بيان الكتب: كانت حياة وليم فولكنر لغزاً غامضاً بقدر ما في أعماله الأدبية من ألغاز غامضة. تلك الأعمال التي أثارت موجة من الإعجاب والإنتقاد معا. ولعل مرجع ذلك كما يرى البعض أن فولكنر أراد أن يواجه مشكلة الشر القبيح في العالم وتفحصها من كل جوانبها، ولذلك نجد كل الجرائم والرذائل مصورة في كتبه، يعزز ذلك الرمز في الرواية التي منحته الشهرة وهي رواية «الحرم - Sanctuary » ففيها يغتصب رجل من الشمال فتاة عذراء من أهل الجنوب، ولكنه عنين «وهو هنا يرمز إلى الشلل في نفس الشمال «فيقضي وطره منها باستعمال عرنوس الذرة، ولكن الفتاة بعد ذلك تلتهب شبقا» وهو رمز إلى إنهيار القيم في الجنوب». فهو كرجل ينتمي إلى الجنوب المنهزم وظف كل القدرات في التعبير عن الذات. ولد فولكنر سنة 1897 بالقرب من بلدة أكسفورد في ولاية المسيسبي. وفي الوقت الذي أظهر فيه موهبة فنية بالرسم وموهبة أدبية في الشعر ترك الدراسة بعد أن سئمها ولم يحصل على تعليم عالٍ. تسكع كثيرا هنا وهناك، وشُوهد حافيا، مفلسا، غير حليق الذقن، يجلس القرفصاء في الشوارع يقرأ ويستمع إلى أحاديث الناس وخاصة الزنوج حيث تحدّث عنهم فيما بعد في معظم أعماله الأدبية التي بلغت أكثر من ثلاثين كتابا، متأثراً بنتائج الحرب الأهلية الأمريكية التي أدت إلى إنتصار الشمال على الجنوب وتحرير الزنوج الذين يعتمد إقتصاد الجنوب على سواعدهم خاصة في زراعة القطن. وإعتبرَ ما حلّ بالجنوب مصغراً لما حل بالعالم من فوضى خُلقية وإنحلال إجتماعي. كما تأثر بالحرب العالمية الأولى التي إعتبرها مفتاحا للحرب العالمية الثانية وإساءة للإنسانية حيث عمل خلالها طيارا في سلاح الجو البريطاني وتحطمت طائرته مرتين لكنه نجا، بعد أن فشل في إجتياز الإختبارات اللازمة للإلتحاق بسلاح الطيران في بلاده نظراً لقصر قامته وضعف بنيته. وكان دائما يحس بأزمة ضمير، فعند حصوله على جائزة نوبل في الأدب سنة 1949 قال يوم تسلم الجائزة : في عقيدتي إن الإنسان لن يبقى لمجرد البقاء. بل إنه سيسود.. إنه خالد. لا لكونه وحيدا بين مخلوقات تتمتع بصوت مسموع، ولكن لأنه يملك روحا قادرة على الحنان والتضحية والجَلَدْ.. وواجب الشاعر والكاتب أن يكتب عن هذه الأمور. إنقسم حوله الأمريكيون وخاصة أبناء الجنوب وشنوا عليه حرباً شعواء وهددوه لزعمهم بمناصرته للزنوج، ووصلت الخلافات إلى التشابك بالأيدي حتى مع أخيه. كما إن الزنوج أنفسهم قادوا المظاهرات ضده بسبب أحاديث لفقت له. فاعتزل الحياة في منزل ريفي متواضع في اكسفورد بولاية المسيسبي، وهو الذي يردد بأنه مزارع بسيط، وليس بأديب، وفي الواقع فإن طريقة حياته تؤيد إدعاءه. كما بنى عالما خياليا مصورا لولاية أسماها «يوكنابا توفا» وعاصمتها جيفرسون، ولم يدلِ بأحاديث للصحافيين إلا في النزر اليسير وكان يمتنع عن الرد على الهاتف الذي استخدم في تهديده، ميالاً لإطلاق لحيته، كارها إرتداء ربطات العنق، يضع اليافطات لتحذير الفضوليين من دخول مزرعته. وفي سنة 1929 نجح فولكنر في نشر روايته «الصخب والعنف» بعد أن رفضها الناشرون في البداية والتي ترجمت إلى معظم لغات العالم الحية، علما أنها كانت الكتاب الخامس لفولكنر، إستغرق 3 سنوات في كتابته. وفي السنة نفسها تزوج من أرملة لها ولدان وبقي يقطن البيت نفسه القديم الذي نشأ فيه منذ طفولته يكتب في الفترات الصباحية، وينجز الأعمال الأخرى في الأوقات الأخرى. وشخصية فولكنر وحياته تؤكد أنه لم يكن يهتم بالجاه أو المجد الأدبي ويميل بقوة إلى حياة البساطة ومعاشرة الناس البسطاء. وفي الرواية فإن آل كمبسن هم أب مخمور معتزل الناس يهوى مطالعة الكتب الكلاسيكية لذا فهو فصيح الكلام، ناقم على تيار الحياة الجديدة محاولا النسيان. وأم أرستقراطية مريضة على الدوام مصرة على الترفع، تاركة شؤون البيت للخدم الزنوج. ولأولاد كل واحد منهم حكاية قائمة بذاتها. ثلاثة إخوة من الذكور مع أختهم كادي أو «كاندس». الأخ الأول هو كونتن، طالب في جامعة هارفارد، ولأنه مفرط الحساسية، شديد التعلق بالشرف، شديد التعلق بإخته كادي أنهى حياته منتحرا عندما علم أن كادي أقامت علاقات حب مع رجل غريب وضاجعته. ولكي يتستر على ما في ذلك من عار على عائلة كمبسن إدعى أمام أبيه أنه هو الذي ضاجع أخته لعله بذلك يحفظ الأسرة من التفكك، وأغرق نفسه في نهر تشارلز وهو يستذكر ما حدث لأخته. فهو بذلك يمثل الأنا العليا. الأخت كادي تلد بنتا سفاحا، تسمى بعد إنتحار خالها بإسمه «كونتن»، يكتشف زوجها أنها حامل من رجل آخر فيطلقها. ثم تغادر البيت نهائيا ومن ثم لتبيت في كل ليلة في حضن رجل غريب، حتى إنتهى بها المطاف إلى أن تصبح عشيقة لجنرال ألماني في فرنسا خلال إحتلال ألمانيا لفرنسا في الحرب العالمية الثانية. وتبقى كاندي بعيدا عن أهلها غير أنها ترسل النقود شهريا لإبنتها كونتن وعلى مدى سنين طويلة. الأخ جيسن والذي يمثل الأنا الأدنى، نقيض أخيه كونتن، يكره الجميع من حوله وفي مقدمتهم إخته كادي وإبنتها، والخادمة الزنجية دلزي، ويقابله الآخرون كرها بكره منذ صباه لشراسته وغطرسته. فهو يمثل قوى التصدع بالأسرة العريقة، وبالتالي في الجنوب المهزوم كله، وكل شيء عنده يندرج تحت مفهوم الربح والخسارة. فعندما يموت أبوه تحضر مراسيم دفنه أخته كادي متنكرة ولكنه يعرفها ويشاهد كمية الزهور الكثيرة التي تحضرها فيحدث نفسه قائلاً : إنها تساوي خمسين دولاراً. كما إعتاد أن يتحايل على أمه لكي يختلس أموالها مستغلاً ثقتها به. يرفض مقابلة أخته علناً خوفا على صورته الإجتماعية لأنها أصبحت سيئة السمعة، وعندما تتوسل كادي من أجل رؤية إبنتها يساومها مقابل رؤيتها لدقيقة واحدة ويطلب مائة دولار. ويستولي على الأموال التي تبعثها كادي لإبنتها كل شهر مدة سبع عشرة سنة هي ما يوازي عمر إبنتها ويدخرها مع نقوده متهربا من الضرائب حتى جمع مبلغا منى نفسه من خلاله أن يبز يهود نيويورك جميعا في مدى حصافته المالية. ينعت أخته وإبنتها دوما بالعهر، ويرضى أن تكون عشيقته مومس في ممفيس.أناني، وسادي، وعنيف مع الجميع خاصة مع أخيه المعتوه بنجي. الأخ الصغير بنجي أو بن، فتى معتوه، يسمع ولا يتكلم، الشيء الذي يتمكن منه هو الصراخ والعويل، فهو يمثل «الهو» في سيكيولوجية فرويد، ومن أهم ما يميزه أن حواسه كالشم والسمع واللمس قوية، شديد التعلق بإخته كادي التي يتذكرها عندما يشتم رائحة ورق الشجر في المطر لأنهما متشابها الرائحة، مثال للبراءة والبدائية، لا يفقه ما يدور حوله لذا فهو موضع عطف ورعاية الخدم الزنوج كما إنه يركن إلى الزنوج في ظل محيطه، وبعد موت الأب يقوم جيسن بإخصاء بنجي إنتقاما لحادثة بعيدة قام بها بنجي بالتحرش بفتاة لم تكلل بالنجاح منفذا العملية التي رفضها أبوه في حياته، أما بعد موت الأم فيقوم بإيداعه مستشفى المجانين. ثم يأتي دور الأبنة كونتن، بعد أن تكبر وتدرك ما يدور حولها، فتكيد لخالها الذي يستولي على نقودها التي تبعثها لها أمها بداية كل شهر، فتتحين الفرصة وتتسلق شجرة الأجاص التي توصلها بغرفة خالها فتأخذ كل النقود التي بلغت سبعة آلاف دولار، وهو مبلغ عوّل عليه جيسن كثيرا، ثم تهرب مع عشيق لها يعمل في سيرك. غضب جيسن غضباً شديداً وهو يرى دولارته التي جمعها في مشقة مضنية تسرق على حين غرة، خرج لا يلوي على شيء في بحثه عن كونتن والتي يبدو أنه قاتلها إن وجدها فلما خاب ظنه عاد مغضبا ليجد بنجي مع فروني أبن دلزي الصغير عائدين بالعربة من زيارة قبر أخيه المنتحر حاملا زهرة فيوقف العربة ويصفع الصبي ويلطم بنجي كاسراً ساق الزهرة مفرغاً من شحنة الغضب الذي إستحوذت عليه.ويقوم جيسن ببيع الدار لرجل حوُلها إلى نزل كما قام بتسريح الخدم، منتقما بذلك من دلزي صاحبة الشخصية القوية والشكيمة التي لا تلين المستمدة من جذور آبائها وأجدادها القادمين من أعماق غابات أفريقيا، بعد أن رأت دلزي البداية والنهاية، وليردد جيسن في النهاية : حرر إبراهام لينكولن الزنوج من آل كمبسن سنة 1865. وحرر جيسن آل كمبسن من الزنوج سنة 1933.