في شيخوخة الدولة العباسية، حين أخذت العلة تدب فيها، والانحلال يتطرق اليها من أطرافها في شكل انفصال دويلات من الاطراف، ويتغلغل في باطنها في شكل ثورة هنا وانتفاضة هناك، ويتمثل في سائرها، سقوط هيبة الخليفة، في أعين الناس، وفي الوقت الذي بلغت فيه الثقافة العربية الاسلامية، أعلى ذراها، بعد ان اتصلت بعلوم اليونان وفلسفاتهم، ونقلت عن الهند وفارس وغيرهما، وفي مدينة ليست بالصغيرة ولا الكبيرة، وفي أسرة معروفة بالعلم والعدل والعقل وفي سنة 363هـ ولد «أبو العلاء المعري: احمد بن عبدالله بن سليمان التنوخي المعري»، وقد أصابه الجدري وهو في الرابعة من عمره، وذهب ببصره، فانعزل مرغما عن سائر الملذات، واستمر الرجل في باقي حياته، يضيف اليه محبسا وراء محبس، وقيدا وراء قيد، فهو رهين المحبسين، محبس فقد البصر، ومحبس لزوم البيت. كان أكبر ما يميز «أبا العلاء» الاعتزاز بالنفس، وكان محقا في ان يرى لنفسه الحق في ان يتبوأ أعلى ذروة في الدنيا. مات أبوه وهو في الرابعة عشرة من عمره، وفقد بموت أبيه أحد معلميه الكبار الذين تتلمذ على يدهم. وحين بلغ الخامسة والثلاثين، تراءى له ان يطلب المجد والثروة في «بغداد» عاصمة الخلافة والعلم، فرحل اليها سنة 398ه، وظل بها حتى سنة 400ه، حتى يئس منها، ورجع خائبا، سيئ الظن بها وبالناس، إلا انه استفاد منها علما وأدبا وصداقة قوم أجلاء كالشريف الرضي. ولعل حب أبي العلاء للوقار، وتجنب ما يثير السخرية به، ويأسه من انقياد الناس لفضله وعلمه، وموت أمه اضافة الى العمى، كل ذلك تضافر في تكوين النظرة المتشائمة القاتمة عنده، فأقلع عن الزواج، وسخط على المرأة فاعتزل في بيته لا يبرحه، ولا يحب ان يطرق احد عليه بابه ولكن عندما حاصر «صالح بن مرداس» احد قواد حلب مدينة «المعرة» والح في حصارها، حتى ضاق الناس، فتوسلوا للشيخ ان يكون سفيرهم لدى «صالح» كي يرفع عنهم الحصار، استجاب لهم، فلما ذهب الى «صالح» استجاب هذا له وقال «قد وهبتها لك». وكما اعتزل الناس، اعتزل أكل اللحم، وما يخرج من الحيوان، كالبيض واللبن، وعاش نباتيا على مبدأ الرحمة بالحيوان. ترك لنا «أبو العلاء» حوالي ستين كتابا، كما يقول «ياقوت الحموي» ضاع معظمها، إلا ان ما بقي يشهد بذوق رائع. يعتبر ديوان «سقط الزند» من اهم آثاره الشعرية، الى جانب ديوانه «لزوم ما لا يلزم» والذي اشتمل على فلسفته في الحياة، وما وراء المدن، أما ديوان سقط الزند فهو جزءان، يضاف اليهما جزء خاص بالدروع أطلق عليه المعري اسم «الدرعيات» وتبلغ قصائد جزئي الديوان: اربعا وسبعين قصيدة ومقطوعة، يضاف اليها سبع قصائد قصيرة، أوردها جامع الديوان بعد الدرعيات، ومعظمها في الغزل. و«لسقط الزند» أهمية كبرى في تصوير نفس الشاعر وحياته وأحداثها وتطور فلسفته في الحياة التي مارسها، والموت الذي واجهه، وفيه الشوق والحنين والفخر والمدح والغزل والرثاء والوصف والرحلات، وفيه خلاصة آمال الشاعر وآلامه، والديوان سجل شعر المعري، منذ بدأ يقول الشعر في الحادية عشرة من عمره. لا تكاد تخلو قصيدة من قصائد الديوان من الفخر، فيما عدا الرثاء، بل ان بعض الرثاء وبخاصة تلك التي رثى بها أهله، تفيض بالفخر، كما يشهد على ذلك رثاؤه لأبيه. ولكن العلامة الظاهري في فخره، هي اعتزازه بالعلم والادب لا بالاصل والنسب وفخره بنفسه التي تسعى الى المجد في عفة وحزم وكرم، وبعقله الذي لا يقع فريسة للوشاة والمنافقين، وبقلبه الذي لا يخيب سائلا يسأله في حاجة. لم يتكسب «أبو العلاء» بشعره، ولا طرق باب الامراء، اعتزازا بنفسه ولهذا لا نجد في مدائحه إلا ما كان من قبيل الاخوانيات، موجها اغلبها الى اصدقائه ومعارفه، ولهذا جاءت مدائحه صورا معنوية لاشخاص ممدوحيه، ولم تكن صورة واحدة متكررة لرجل يستحيل وجوده لاكتمال كل كمال فيه، رجل معصوم عن الخطأ كتلك الصور التي نراها عند كثير من المادحين. أما الغزل عنده فهو حب مع وقف التنفيذ، كان يراوده في الاحلام وبذلك صور هذا الديوان المعري صاحبه الذي خلق بعقل الفيلسوف ونفس الشاعر فكان شاعرا فيلسوفا. إعداد ـ محمد سطام الفهد