بيان الكتب: يفجيني بريماكوف، مؤلف هذا الكتاب، هو رئيس وزراء روسيا الاسبق.. وأحد أشهر السياسيين الروس منذ عقد السبعينيات الماضي. كما انه احد اهم الخبراء الروس بشئون العالم العربي، حيث انه كان قد أمضى في المنطقة سنوات طويلة. خدم في ظل بريجينيف وجورباتشوف ويلتسين. وكان رئيساً لجهاز الاستخبارات السوفييتي ال«كي. جي. بي» ووزيراً للخارجية ورئيساً للوزراء.. وهو اليوم احد المستشارين المقرّبين من بوتين بعد ان كان أحد أقوى المنافسين له لمنصب رئاسة الفيدرالية الروسية.. انه باختصار لايزال يلعب دوراً مهماً على المسرح السياسي الدولي. هذا الكتاب «في قلب السلطة» تم نشره بالوقت نفسه في الولايات المتحدة وبريطانيا وايطاليا وفرنسا والمانيا واليونان والصين واليابان. ولاشك بان هذا العمل ليس مجرد مذكرات سياسية او سيرة ذاتية يكتبها صاحبها او شهادة على مجموعة من احداث العالم الكبرى، بل هو في الواقع هذه الاشياء كلها مجتمعة. يقول المؤلف في جملة وجهها لقارئه في تصدير الكتاب: «قصدي هو أن ابيّن تعقيد الحياة السياسية والاجتماعية الروسية دون اخفاء مظاهرها السلبية. واذا استطعت المساهمة في توضيح بعض النقاط التي تشوش رؤية الغرب عن روسيا، فإنني اكون قد قدّمت عملاً مفيداً». ان «بريماكوف» يلقي في هذا الكتاب الضوء على العديد من الاحداث الكبرى التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين. ويحاول الاجابة على العديد من الاسئلة التي تدور في كثير من الاذهان مثل: ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج؟ وفي حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة؟ وكيف وصل فلاديمير بوتين الى قمة السلطة في روسيا؟ وماذا يجري في كواليس الكرملين اليوم؟ وما هي حقيقة الموقع الرئيسي على رقعة الشطرنج السياسي الدولية؟ وعلى اي مستوى تتحدد المنافسة الروسية ـ الامريكية؟. انها اسئلة كثيرة و«مثيرة» يحاول المؤلف ورجل السياسة الروسي الكبير ان يجيب عليها من خلال مسيرته السياسية ومعرفته القريبة بشخصيات مثل الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون او الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفتش، الذي تتم محاكمته اليوم على اساس انه مجرم حرب، او الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والرئيس العراقي صدام حسين... وغيرهم. الجميع يتفقون على أن روسيا قد عادت الى المسرح الدولي بقوة بعد احداث 11 سبتمبر 2001 وهذا ما تؤكده بقوة الباحثة الشهيرة وعضوة الاكاديمية الفرنسية «هيلين كارير دانكوس» التي كانت من اوائل، اذا لم تكن اول، من تحدث منذ عقد السبعينيات عن احتمال انهيار الاتحاد السوفييتي «السابق» في كتاب لها حمل عنوان: «الامبراطورية المتفجرة». لقد بدت روسيا بعد 11 سبتمبر بمثابة «محاور لابد منه» للولايات المتحدة الامريكية وذلك بعد ان كانت الخصم خلال فترة الحرب الباردة ثم «القوة الغائبة» لصالح التفرد الامريكي بالهيمنة على العالم في ظل النظام العالمي الجديد الذي اعقب حرب الخليج الاخيرة وانهيار الكتلة الشيوعية.. «ايفجيني بريماكوف» يشرح في هذا الكتاب اسرار هذه «التحولات» كلها ولاشك بان الصفحات المكرّسة لمنطقة الشرق الاوسط والتي تشمل ثلاثة فصول كاملة من اصل تسعة هي مجمل فصوله، انما هي التي تهم مباشرة القاريء العربي، وبالطبع هذا لا يعني ان المواضيع الاخرى كحرب كوسوفو ونشاط الاستخبارات السوفييتية «كي. جي. بي» لا تهمه.. تجدر الاشارة هنا الى ان بريماكوف قد اهتم منذ سنوات شبابه الاولى بمنطقة الشرق الاوسط حيث كان قد كرّس لها موضوع دراساته العليا قبل ان يعمل لعدة سنوات مراسلاً لصحيفة «البرافدا» في المنطقة وخاصة في مصر.. تحت عنوان: «الحرب التي كان يمكن ان لا تقع» يكتب بريماكوف عن ازمة ثم حرب الخليج الاخيرة. يقول: لاشك بان الفترة الاكثر اهمية اثناء عملي في المجلس الرئاسي كانت تلك التي شهدت ازمة ثم حرب الخليج انه يؤكد بانه، واعتبارا من 9 سبتمبر عام 1990، وبمبادرة من الرئيس الامريكي جورج بوش «الاب» تم عقد لقاء قمة امريكي ـ سوفييتي في هلسنكي. كان الرئيس الامريكي يريد الحصول على الدعم السوفييتي العلني بحيث يبدو ان القوتين العظميين ـ آنذاك ـ تتفقان على ضرورة انسحاب القوات العراقية من الكويت. وقد قبل السوفييت الاقتراح الامريكي دون اي تردد. يقول بريماكوف: «كنا في تلك اللحظة، ولنقل ذلك صراحة، على قناعة تامة بان الحرب سوف لن تقع، وبان اللجوء الى مختلف وسائل الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري سيؤدي الى التأثير على الرئيس صدام حسين. وبالوقت نفسه كنا نعتقد بان الوصول الى اقامة نظام دولي عادل امر قابل للتحقيق، وبانه ينبغي على الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي لعب دور خاص في ذلك». ويشير بريماكوف في هذا السياق الى ان ميخائيل جورباتشوف كان يشعر ـ كما قال لعدد من المحيطين به ـ بان الرئيس الامريكي يريد ان يصل الى تسوية للمشكلة الكويتية عن الطريق السياسي. كما يؤكد «بريماكوف» بانه تم في اجتماع القمة الامريكي ـ السوفييتي التطرق الى مسألة مدة بقاء القوات الامريكية في منطقة الخليج وحيث ان الرئيس بوش قد أشار اثناء المؤتمر الصحفي الذي اعقب الاجتماع بان وجود القوات الامريكية، في الخليج هو أمر مؤقت، لقد كان ذلك تصريحاً مهماً كما يقول بريماكوف الذي ينقل بانه اثناء اللقاء على مائدة العشاء بعد الاجتماع، سأله الجنرال «برنت سكوكروفت» مستشار الامن القومي لدى الرئيس الامريكي، الذي كان بجانبه عن اخر مرة رأى بها الرئيس العراقي صدام حسين، يقول: كان يريد بوضوح معرفة اذا كنت قد زرت بغداد بعد بداية الازمة. فأجبته مع ابتسامة خفيفة: «كلاّ، انني لم اذهب بعد الى هناك». ولا ينكر «بريماكوف» معرفته القديمة بالرئيس العراقي صدام حسين والذي كان قد التقى به للمرة الاولى عام 1969 بعد ان كان قد سمع عنه كثيراً قبل ذلك عندما شارك في محاولة لاغتيال رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم يقول بريماكوف: «كان اهتمامي انذاك بصدام حسين يعود لاسباب محددة تماماً حيث انني كنت اشارك في الجهود الرامية الى دفع جميع اطراف النزاع ـ العراقي الكردي ـ الى طاولة المفاوضات وذلك في الوقت الذي كان فيه مجلس قيادة الثورة قد عينه لرئاسة الوفد العراقي للاتصال مع الاكراد». وفي تلك الفترة ايضا تعرّف بريماكوف على «طارق عزيز» الذي كان انذاك رئيساً لتحرير صحيفة «الثورة». هذا ويؤكد ضمن الاطار نفسه على ان ملامح «العناد» و«الخشونة» في شخصية صدام حسين كانت ظاهرة منذ ذلك التاريخ، الى جانب «برهانه على حس واقعي، خاصة عندما يدرك ان هناك خطراً، بل كان يستطيع ايضا حتى وان كان هذا لا يمثل رد فعله المباشر في اكثر الاحيان، ان يصغي جيداً الى بعض الحجج». ويروي «بريماكوف» حكاية صغيرة مع الرئيس صدام حسين وتبين حسب رأيه، ملامح شخصيته الحقيقية. بدأت يوم عام 1970 بدا ان الوصول الى اتفاق مع الاكراد امر ممكن. لكن فجأة امتنع صدام حسين عن التوقيع، الا اذا تعهد الاكراد بعدم شن هجوم جديد. ولكن عندما اشار له بريماكوف بان اي خرق من قبل الاكراد للاتفاق يعني عدم تقديم اي دعم سوفييتي او حليف لهم. فاقتنع بالحجة ووقع الاتفاق. لكن التوتر لم يخف بل ان محاولة لاغتيال «البرازاني» عن طريق الة تسجيل مفخخة كادت ان تنجح. وضمن السياق نفسه ايضا يروي «بريماكوف» تكليف الرئيس الروسي الاسبق ميخائيل جورباتشوف له بزيارة بغداد بعد اجتياح الكويت للبحث في امرين اساسيين هما التفاوض حول ترحيل الخبراء السوفييت من العراق دون عوائق وتقديم البراهين للرئيس العراقي بان رفضه الانصياع لمتطلبات مجلس الامن انما يعني دخول الازمة في الطريق المسدود. وبعد «وقفة» ليوم في العاصمة الاردنية عمّان للتباحث مع الملك الراحل حسين ومع قادة منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسهم ياسر عرفات والذين كانوا قد قدموا خصيصاً للقاء من تونس، تم اللقاء مع الرئيس صدام الذي اعطى الضوء الاخضر بالنسبة لترحيل الخبراء السوفييت عن العراق.. اما بخصوص انسحاب القوات العراقية فقد قال له بريماكوف، بحضور طارق عزيز: «اذا لم تسحبوا قواتكم من الكويت فإنكم ستتعرضون للهجوم حتماً. وعليكم ان تفهموا بانكم تتحملون بذلك مسئولية الحرب كلها واتمنى لو تفهمونني جيدا: انني لم آت الى هنا من اجل تهديدكم. مع ذلك ليس هناك اي مخرج اخر لكم سوى سحب قواتكم». وكان رد الرئيس العراقي: «اذا كنت اواجه مثل هذه المعضلة المتمثلة في الاختيار بين الاستسلام او القتال فإنني سوف اختار القتال ثم اضاف: «لكنني رجل واقعي. اذ وحتى لو انني كنت مستعداً ضمن بعض الظروف للقبول بانسحاب قواتي، وانما لن استطيع ان افعل ذلك الا اذا كان مرتبطاً بحل بعض المشاكل الاخرى. لذلك لن يكون ممكناً حل الازمة الحالية الا اذا تم مسبقاً تحديد جدول زمني وصيغة تسوية للقضية الفلسطينية». ما يؤكده «بريماكوف» هو انه اعتباراً من ذلك اللقاء الاول، اخذ الرئيس صدام حسين مسافة بالقياس الى الاطروحات العنيفة التي كان قد اعلنها في خطابه بتاريخ 12 اغسطس 1990 وطالب فيها بالوصول الى حل متزامن للمشكلتين الكويتية والفلسطينية، وبالطبع لم يكن هناك اية دلالات واضحة لمثل هذا «التراجع الخفيف» في الخطابات والتصريحات العلنية وفي صباح اليوم التالي للقاء رافق طارق عزيز المبعوث السوفييتي «بريماكوف» الى المطار وأكد له قوله: «ان صدام حسين يعوّل على اقتراحات ملموسة. ونحن بانتظار متابعة اتصالاتنا». فطلب منه بريماكوف ان يكرر نفس ما قاله بحضور السفير السوفييتي عند وصولهما الى المطار. «ولكن لماذا؟» تساءل طارق عزيز، فأجاب بريماكوف: «انني سأستقل الطائرة، وهذا يحتوي على خطر ما دائماً. ان المعلومات التي قلتها بواسطة رسالة مشفّرة الى موسكو».. وهذا ما حصل. ان بريماكوف يروي على مدى صفحات عديدة لقاءاته ومباحثاته وحيث ادرك شيئاً فشيئاً بان هناك خطة تتحضر مفادها انه لا ينبغي ان يقتصر الامر على جلاء قوات صدام عن الكويت، وانما تقديم ضربة قاصمة للعراق وانهاء امكانياته العسكرية بل وحتى الصناعية. وهذا ما عبّرت عنه رئيسة وزراء بريطانيا انذاك مارجريت تاتشر بالقول اثناء لقائها مع بريماكوف: «علينا ان لا نمنع تنفيذ هذا المشروع، وعلى صدام حسين ان يثق تماماً وان لا يخامره اي شك بان المجموعة الدولية سوف لن تتراجع وانها سوف تحقق اهدافها. وبالتالي لا ينبغي لأحد ان يحاول حماية نظامه للضربة التي ستوجه له». فسألها بريماكوف: «انك لا ترين اذن اي مخرج للازمة سوى الحرب؟». «كلا» اجابت. فأردف قائلاً: «ومتى ستبدأ العمليات العسكرية؟». «لا استطيع ان اقول لك ذلك، لانها ينبغي ان تباغت العراق». ومن هذا النقاش خلص «بريماكوف» الى قناعة مؤداها بان ذلك اللقاء مع تاتشر كان مدروسا وقد يرمي الى توجيه «انذار» للسوفييت وافهامهم بان الخيار يتجه نحو «الحل العسكري». وما يشير اليه بريماكوف في هذا السياق، هو ان الرئيس الامريكي نفسه «جورج بوش» الاب كان من بين الاكثر اعتدالاً في التوجه نحو الحرب، لكنه كان يتعرض لضغوط شديدة. ولقد حاول السوفييت، بطلب من جورباتشوف متابعة جهودهم حيال ازمة الخليج في وقف منع نشوب الحرب. وارادوا ان يلعبوا ورقة «العامل العربي» من اجل دفع العراق الى سحب قواته من الكويت.. وكان هناك لقاء اخر بين الرئيس العراقي وبريماكوف الذي عرض له بوضوح «ما ينتظره» اذا لم ينفذ مطالب المجموعة الدولية.. ويؤكد بريماكوف انه في ذلك اللقاء، وفي اللقاءات التي تلته حاول باستمرار ان يشرح للرئيس العراقي بطرق مختلفة بان «الوقائع السياسية هي اكثر أهمية من الوجاهة الشخصية». وفي احد اللقاءات وعندما كان جميع القادة العراقيين يرتدون الزي العسكري، بادر الرئيس صدام حسين بالقول: «ليس صدفة انني دعوت زملائي في القيادة. اذ بينهم «الصقور» و«الحمائم» وبالتالي ينبغي ان يسمعوا ما يدور بيننا من حديث». علق بريماكوف على ذلك بالقول: «كنت افضّل ان لا يكون هنا سوى الحمائم»، فأردف طه ياسين رمضان قائلاً: «في هذه الحالة لن يبقى في القاعة سوى رئيسنا المحبوب». «في قلب السلطة» شهادة استثنائية من «قلب الحدث» ايضا وعلى اهم الاحداث خلال عدة عقود من الزمن