، وهناك ايضا اسباب اخرى للسكن المشترك وهو ان يحرص الافراد على ان يكون لهم مدخرات تساعدهم في الاوقات الطارئة علاوة على ان لديهم التزامات كثيرة تجاه اسرهم وانفسهم كشراء الملابس والتنقلات الشخصية، ولكن في مقابل ذلك تنتج مشاكل وخلافات بين المشتركين كأن يريد احدهم ان ينام مبكرا بحكم عمله الذي يبدأ في الصباح الباكر، ومنهم من يريد مشاهدة التلفاز او سماع الاغاني بصوت مرتفع ما يسبب مضايقة للآخرين، وهنا تحدث الاحتكاكات وقد تصل في بعض الاحيان الى التشابك بالأيدي، وهذه نتيجة حتمية لاختلاف الطبائع البشرية وتفاوت الثقافة بين الافراد، ومن المعروف ان الأسر التي تبحث عن سكن لا ترغب في استئجار شقة بجوار سكن مشترك سواء كان للفتيات او للشباب، والسؤال الاول الذي تطرحه العائلات هو ما اذا كان بالبناية سكن مشترك للشباب، فهم على معرفة سابقة بمدى الازعاج الناجم عن الاصوات العالية حين تدب الخلافات بينهم. أضرار نفسية ويضيف اشرف ان للسكن المشترك اثاره الواضحة على نفسية الافراد وعطائهم في مجال عملهم، فترى البعض يذهب الى عمله متأخرا ومتضايقا ولا ينتج بصورة فعالة وسلوكه مع زملائه غير سوي، اما الخلافات المادية بين السكان فهي كثيرة، فمثلا في حالة خروج احد الساكنين لرغبة خاصة لديه او لانتقاله الى مكان عمل بعيد، هنا تنشأ النزاعات المادية حول فاتورة الكهرباء المتأخرة وضرورة قراءة العداد بعيدا عن الفواتير، وكذلك تصفية الايجار المستحق لحين العثور على شريك جديد، واحيانا يكون الخلاف على احقية امتلاك الادوات الكهربائية والاثاث وادوات المطبخ اذا كانت مشتركة بينهم. لذلك انصح العزاب بأنه على الراغب في سكن مشترك ان يتحرى وان يسأل عن الاشخاص الذين ينوي مشاركتهم، وان يعرف مستوى تفكيرهم حتى لا يقع في مشاكل لاحصر لها، فهو لن يشعر بالراحة والأمان مع اناس يخالفونه في الميول والهوايات والطباع. شروط قاسية من جهتها تقول بثينة خير الله «موظفة» لاشك ان لكل ظاهرة اجتماعية اسبابها، ولكن قبل ان نحاسب الافراد او نظلمهم علينا في البداية ان نضع أيدينا على مواضع الخلل والاخطاء حتى نستطيع ايجاد الحلول المناسبة لها، او على اقل تقدير نتلافى الانعكاسات السلبية التي تخلفها الظواهر، اما عن السكن المشترك فدوافعه مادية بحتة تنحصر في تدني الاجور او الرغبة في الادخار، وفي الحالتين فان المبررات تبدو غير منطقية مهما بلغت درجة الحاجة والضرورة مقارنة بوجع الدماغ والمشاكل التي تنتظر الافراد على باب المسكن واولها شروط الاقامة القاسية التي تحد من الحريات الشخصية واستقلالية الحركة، فأنت بشكل او بآخر لابد ان تراعي راحة انسان يقيم معك، وفي نفس الوقت انت بحاجة لكي يراعي الآخر اوقات نومك وعملك، فأين ذلك من اختلاف الامزجة والعادات والثقافات، فاذا كانت الحاجة الملحة تدفع البعض لكي يبحث عن شريك يساعده في تحمل الاعباء او ان يخفف منها، فالاولى ان يتريث في الاختيار والانتقاء وهذا يحدث عند الاشخاص الذين لهم تجربة مريرة سابقة لكن الغالبية العظمى لا تفكر في هذا الامر تحت ضغوط وظروف اضطرارية لاتدع لهم مجالا للبحث والانتظار، وهم بذلك يتركون للصدفة ان تلعب دورها في الاستمرارية مع شريك يتوسمون فيه الصفات المشتركة، وبالتالي ومن وجهة نظري فان السكن المشترك اصبح فرضا اجباريا لا يدخل الاختيار فيه الا بنسبة قليلة لا تكاد تذكر. وتستطرد بثينة قائلة: ان للمسكن المشترك مساويء كثيرة تظهر تباعا وبالتدريج حيث تطفو بواطن النفوس وتتوالى الاكتشافات والصدمات، فالبشر يختلفون عن بعضهم البعض في الطباع والتركيبة النفسية والتنشئة ايضا، فنجد من هو انتهازي او سلطوي يفرض رأيه على شريكه، وهناك من هو نظامي يحب ترتيب الاشياء ونظافة المكان ومساعدة الآخرين، وفي كل الاحوال فان العمل الجماعي هو الذي يتحكم في اندلاع الخلافات او تجاوزها، وهذا يتوقف على مدى استيعاب الافراد لحجم المشكلات، والعمل على تحييدها، اما بالنسبة للخلافات التي تظهر عند انفصال احد الاطراف فهي كثيرة وأسوأها التراشق بالشتائم وتبادل الاتهامات. راحة بال اما عبده عبد العزيز فهو يرفض الفكرة جملة وتفصيلا يقول: عندما اسمع عبارة المسكن المشترك فانا اتذكر القيود واشعر بحالة ضيق واشمئزاز، وذلك لانني مررت بتجربة قاسية لم تستمر لاكثر من شهرين، هذه التجربة جعلتني لا افكر على الاطلاق ان يشاركني احد في مسكني، وانا لم اكن مضطرا لكي اجرب العيش مع شخص آخر وانما هي شروط العقد مع صاحب العمل الذي يوفر السكن، واذا كانت العوامل المادية هي التي تجبر الانسان على ذلك، فانا لست على استعداد لكي اجازف براحتي النفسية والجسدية وأدخل في متاهات الأكل المشترك وحسابات فواتير التلفون واستعمال الادوات المنزلية، انا اتمسك بخصوصياتي وممتلكاتي ولا اتخيل ان يشاركني احد فيها، ومن اجل ذلك فضلت البقاء في غرفة على السطح لفترة طويلة، فالحياة ليست مادة فقط نحرص عليها انما هي طريقة عيش يختارها المرء لكي يبقى بعيدا عن المشاكل، اما ان نسعى الى تكوين علاقات وصداقات من خلال المسكن او ان نتوقع المساعدة في الاوقات الطارئة فهذا مجرد وهم، والموضوع من هذه الزاوية لا يحتمل ان ندخل في تداعيات غير محمودة العواقب من اجل التعرف على الاخرين فقط، او من اجل رفيق يؤنس الوحدة ويخفف من وطأة الاغتراب، ان الامر اكبر بكثير من هذه الاشياء الصغيرة، انها مسألة حياة. الاختيار مطلوب وترى أمل ابو شادي «موظفة» ان دوافع السكن المشترك تختلف باختلاف طرق التفكير عند الناس، وايضا تتوقف على قدرات التحمل ومدى الاستعداد النفسي، ولكن الحالة المادية تتدخل بالطبع وتفرض نفسها بقوة حيث الرواتب المتوسطة لدى فئات من العاملين، غير ان الامر ليس بهذه البساطة لكي نضع انفسنا امام أعباء نفسية نحن في غنى عنها، فالسكن هو في المقام الاول خصوصية واسرار، وحرية شخصية يحتاجها الانسان، ومهما كانت الاسباب، فانا ارفض هذا التوجه حتى لا ادخل في خلافات حول مواعيد تشغيل جهاز التكييف لان الآخر لا يتحمل البرودة، او ان يفرض برنامجا تلفزيونيا لااحب متابعته الى آخر قائمة الممارسات المتباينة، كما توجد ايضا الخلافات المادية فهناك مثلا من لا يلتزم بمواعيد دفع الايجار لان راتبه يتأخر الى منتصف الشهر، وهناك من يتوقف عن العمل بشكل مفاجيء مما يربك الآخرين ويؤثر على استقرارهم النفسي والمادي وبالمناسبة فان كثرة المشاركين في المسكن تؤدي الى زيادة في الخلافات والمضايقات، وأرى ان المشاركة اذا زادت عن اثنين او ثلاثة تكون عرضة للمهاترات اليومية على أتفه الاسباب. وتضيف امل ان البعض على سبيل المثال يفضل ان يسمع القرآن في الصباح وآخر يحب الاستماع الى اغان معينة وهذا ايضا يحتاج الى تفاهم واحترام بين الاطراف، لذلك من الافضل ان تكون الاهتمامات متقاربة، ويستحسن ان تكون المستويات التعليمية ايضا متوازنة، لان كل ذلك سوف يصب في تحديد سلوكيات الشركاء تجاه بعضهم البعض، وسيكون بينهم ايضا القاسم المشترك من حيث الهوايات المتشابهة التي يمكن لها ان تجمع ولا تفرق، واناس بهذه الصورة ستكون خلافاتهم حتما راقية ومتحضرة حتى ولو كانت الاسباب قوية، لذلك لابد ان يكون شريك السكن عن طريق الاختيار الدقيق وليس من اللائق ان نستسلم بسهولة لظروف اضطراية تفرض علينا مالا نحب. تعاون انساني تقول هدى محمد «موظفة»: لاشك ان السكن المشترك به ايجابياته وسلبياته .. فمن ناحية الايجابيات اجد ان وجود اكثر من جنسية عربية في بيت واحد يساعد على التعرف على بعض السلوكيات والعادات والتقاليد وكذلك الاكلات المختلفة لكل بلد .. والاجمل من ذلك ان تتعرف على طريقة اعداد هذه الاكلات .. وبالطبع ستكون هناك هوايات مختلفة ومتباينة وهذا بدوره ربما يؤدي الى اكتساب حب هذه الهوايات بعد التعرف على اسباب تعلق صاحبها بهذه الهواية او تلك .. في النهاية ستكون هناك استفادة مشتركة فهواية حل الكلمات المتقاطعة على سبيل المثال لا تقل اهمية عن هواية القراءة او سماع الموسيقى. ارى ان وجود اكثر من جنسية عربية في سكن مشترك سوف يساعد على ازالة الحاجز النفسي الذي تسببت فيه بعض السياسات العربية، فهو فرصة كبيرة لتحقيق التقارب حتى ولو كان من خلال غرفة واحدة. وتواصل من ناحية السلبيات فهي موجودة بكثرة وللاسف فانها اكثر من ا لايجابيات .. ومن خلال ماسمعته من بعض الزميلات فاني ألخص هذه العيوب التي من ضمنها تقصير احدى الساكنات في اداء الواجب منها مثل الطبخ، او غسيل الاواني او التنظيف، الامر الذي يؤدي الى سوء الاحوال النفسية بين الاشخاص كذلك السهر ورفع صوت التلفاز او جهاز التسجيل او التحدث بصوت عال دون مراعاة للأخريات خاصة اذا كانت احداهن نائمة .. كذلك تحرر احداهن او عدم التزامها يسبب الاستياء لمن يلتزمن الوقار وعدم تخطي الخطوط الحمراء من السلوكيات .. وانا شخصيا اعرف فتاة ملتزمة انجرفت الى عالم احدى زميلاتها في السكن . .لذلك من الضروري جدا انتقاء من يحرص على منظومة اخلاقية وميول مشتركة حتى لا تحدث مشاكل لها عواقب وخيمة .. ولا اتعاطف مع من يتحججن بالظروف المادية الصعبة، وضرورة تسكين اية اشخاص في بيت واحد لرفع العبء المادي عن كاهل مستأجر المنزل او الغرفة فكلمة سكن له معنى كبير اكبر من مجرد جلوس اثنتين او اكثر في مكان واحد .. لكن المعنى الحقيقي هو مسكن الروح وهدوء البال .. والالتزام بتقسيم المهام دون اخلال او فوضى. عز الدين الاسواني