هذا كتاب عن روسيا، تاريخها وموقعها وجغرافيتها ومكوناتها الاتنولوجية والدينية، ولاشك بأن الميزة الأساسية لهذا الكتاب هو انه يعطي بعض المفاتيح الأساسية لاكشاف روسيا، بكل ما تحمله من تناقضات واسرار ومواطن ضعف ونقاط قوة، هذا ما يقدمه في هذا العمل «عودة روسيا» اثنان من العارفين بخبايا الامور وبما يجري في الكواليس، فأحدهما «ميشيل جورفنكل» هو أخصائي بالشئون الدولية واحد كتاب صحيفة «وول ستريت جورنال»، أما المؤلف الآخر «فلاديمير فيدورفسكي» فقد كان احد الدبلوماسيين اللامعين اثناء الحقبة السوفييتية حيث تولى على مدى ثلاثة عقود من الزمن عدة مناصب دبلوماسية، وقد كان وهو في سن الخامسة والعشرين احد المترجمين المفضلين لدى ليونيد برجينيف للغة العربية، وهو الآن أحد الكتاب الروس المعروفين في مجال الدعوة للأفكار الديمقراطية حيث كان ولسنوات الناطق الرسمي باسم «حركة الاصلاحات» في روسيا. ان الاختلاف أو التمايز بين المؤلفين على صعيد التكوين الثقافي أظهر فائدة كبيرة من حيث ان الصورة التي قدمامها لروسيا بدت أكثر وضوحا واكتمالا لأن النظر لها قد تم من زوايا مختلفة. وتمتزج في هذا الكتاب المعلومات التاريخية الموثقة بالذكريات الشخصية وبالوصف الذي تقدمه «نظرة المسافر» وما تتركه من انطباعات اللقاءات مع هذه الشخصية البارزة أو تلك مثل اللقاء مع الكسندر ياكو كليف المستشار الرئاسي لدى ميخائيل جورباتشوف، والذي يعتبره المحللون السياسيون ـ أي ياكو كليف ـ بمثابة الأب الروحي للبرسترويكا ـ السياسة الاصلاحية ـ التي تبناها آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي. ومن خلال المزج بين وجهات النظر المتباينة يتم تعريف القاريء بالمعالم الأساسية للعالم الروسي. ويكرس المؤلفان العديد من صفحات كتابهما للحديث عن السنوات القليلة التي سبقت نهاية القيصرية وقيام الثورة البلشفية عام 1917. يقولان بأنه «لم يكن هناك ما بين عام 1905 وعام 1917 ما يسمح بتوقع ان تحظى روسيا بالقسم الأكبر من القرن العشرين في ظل الشيوعية». ويؤكدان بأن «حلم الثورة» قد انتهى مع ستالين الذي كان يريد السلطة من أجل السلطة، وحيث بقي في الحكم ما يزيد على ثلاثين عاما. ويكشف المؤلفان في هذا السياق بأنه بعد وفاة ستالين بفترة قصيرة تمت محاولة «اصلاح» جدية على يد «بيريا» لكنها أجهضت بسرعة على يد خورتشوف، وتمّ إعدام «بيريا»، بل ويؤكد المؤلفان بأن ليونيد بريجينيف نفسه قد حاول اجراء «سلسلة من الاصلاحات» ولكن الانتفاضة التي عرفتها «براغ» والمعروفة بـ «ربيع براغ» عام 1968 أثارت رعب القادة السوفييت مما دفعهم الى تأجيل الاصلاحات. لقد سقط الاتحاد السوفييتي نهائيا عام 1991 (شهر ديسمبر) بعد سنوات من رئاسة جورباتشوف، وأخذ الروبل لون الدولار، وظهرت طبقة جديدة من «الاغنياء» من اصحاب المليارات الذين كانوا قد أمضوا خدمتهم في صفوف الجيش أو الـ «كي.جي.بي»، لكن روسيا تحتل في عام 2000 مرتبة متواضعة جدا على صعيد اجمالي الانتاج العالمي بعد هولندا والمكسيك.. فإلى أين تذهب روسيا؟!