بيان الكتب: اينيس برتراند، هي باحثة في ميدان الفلسفة، وهي عضوة المنتدى الدولي للعولمة، ومؤسسة تحالف «الفلاحين ـ انصار البيئة ـ المستهلكين» و «مركز مراقبة العولمة». ولورنس كالافاتيد هي باحثة في ميدان العلوم الاجتماعية وهي نائبة رئيس معهد التخطيط الاقتصادي، وقد جعلت منذ ثلاث سنوات من «الاتفاق العام حول تجارة الخدمات» موضوع اهتمامها الرئيسي. منظمة التجارة العالمية، السلطة غير المرئية، كتاب تحاول مؤلفتاه الاجابة عن عدة تساؤلات جوهرية حول هذه المنظمة التي اصبحت اليوم بمثابة أحدى أهم المؤسسات الدولية على صعيد تنظيم المبادلات التجارية الدولية وتحديد قواعدها، فكيف تعمل منظمة التجارة العالمية؟ ومن أين تستقي شرعيتها؟ كيف وصلت الى هذه الدرجة من القوة؟ من يفاوض وعلى ماذا وباسم من؟ وفي معرض محاولة تقديم الاجابات عن مثل هذه الاسئلة تتعرض المؤلفتان اولا لتقديم نبذة تاريخية عن هذه المنظمة منذ فترة تكونها الاولى منذ التصديق على اتفاقية تسوية التعرفة الجمركية «الجات» وحتى آخر تظاهراتها العامة، كما تؤرخان لمجمل المحادثات السرية التي شهدتها .. هذا مع التأكيد على القول بانه ورغم خروج منظمة التجارة العالمية من الظل اعتبارا من اجتماع سياتل فان القواعد التي تحكم آليات عملها مجهولة الى حد كبير حتى الآن. هذا مع أنها تتمتع بحقوق كبيرة في مجال مراقبة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي يتبناها هذا البلد العضو او ذاك من بين عداد اعضائها. وفي المحصلة وبعد أن قامت المنظمة العالمية للتجارة بتهميش مختلف وكالات منظمة الامم المتحدة هاهي اليوم بصدد محاولة كبح الممارسات الاقتصادية. وقد اعتمدت مؤلفتا هذا الكتاب اجراء عدة مقابلات مع بعض رموز مناوئي العولمة لاتاحة الفرصة لهم لسماع صوتهم، وكذلك قامتا بكشف خبايا العديد من الاتفاقيات والمعاهدات التي تم التوقيع عليها بحيث تم ابراز الرهانات الحقيقية الكامنة وراءها والتي لم تكن في واقع الامر معروفة بشكل جيد الا من قبل القلة القليلة لاولئك المستفيدين منها. الخطوة الاولى في محاولة الكشف عن كل المظاهر «المستورة» من الرهانات الحقيقية لمنظمة التجارة العالمية تمثلت في البحث بـ «الصيغة الاولى» التي بدأت فيها اي بالاتفاقية الخاصة بالتعرفة الجمركية «الجات» التي كانت قد رأت القرار عام 1947 واخذت تعقد الدورات المتتالية للقائمين عليها وصولا الى الدورة الاكثر شهرة في تاريخها والمعروفة باسم «دورة الاورجواي» والتي يصفها هذا الكتاب بالقول: تحت حجة ضبط التجارة الدولية حضرت بهدوء اكبر ثورة مضادة كان يمكن لرؤساء ومدراء الشركات الدولية المسيطرة على الاقتصاد العالمي ان يحلوا بها. التسمية التي تطلقها مؤلفتا هذا الكتاب على اتفاقية «الجات» هي انها تمثل «قمة الظل» اذ في الوقت الذي كانت تحضر فيه المجموعة الدولية قمة الارض في ريو دي جانيرو كانت قضايا العالم الحقيقية تتحضر في مكان آخر وحيث لم يكن هناك من يتحدث عن حقيقة مايجري بصمت داخل مفاوضات سرية خلف الابواب المغلقة حيث كان الرهان الحقيقي هو ارساء الاسس لعملية «اعادة تنظيم كاملة للعلاقات الدولية» لقد كان يتم رسم اطار المستقبل، تقول المؤلفتان وكان الامر يتعلق بـ «اتفاق يالطة» جديد مثل ذلك الذي كان ستالين وروزفلت وتشرشل قد عقدوه على ضفاف البحر الاسود ليرسموا فيه خارطة جديدة للعالم. هكذا وباسم احترام حقوق الملكية الصناعية وتحت واقع الضغوط الكبيرة التي كانت الولايات المتحدة الامريكية تمارسها اصبحت الملكية الفكرية التي كانت تدار تقليديا من قبل المنظمة العالمية للملكية الفكرية من اختصاص اتفاقية «الجات» ولكن مثل هذا الامر لم يقتصر على حقوق المؤلفين وبراءات التصنيع والاختراع وانما تعداه كي يصل الى الابحاث الخاصة بالانواع الحية التي يتم التلاعب في مورثاتها عبر عمليات التهجين وغيرها .. وحيث كان الرهان البيئي والحيوي والطبي كبيرا الامر الذي عبر عنه احد رجال القانون الماليزيين بالقول: تحت حجة احترام حقوق الملكية الصناعية توصلت مجموعات الضغط ـ اللوبي الى ان تجسد ضمن اطار ـ الجات ـ مرامي الشركات العاملة في حقل التقنيات الحيوية عبر زمن قوانين جديدة سيتم فرضها على العالم اجمع، هكذا لم يكن تعبير التقنيات الحيوية سوى مجرد «فخ» للسيطرة على قطاع صناعي كامل لا يأبه كثيرا للبيئة او لأية مستلزمات اخرى سوى مصلحة الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى العاملة في هذا القطاع والذي يضم ثلاثة مسارب اساسية تتمثل في الطب الوراثي و الغذاء، والزراعة. ومع انعقاد دورة اورجواي في شهر اكتوبر من عام 1986 تمت عملية اعادة كتابة جميع الاتفاقات السابقة المبرمة في اطار «الجات» وكان قد تم في البداية ادراج بعض القطاعات للبحث فيها على اعتبار انها مواضيع للنقاش لكنها انتهت في ختام الدورة وبـ «طريقة سحرية» الى مواضيع مدرجة تماما في اطار اتفاقية «الجات» وكان في مقدمة القطاعات الجديدة التي تم اعتمادها قطاع الخدمات الذي لم يكن قبل «دورة الاورجواي» داخلا في اختصاصاتها. وتشبه مؤلفتا هذا الكتاب عملية ادراج قطاعات جديدة في اطار «الجات» بلعبة «البوكر» حيث لا يكشف اللاعبون عن اوراقهم الا في «نهاية اللعبة» وهكذا تشرحان بالتفصيل كيف ان البنود الاكثر حساسية ودقة في دورة الاورجواي لم يتم تبنيها الا في اللحظة الاخيرة فمثلا كان الحديث عن البند 16 يتم في البداية بصيغة ينبغي العمل وبذل الجهود كي يستقر الامر على نص يقول: يقوم كل عضو بتحقيق مطابقة قوانينه وتشريعاته وآلياته الادارية مع المستلزمات التي نصت عليها الاتفاقات. وكانت هناك مجابهة اولى او عملية «لي ذراع» بين الامريكيين والاوروبيين حول موضوع الزراعة أخفى وراءه جميع الرهانات الاخرى لمختلف الاطراف التي لاتنتمي الى القطبين الرئيسيين المسيطرين على الاقتصاد العالمي واللذين يحتلان واجهة الاهتمام الاعلامي الدولي، وترى المؤلفتان بان الخلافات الاوروبية الامريكية حول بعض النقاط انما قد حجبت في واقع الامر اتفاقهما الجوهري حول القواعد الجديدة «للجات»، كان الاتفاق بينهما واصلا او شبه كامل، اما العراك فقد كان يقتصر في الواقع على توزيع الحصص في الاسواق العالمية، انها استراتيجية دراكولا المعروفة. في مواجهة مثل هذا الوضع نشطت حركات حماية البيئة في العديد من بلدان الجنوب وخاصة في ماليزيا وفي الهند، كما تشير مؤلفتا هذا الكتاب وحيث رأت تلك الحركات في الاتفاقات التي تم التوصل اليها في الاورجواي نوعا من المتفجرات «دي. دي. تي» والتي على شاكلة مبيدات الحشرات تهدد الفلاحين الصغار والصيادين والحرفيين والشعوب الفقيرة، هكذا قرع بعض الرواد في ميدان مقاومة العولمة «جرس الانذار» وبدأت الحملات بـ «الانتظام». بعد سبع سنوات من المفاوضات والمساومات التي اعقبت دورة الاورجواي تم توقيع الاتفاق النهائي في جنيف بتاريخ 15 ديسمبر 1993 وقد كان هذا الاتفاقات يتضمن عدة مفاجآت والتي كان اهمها والاكثر حرصا في الاحتفاظ به سرا لفترة من الوقت يتمثل في تحويل «الجات» الى «المنظمة العالمية للتجارة» والتي يتم الرمز لها في اللغة الانجليزية بالاحرف الثلاثة «wto» وهذه رموز كانت قد تبنتها «المنظمة العالمية للسياحة» «wto» ايضا هكذا نجد ان الهيئة التي زعمت بانها قد قامت من اجل جعل قواعد التجارة العالمية اكثر وضوحا قد بدأت مسيرتها بعمل قرصنة فكرية. وتشكل منظومة المنظمة العالمية للتجارة بنية مندمجة بحيث ان مختلف فروع النشاط الاقتصادي والتجاري تتداخل ويقوي كل منها عمل الآخر بالتبادل ومن هنا غدا لهذه المنظمة ومن خلال الاتفاقات العديدة التي تشتمل عليها تأثيرات مباشرة على الحياة اليومية للمليارات من البشر، ان لها دورها في تحديد طرق الانتاج والاستهلاك ونوعية التغذية وحماية البيئة وميدان الصحة العامة، وهذا الدور قد يكون مباشرا او بطريقة غير مباشرة، ولكن تبقى الهيئة الاساسية في المنظمة العالمية للتجارة هي «هيئة تسوية الخلافات»؟ وهو نوع من المحكمة التابعة للمنظمة والتي تلزم الاحكام الصادرة عنها التشريعات الوطنية لهذا البلد او ذاك بالانصياع الى قواعد اللعبة العامة التي حددها الكبار، والا فانها تتعرض اي البلدان المارقة للعقوبات الاقتصادية. وتتمثل الأدوات الرئيسية الثلاث في آلية عمل المنظمة العالمية للتجارة في ثلاث «مؤسسات» هي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة نفسها .. وهذه المؤسسات كلها تخضع لهيمنة «الاخ» الامريكي «الاكبر» اما الهدف النهائي فهو تأمين مصالح البلدان الاكثر ثراء في العالم بحيث تزداد ثرواتهم بينما يتفاقم فقر الفقراء، وفي اطار هذا التناقض الكبير شهدت مدينة «سياتل» في عام 2000 وحيث انفجرت المواجهة بين جماعات اللوبي الاقتصادي العالمي وبين اولئك الذين يوجدون في الطرف الآخر والذين يمثلون خصوم العولمة الليبرالية القائمة اساسا على اساس المنافسة واقتصاد السوق وتأمين اكبر المكاسب للشركات الدولية الكبرى واربابها بعيدا عن التفكير بأية حقوق اجتماعية للمليارات من البشر. كتاب لعله الاول من نوعه من حيث شموليته وتعرضه لـ «المنظمة العالمية للتجارة» وآليات عملها ودورها على صعيد الاقتصاد العالمي وحياة الناس انها «السلطة غير المرئية» والتي يستخدمها الاكثر قوة لفرض هيمنتهم اكثر فأكثر على العالم